شح المياه… بين أمن الدول وحروب المستقبل


باسم حسين الزيدي

بعد أن ارتفعت مؤشرات الخطر حول مسألة الدول التي تعاني الفقر المائي والنقص الحاد في إمدادات المياه والتي سببت الكثير من الأزمات الحادة
والخلافات بين الدول المتجاورة أو المتشاركة في كميات المياه، مما انذر بخطر وقوع صراعات مسلحة أو نشوب الحروب “وهو ما لم يحدث في تأريخ البشرية من قبل” فيما بينه، الأمر الذي يستدعي تدخل جهوداً دولية حثيثة من قبل الدول الكبرى والمنظمات العالمية وبالأخص “الأمم المتحدة” من اجل معالجة هذه المشاكل عبر الحوار والتنسيق المشترك والتوزيع العادل للمياه.

المياه لمضاعفة الإنتاج
حيث تتمتع المستجمعات المائية الكبرى في العالم بكميات كبيرة من المياه تمكنها من مضاعفة الإنتاج الغذائي خلال العقود المقبلة، بحسب معدي دراسة قدمت خلال المؤتمر الدولي الرابع عشر حول المياه الذي انطلق مؤخراً في بورتو غاليناس شمال-شرق البرازيل، والمشكلة لا تكمن في نقص في المياه وإنما في “استخدام غير ناجع وفي توزيع غير عادل لكميات المياه الضخمة في أبرز المستجمعات المائية”، وفقا لدراسة المجموعة الاستشارية للأبحاث الزراعية العالمية وهي شبكة من مراكز للأبحاث وللتنمية المستدامة، وبحسب الدراسة التي نشرت في العدد الخاص للمجلة الدولية حول المياه “في العالم مياه تكفي لتلبية الحاجات الغذائية وتلك الخاصة بالطاقة والصناعة والبيئة خلال القرن الحادي والعشرين”، أعلن سايمون كوك أحد المشرفين على الدراسة أن “هناك كميات كافية من المياه، شرط استخدمنا هذه المياه بشكل أكثر توازنا”، ولفت إلى أن “الجتمعات تستخدم المياه لزراعاتها ولإنتاج الكهرباء ولتغذية مراكزها المدينية وكذلك لأهداف بيئية”. بحسب فرانس برس.
ولا بد من أخذ جميع هذه الجوانب بالاعتبار بطريقة شاملة بهدف التوصل إلى استخدام متوازن، وشرح ألان فيدال مدير برامج المياه والأغذية في المجموعة الاستشارية للأبحاث الزراعية العالمية التي أطلقت الدراسة أنه “مع تغييرات بسيطة نستطيع إنتاج أغذية ثلاثة مرات أكثر مقارنة مع ما ننتجه اليوم، خصوصا في المناطق الجافة في إفريقيا جنوب الصحراء”، ففي إفريقيا “المنشآت الزراعية تستخدم بالكاد 4% من المياه المتوافرة” بحسب ما تشير الدراسة التي تتطرق إلى أحد أبرز التحديات التي تواجهها الإنسانية، وقد تطلبت الدراسة خمسة أعوام من الأبحاث مع علماء من خمسين بلدا حللوا وضع عشرة مستجمعات مائية هي، مستجمعات منطقة الأنديز ومستجمع ريو ساو فرانسيسكو في أميركا الجنوبية ومستجمعات أنهر ليمبوبو والنيجر والنيل وفولتا في إفريقيا ومستجمعات أنهر الغانج (الهند) والكرخة (إيران) والميكونغ وهوانغ هيه أو النهر الأصفر في أسيا.

الدول الاقل امانا
فيما جاءت موريتانيا والكويت والاردن ومصر بين الدول الاقل امانا من حيث امدادات المياه حسب تصنيف اعدته مجموعة مابلكروفت البريطانية لتحليل المخاطر، وذكرت المجموعة ان نقص المياه في الشرق الاوسط وشمال افريقيا قد يسبب توترات سياسية وارتفاع أكبر لاسعار النفط، ونصحت المجموعة الشركات بان تضع توافر امدادات المياه في الحسبان عند اتخاذ قرارات استثمار نتيجة تزايد الطلب من السكان والتاثيرات الاخرى للتغيرات المناخية، وافادت أن موريتانيا في غرب افريقيا صاحبة أقل الامدادات امانا بين 160 دول شملتها الدراسة تليها الكويت والاردن ومصر واسرائيل والنيجر والعراق وسلطنة عمان والامارات، وقالت مابلكروفت في بيان “قد تقود المخاطر المفرطة المتعلقة بامدادات المياه في الشرق الاوسط وشمال افريقيا لزيادة اكبر لاسعار النفط العالمية وتصاعد التوترات السياسية في المستقبل”، وتواجه الكثير من الدول المنتجة للنفط الاعضاء في منظمة أوبك “ومن بينها السعودية وتأتي فى المرتبة الثالثة عشر في التصنيف” ضغطا على الامدادات، وقال توم ستايلز محلل المخاطر في مابلكروفت انه كثيرا ما تضخ المياه في مكامن النفط من اجل زيادة الضغط وزيادة الكمية المستخرجة على سبيل المثال، ومع نفاد المياه الجوفية سيقود نقص المياه أسعار النفط صعود، كما توقع ارتفاع تكلفة الماء المنتج من محطات التحلية او الذي ينقل من البحر عبر انابيب، وقال التقرير ان موريتانيا جاءت في المقدمة لان بها نهرا واحدا تجري فيه المياه على مدار العام هو نهر السنغال “وفيما عدا عدد قليل من الوديان والواحات تعاني البلاد من جفاف كلي تقريبا”، ويتوقع ان ينمو السكان بنسبة ثلاثة في المئة سنويا مما يزيد الطلب على المياه، وعلى الطرف الاخر تأتي الدول الاكثر امانا من حيث امدادات المياه وهي السويد وجويانا وكندا وروسي، ويسعى التصنيف لوضع معيار كمي لعوامل مثل نمو السكان والاعتماد على الامدادات الخارجية ومدى تأثير المياه الجارية على الاقتصاد. بحسب رويترز.

شجرة المورينغا أوليفيرا
بدورهم يقول الخبراء أن أحد الحلول لمشاكل المياه التي تواجه الكثير من فقراء العالم قد يكمن في بذور بحجم حبة البازلاء من شجرة المورينغا أوليفيرا التي تنمو على مساحات واسعة من الأراضي، وقال مايكل ليا، الكاتب والباحث بمركز كليرينغ هاوس في أوتاوا الذي يجري أبحاثاً على تقنيات منخفضة التكلفة لتنقية المياه، في حديثه، “إن المورينغا أوليفيرا “تقنية البذور” وسيلة هامة ومستدامة ومنخفضة التكلفة للحد من الأمراض المنقولة عن طريق المياه، ويمكنها تحسين جودة الحياة لنسبة كبيرة من الفقراء”، وفقاً للنشرة التي أعدها ليا في 2010، يمكن سحق بذور المورينغا، وهي شجرة (أو شجيرة) تنمو في إفريقيا وأمريكا الوسطى والجنوبية وشبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا، لإعداد مسحوق وخلطه مع المياه السطحية للحد من البكتيريا بنسبة 90-99 بالمائة، مما يجعل المياه غير المعالجة صالحة للشرب بأمان، وهذه التقنية ليست جديدة، فقد استخدمت بعض المجتمعات في السودان شجرة المورينغا متعددة الأغراض كمصدر للغذاء وتنقية المياه منذ عدة قرون، كما أن هذا النبات سريع النمو ومغذ وصالح للأكل ومقاوم للجفاف، ويمكن زراعته في الفناء الخلفي الخاص بك، أما بذوره فلينة ويمكن سحقها باستخدام أدوات الحياة اليومية، كملعقة ووعاء، وتوفر القدرة على تنقية المياه باستخدام تقنيات يسهل الوصول إليها بهذه الدرجة وغيرها إمكانية كبيرة لإنقاذ الحياة، فعلى الصعيد العالمي، يفتقر ما يقرب من 1.1 مليار شخص إلى سبل الوصول إلى مياه الشرب، بينما لا يزال الإسهال المسبب الرئيسي للمرض والوفاة، وفقاً لأحدث تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا). بحسب ايرين.
وفي الوقت الذي يتوقع فيه ارتفاع عدد الأشخاص الذين لا يحصلون على المياه المأمونة إلى ملياري نسمة بحلول عام 2025، تم تدشين مشاريع عديدة مستقلة لزراعة شجر المورينغا في السنوات القليلة الماضية، وفي قرية بريمن باكو في غانا، أقامت منظمة مجتمع المورينغا مزارع المورينغا التي يعيش عليها عدة آلاف  من الأشخاص كمصدر للغذاء، وقال أبو بكر عبد الله، المدير القطري لمجتمع المورينغا في غانا “المورينغا غنية بالبروتين والفيتامينات، لذلك يأكل الناس أوراق الشجرة ويستخدمون البذور كتوابل تضاف إلى الطعام، ولكن هناك حاجة للمياه النظيفة أيضاً، لذلك نحاول إبلاغ المجتمعات عن هذه التقنية أيضاً”، وعلى الرغم من الامكانات الجيدة لهذه التقنية، يقول كبريب غيبريمايكل، وهو خبير في تقنيات تنقية المياه في معهد التعليم في مجال المياه التابع لمنظمة التربية والعلوم والثقافة بالأمم المتحدة (اليونسكو)، أن أفضل استخدام لهذه البذور هو على مستوى الأسرة، وأضاف غيبريمايكل، الذي درس تقنية تنقية المياه باستخدام بذور شجرة المورينغا في رسالته لنيل درجة الدكتوراه “هذه التقنية سهلة وغير مكلفة وكثير من الناس لديهم بالفعل هذه الشجرة في ديارهم، ولكن لا يمكن استخدام المورينغا غير المعالجة في نظم مركزية كبيرة لتنقية المياه لأن المحتوى العضوي للبذور قد يسبب مشاكل متعلقة بطعم ورائحة المياه، إذا لم تستخدم لفترة طويلة”، وتصبح تنقية المياه باستخدام بذور المورينغا أكثر فعالية عند تنقية المياه السطحية، مثل البحيرات والجداول والأنهار والقنوات، ولكن ليس لتنقية مصادر المياه الجوفية، ولذلك فإنها لن تتمكن من حل مشكلة التسمم بالزرنيخ الطبيعي الذي يصيب العديد من السكان في آسي، وقال ليا “هذا الأسلوب ليس حلاً سحرياً، ولكن يمكن استخدامه في حالات الطوارئ، وفي الأماكن التي لا يجد الناس فيها الموارد اللازمة لمعالجة مياه الشرب”.

أرض الصومال تعاني
الى ذلك يواجه السكان في بعض أجزاء جمهورية أرض الصومال، المعلنة من جانب واحد في شمال شرق الصومال، نقصاً حاداً في المياه بعد سقوط كميات قليلة جداً من الأمطار خلال موسم دير الذي يمتد من أكتوبر إلى ديسمبر، وقال محمد موسي عوالي، رئيس الوكالة الوطنية للبحوث والاستعداد للكوارث أن “الناس في المناطق الشرقية من أرض الصومال، مثل سول وسناج وتوغدير، يواجهون صعوبات لكسب العيش بالإضافة إلى نقص المياه” لأن جميع البرك قد جفت، وأضاف أن المناطق الأشد تضرراً هي منطقة هود في توغدير وهضبة سول ووادي نوغال وأن السكان في بعض المناطق يعتمدون على المياه المنقولة إليهم بالحاويات، بدوره، قال محمود عبدي محمود، من منطقة هودن في سول أن “أقرب مكان للحصول على المياه هو دامال هاجاري، “على بعد 160 كيلومتراً” في منطقة سناج حيث ارتفعت أسعار المياه من 8 دولارات إلى 15 دولاراً “لكل 200 لتر”، ووفقاً لتقرير شبكة نظم الإنذار المبكر من المجاعة من المرجح أن “تزيد قلة الأمطار في ديسمبر من الضغط على موارد المياه وتؤثر سلباً على المحاصيل وحالة المراعي في القرن الأفريقي الكبير. بحسب ايرين.

محنة 800 مليون
في سياق متصل دعا الأمين العام للامم المتحدة بان كي مون اليوم إلى إنهاء محنة 800 مليون شخص بالعالم محرومين من المياه الصالحة للشرب، وناشد مون في بيان الحكومات كافة الاعتراف بأن أزمة المياه التي تواجهها الكثير من المناطق الحضرية هي أزمة إدارة ناجمة عن ضعف السياسات وسوء التنظيم أكثر من الندرة مشيرا إلى أن هذه المشكلة تدعو لمزيد من الاستثمار في المياه وخدمات الصرف الصحي، وقال الأمين العام، دعونا نتعهد بوقف التراجع المقلق بالاستثمار لصالح الفقراء في مجال المياه والصرف الصحي، ولنؤكد من جديد على إنهاء محنة أكثر من 800 مليون شخص ما زالوا في عالم من الوفرة يفتقرون إلى مياه الشرب المأمونة أو الصرف الصحي الضروريين للعيش بكرامة وفي صحة جيدة، وأشار الأمين العام إلى أنه وخلال العقد الماضي فإن عدد سكان الحضر الذين يفتقرون إلى صنبور مياه في منازلهم أو في الجوار قد بلغ 114 مليون شخص بينما ارتفع عدد الذين يفتقرون إلى إمكانية الانتفاع بأبسط المرافق الصحية الأساسية بمقدار 134 مليون نسمة وقد خلفت هذه الزيادة الكبيرة أثرا ضارا هائلا على الصحة وعلى الإنتاج الاقتصادي، وقال أليكساندر مولر الأمين العام المساعد للموارد الطبيعية خلال العشرين عاما القادمة، سيعيش 60 في المائة من سكان العالم في بلدات ومدن سيتركز جزء كبير من هذه الزيادة في الدول النامية لذا ستكون المياه وتوفير الطعام من أكثر التحديات التي تواجه تلك البلدان. بحسب وكالة الانباء الاماراتية.

التفاوض مع دول الجوار
من جهته طالب رئيس لجنة الصحة والبيئة بمجلس محافظة ميسان، بمناسبة اليوم العالمي للمياه، الحكومة العراقية للتفاوض مع الدول المجاورة لمعالجة شح المياه الواصلة الى العراق بصورة عامة والى ميسان بصورة خاصة، وقال ميثم لفته الفرطوسي إن “هناك مشكلة كبيرة في محافظة ميسان متمثلة بشح المياه الواصلة اليها من نهر دجلة كونها تقع في اقصى الجنوب”، مطالبا الحكومة “بالتدخل لحل هذه المشكلة المستعصية والتي تتكرر كل عام في فصل الصيف”، وتابع “على الحكومة المركزية التفاوض بشكل فوري مع تركيا لغرض اطلاق كميات من المياه ومخاطبة الجانب الايراني بازالة السدود المقامة على بعض الانهار التي كانت سابقا تصب في الاراضي العراقية وخاصة في منطقتي الطيب والفكة على الحدود الشرقية لمحافظة ميسان”، يذكر ان العراق يشكو منذ سنوات من عدم حصوله على حصته كاملة من مياه دجلة والفرات بسبب مشاريع الري في كل من تركيا وسوريا، فيما حولت ايران انهارها المتجهة الى العراق لتصب في اراضيه، وبحسب مسؤول منظمة اليونسيف في ميسان المهندس ماجد محمد امين، فان “مشكلة نقص المياه هي مشكلة عالمية ولا تقتصر على العراق او محافظة ميسان لكن المحافظة اكثر تاثرا من باقي محافظات البلاد كونها تقع في اقصى الجنوب”، يشار الى ان اليوم العالمي للمياه يحتفل به كل عام في 22 من اذار وقد تأسس بقرار من الامم المتحدة في كانون الاول عام 1992، كما ويحتفل من عام 2005 حتى 2015 بالعقد العالمي للمياه، وتقع مدينة العمارة، مركز محافظة ميسان، على مسافة 390 كم إلى الجنوب من العاصمة بغداد. بحسب اصوات العراق.

الشرق الأوسط ونقص المياه
من جهة اخرى يتعرض الشرق الأوسط لموجات متلاحقة من التحولات السياسية وأحداث متدافعة تحمل رياح التغيير، وقد احتلت هذه الأحداث مكان الصدارة في وسائل الإعلام العالمية بدءا من تونس إلى مصر إلى ليبيا إلى اليمن إلى البحرين إلى سورية وغيره، وقد حملت هذه التطورات في ثناياها توترات تصحب عادة كل جديد، ولا يستطيع أحد أن يتنبأ بالشكل الذي ستنتهي إليه كل حالة، غير أن أهم من ذلك كله هو خطر العطش الذي يهدد المنطقة، ذلك أن الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لديهما أقل كميات مياه توفر أي نوع من الأمن المائي، ويزيد المشكلة تفاقما أن المنطقة لا تعرف الاستقرار السياسي منذ عقود، وقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع في أسعار النفط في المستقبل، وقد أظهرت دراسة حديثة صدرت عن استشاريي المخاطر البريطانيين ”مابل كروفت” أن هناك 18 دولة تعاني حالة خطر حرجة للغاية فيما يتعلق بمواردها المائية من بينها 15 دولة في الشرق الأوسط، وتضم القائمة عددا من أهم دول تصدير البترول بما فيها المملكة، والكويت والإمارات وليبيا والجزائر، وقد تكون هناك نتائج مهمة وحرجة على الصعيد العالمي إذا استمر الوضع على هذا المنوال، ويرى المحللون المهتمون بالأحداث العاصفة التي يمر بها الشرق الأوسط أن سبب المشكلات كانت عوامل واعتبارات سياسية أو اقتصادية، خاصة التضخم وارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة، ولم يكن الماء ضمن حسابات أحد ممن يبحث عن جوهر المشكلات، لكن من الواضح أن النقص الحاد في المياه وسوء إدارة الموارد المائية والصراعات حول المشاركة في الموارد المائية، سيؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار. بحسب وكالة الشرق الاوسط.
ويقول توم ستايلز، وهو محلل متخصص في المياه، ويعمل في ”مابل كروفت”، ”إن المياه لن تكون السبب الأوحد للقلاقل المدنية أو الصراع الدولي، لكنها ستكون عاملا مساعدا لمثل هذه المواقف، أو أن تكون القشة التي ستقصم ظهر البعير”، ولو أخذنا سورية كمثال لاضطرابات المياه، سنلاحظ أن مدينة درعا الواقعة جنوب البلاد تعرضت لموجات هجرة متلاحقة وفدت من شرقي البلاد الذي تعرض لموجة جفاف مدمرة، وبلغت تقديرات أعداد من تأثروا بهذا الجفاف على امتداد أربع سنوات 1.3 مليون نسمة، وعندما نتناول بالدراسة والتحليل مشكلة المياه في دولة فإننا نضع عدة اعتبارات، هي:
ــ معدل النمو السكاني في هذا البلد لقياس التوسع في احتياجاته المستقبلية.
ــ مدى الاعتماد على مصادر مياه واردة من الخارج، حيث احتمالات ارتطام المصالح والصراع وتداخل الحسابات السياسية والاقتصادية.
ــ أسلوب استخدام المياه، وهل هناك إسراف مبالغ فيه أم تعقل وترشيد؟
ــ فاعلية السياسة المائية للحكومة، إضافة إلى أمور أخرى.
وإذا ما طبقنا هذه المعايير فإن موريتانيا تتصدر الدول ذات المخاطر العالية، وتليها الكويت ثم الأردن ثم مصر ثم إسرائيل وفلسطين، وتتناول دراسات المياه كذلك الاستخدام الفعلي للمياه، الذي يوضح مدى دخول المياه في السلع الغذائية المستوردة، لذلك فعندما يحدث شح مائي فإن أثر ذلك يظهر فورا كما حدث مع روسيا عندما تعرضت لموجات جفاف وتصاعد حراري شديد أصاب القطاع الزراعي، فما كان منها إلا أن أمرت بتحديد صادرات القمح، ما أدى إلى ارتفاع أسعاره في السوق العالمية، ويبلغ نصيب الفرد في منطقة الشرق الأوسط 1200 متر مكعب، وهو ما يقل بنسبة 20 في المائة عن المعدل العالمي، كما أن الأنهار والمكامن المائية يجري استغلالها بضراوة، وتقرر تقديرات البنك الدولي أن هناك سبع دول في منطقة الشرق الأوسط تبالغ في ضخ المياه من الآبار والمكامن المائية وخزاناتها الطبيعية الكائنة تحت الأرض، بينما قل تدفق المياه في أنهار تركيا وسورية والعراق والأردن ولبنان بنسب هائلة راوحت بين 50 و90 في المائة على امتداد العقود الخمسة الماضية، ومما يزيد حالة الانزعاج ما ورد في دراسات مشروع الأمم المتحدة للمياه، من أن هناك 30 دولة ستصبح المياه لديها ضئيلة وقليلة للغاية في عام 2025 بعدما كان عدد هذه الدول 20 دولة فقط عام 1990، ومن بين الدول الـ30 هناك 18 دولة في الشرق الأوسط وشمال إفريقي، بل إن بيانا صدر عن منظمي يوم المياه العالمي أوضح أن أكثر مناطق العالم معاناة من الصراعات المائية في المستقبل هي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ولعل أكثر بقاع المنطقة توترا هي تلك التي تشهد نقطة الوميض، ونعني بها الدول المتعددة التي تتقاسم مياه نهر واحد، فنهر النيل على سبيل المثال تشارك فيه تسع دول بما فيها مصر والسودان، وهما دولتان من دول الشرق الأوسط والشمال الإفريقي، كلتاهما قاحلة جدباء تحصلان على احتياجاتهما المائية من نهر النيل، أما إسرائيل فلها قصة أخرى مع الأردن فيما يتعلق باقتسام مياه نهر الأردن، كما أن هناك خلافات وصراعات حول مكامن المياه الجوفية، وعودة إلى نهر النيل، فقد تم توقيع اتفاقية مشاركة في مياه النيل تسمح بالمساواة للجميع في الحصول على حصتهم من النهر، وقد وقعتها دول المنبع، لكن السودان ومصر رفضتا التوقيع خشية أن تقل كمية المياه المتاحة لهما بمقتضى هذه الاتفاقية، وتضمن مصر الآن الحصول على 56 مليار متر مكعب، وتهدد باستخدام القوة ضد دول المنبع إذا حاولت تقليل وارداتها من الماء، والمعروف أن صناعة البترول في خطر شديد مع تضاؤل كميات المياه بسبب مياه الرفع التي يجري ضخها لإطالة أمد إنتاجية الآبار، والمعروف أن أكبر حقل نفط في العالم وهو حقل الغوار السعودي يستخدم المياه للحقن كلما ركدت معدلات الإنتاج، ومع قلة المياه فإن مياه الرفع ستقل وسيتضاءل معها حجم النفط، ما يرفع أسعاره، وقد حددت منظمة الدول المصدرة للبترول ست دول في موقف الخطورة واثنتين أخريين في موقف أعتى درجات الخطورة، وهذه الدول الثماني تنتج 45 في المائة من إجمالي إنتاج النفط في العالم حسب إحصائيات 2009، وهناك عدة تطورات متوقعة منها لجوء الحكومات إلى ترشيد الاستهلاك ورفع أسعار المياه، ما يؤذي الصناعات القائمة على المياه، ولذلك فإن كثيرا من الشركات بدأت تدرك أهمية سمعتها فلا تبالغ في استخدام المياه، والخوف الأعظم هو سوء الأحوال الجوية، بحيث يسود الجفاف وتقل المياه، إنها مشكلة كامنة وعلى وشك التحرك وعندئذ سيشعر العالم بهزة كبرى في استقراره.

قلق الإماراتيين
كما أظهر استطلاع جديد عن شركة “بروكتور آند جامبل”، أن المخاوف من مشكلة نقص المياه في المنطقة بلغت الآن ذروته، وأوضح الاستطلاع أن في دولة الإمارات وحدها بلغ متوسط استهلاك الفرد من المياه 550 لتراً في اليوم، ما يعادل ثلاثة أضعاف المعدل العالمي، وهو ما يثير القلق الشديد بشأن مستقبل المياه العذبة للأجيال القادمة، وبينت نتائج البحث أن 25 بالمائة من الأسر في الإمارات يشعرون بالقلق من معاناة أطفالهم من شح المياه العذبة في المستقبل، و28 بالمائة من الإماراتيين يشعرون بالقلق من أن الموارد الطبيعية المحدودة ستمثل مشكلة للأجيال القادمة، وأظهرت النتائج أيضاً أن 57 بالمائة من سكان دبي يقومون بدور نشط في مراقبة استهلاكهم من المياه لاستخدام ما هو ضروري منها فقط، و24 بالمائة من المقيمين في أبوظبي ودبي يعتقدون أن تصرفاتهم الشخصية لا يمكن أن تحدث فرقاً في مسألة استهلاك المياه.

المياه المعبأة في طوكيو
من جانبها نفدت المياه المعبأة من المتاجر في العاصمة اليابانية طوكيو بعد أن أصبحت مياه الصنابير غير امنة بالنسبة للرضع لفترة قصيرة وذلك من جراء التسرب الاشعاعي من مفاعل نووي تضرر نتيجة الزلزال العنيف الذي شهدته اليابان وأمواج المد العاتية التي تبعته في حين أوقفت المزيد من الدول استيراد الاغذية من اليابان، وحذرت السلطات سكان طوكيو البالغ عددهم 13 مليون نسمة من شرب الاطفال الذين لم يبلغوا عامهم الاول بعد مياه الصنبور وذلك عقب أن بلغ التلوث ضعف المستوى الامن، لكن المستويات تراجعت الى كميات مسموح به، وعلى الرغم من مناشدة الحكومة المواطنين بالا يصابوا بالذعر فان المياه المعبأة نفدت من المتاجر الكبيرة، كما تم رصد اشعاعات أعلى من المستويات الامنة في الحليب والخضروات القادمة من فوكوشيما حيث تقع المحطة النووية المتضررة على ساحل المحيط الهادي، وانضمت سنغافورة واستراليا الى الولايات المتحدة وهونج كونج في فرض قيود على واردات الاغذية والحليب من المنطقة في حين أصبحت كندا أحدث دولة تشدد اجراءات الفحص بعد أسوأ كارثة نووية منذ كارثة تشرنوبيل. بحسب رويترز.
من ناحية أخرى قال مسؤول في قطاع الشحن ان بعض السفن التجارية ربما تتجنب ميناء طوكيو بسبب مخاوف من تعرض أفراد الطواقم للاشعاع، ورصدت جسيمات مشعة في مناطق بعيدة وصلت الى ايسلنده غير أن اليابان تصر أن المستويات لا تمثل خطرا على البالغين، وفي شمال اليابان الذي شهد دمارا كبيرا هناك اكثر من ربع مليون شخص يعيشون في دور الايواء، وقال جيم سميث من جامعة بورتسماوث البريطانية ان العثور على 210 بيكرل من اليود المشع اي ضعف الحد الامن في محطة تنقية المياه بطوكيو يجب الا يسبب الذعر، والمستوى الامن بالنسبة للبالغين هو 300 بيكرل، وأضاف “التوصية بعدم اعطاء الاطفال مياه الصنبور اجراء وقائي رشيد، لكن يجب التأكيد على أن الحدود موضوعة عند مستوى منخفض لضمان أن يكون الاستهلاك امنا على مدى فترة طويلة”، وتابع “هذا يعني أن استهلاك كميات صغيرة من مياه الصنبور لنقل بضعة لترات بمستوى ضعف المستوى الموصى به لن يمثل خطرا كبيرا على الصحة”.

دبلوماسية المياه
من جانب اخر قال خبراء ان الامم المتحدة يجب ان تعمل على النهوض “بدبلوماسية المياه” لنزع فتيل أي توتر بشأن المياه في مناطق مثل الشرق الاوسط وشمال افريقيا حيث يمكن ان يؤدي شخ الموارد الى صراعات في المستقبل، واضافوا انه ينبغي لمجلس الامن الدولي ان يجد سبلا لتعزيز التعاون بشأن المياه في البحيرات او الانهار المشتركة مثل الميكونج والنيل التي يرجح ان تتعرض لضغوط بسبب ارتفاع عدد سكان العالم والتغير المناخي، وقالوا ان منطقتي الشرق الاوسط وشمال افريقيا هما الاكثر عرضة لخطر الصراع بسبب شح المياه لكن التاريخ يظهر ان “حروب المياه” نادرة للغاية، وقال ظفر عديل رئيس برنامج المياه بالامم المتحدة قبل اجتماع للخبراء في كندا لمناقشة قضايا المياه والامن “نحن نعتقد ان المياه ستكون قضية ملائمة لمجلس الامن الدولي”، وتتوقع دراسات الامم المتحدة ان تعاني 30 دولة من “ندرة المياه” في 2025 ارتفاعا من 20 في 1990، و18 من هذه الدول في الشرق الاوسط وشمال افريقيا وأضيفت مصر وليبيا الى القائمة التي أعدت عام 1990 وتضم ايضا اسرائيل والصومال، وتعني ندرة المياه ألا يتاح للفرد سوى 1000 متر مكعب او اقل من المياه سنوي، وينسق برنامج الامم المتحدة للمياه الانشطة المتعلقة بالمياه التي تقوم بها جميع وكالات الامم المتحدة، وأفاد بيان بخصوص المحادثات التي جرت في تورونتو بأن “المنطقة العربية التي تتألف من الشرق الاوسط وشمال افريقيا على راس المناطق المعرضة لخطر صراعات المياه”. بحسب رويترز.
وقال عديل انه يجب على الامم المتحدة ان تسعى للنهوض بالتعاون بين المتنافسين على موارد الماء من خلال شكل من اشكال “دبلوماسية المياه”، وقال “لدينا تاريخ كامل من الحالات التي، استخدمت فيها دول في حالة حرب المياه كعنصر محايد تقريبا”، وتعاونت الهند وباكستان على سبيل المثال في تقاسم امدادات المياه في نهر اندوس حتى اثناء حربي 1965 و1971، ويقول خبراء ان الحالة الوحيدة الموثقة لوقوع “حرب مياه” كانت قبل 4500 عام عندما اندلعت حرب بين مدينتي لكش وامة في منطقة بين النهرين، وقال فابريس رينو من معهد البيئة والامن البشري في جامعة الامم المتحدة في بيان انه باستثناء هذا المثال “لم تكن المياه يوما السبب الرئيسي لوقوع حرب بين دولتين”، وبرغم ذلك قال عديل ان الضغوط على امدادات المياه بسبب الاحتباس الحراري وزيادة السكان الذين يتوقع ان يصل عددهم الى تسعة مليارات بحلول 2050 ارتفاعا من سبعة مليارات في 2011 قد يشدد خطر اندلاع صراعات مستقبل، ويعيش 40 في المئة من سكان العالم في أحواض 263 نهرا عالميا منها ما هو كبير مثل الامازون وما هو صغير مثل نهر الاردن.

جليد القطب الشمالي
على صعيد اخر قال باحثون امريكيون انه في فترة الذروة الافتراضية كانت مساحة بحر القطب الشمالي هذا العام الأصغر على الاطلاق وجاءت معادلة فيما يبدو لعام 2006 حين كانت كمية الجليد التي تغطي المنطقة عند أقل مستوى، وطبقا للمركز الوطني لبيانات الثلوج والجليد فان عادة ما يبدأ الجليد في التراكم على سطح المحيط القطبي الشمالي في سبتمبر ايلول ويصل الى ذروته في فبراير شباط أو مارس اذار ويبدو هذا العام انه وصل الى نطقة الذروة في السابع من مارس عندما بلغت مساحة الجليد 14.64 مليون كيلومتر مربع، وقال المركز في بيانه ان هذه المنطقة من المياه التي يغطيها الجليد تقل 1.2 مليون كيلومتر مربع عن متوسط الحد الاقصى لمساحة الجليد التي رصدتها الأقمار الصناعية في الفترة من عام 1979 حتى عام 2000، ومساحة جليد بحر القطب الشمالي وهي المنطقة التي يغطيها الجليد في الصيف والشتاء هي مقياس يستخدمه علماء لمتابعة تغيرات المناخ العالمي، ويعتزم المركز نشر تحليل مفصل عن جليد المحيط القطبي الشمالي خلال فصل الشتاء في الاسبوع الثاني من ابريل نيسان. بحسب رويترز.

أعلى سد في العالم
من ناحيتها أفادت وكالة أنباء الجمهورية الاسلامية الايرانية نقلا عن وزير الطاقة الايراني ماجد نامجو أن الصين وقعت عقدا بقيمة ملياري دولار مع ايران لبناء أعلى سد في العالم في ايران، وقال نامجو للوكالة الرسمية “يشكل توقيع عقد التمويل مع الصين لبناء سد بختياري أحد التطورات الرئيسية في قطاع المياه في البلاد، انه أعلى سد في العالم”، وقال محمد رضا رضا زادة العضو المنتدب لشركة تنمية مصادر المياه والطاقة ان شركة ساينوهايدرو ونظيرتها الايرانية فاراب ستشاركان في بناء السد في منطقة لورستان الغربية، وسيبلغ ارتفاع السد 315 مترا وسيحفظ لايران احتياطيا ضخما من المياه يقدر بنحو 4.8 مليار متر مكعب، وسيبدأ العمل في بناء السد في السنة الفارسية القادمة (التي تبدأ في 21 مارس اذار)، وسيدعم المشروع محطة توليد كهرباء بالطاقة المائية بقدرة 1500 ميجاوات، وتخشى الولايات المتحدة وحلفاؤها من أن تقوم ايران بتصنيع قنابل ذرية تحت غطاء برنامج نووي سلمي، وتقول طهران انها تحتاج التكنولوجيا لتوليد كهرباء تكفي احتياجاتها المحلية المتزايدة.وتضررت ايران من العقوبات الاجنبية واحجام الشركات الغربية عن الاستثمار فيها خوفا من العقوبات، وتعد الشركات الحكومية الاسيوية أقل رضوخا للضغوط الغربية في الابتعاد عن السوق الايرانية، وقلل مسؤولون ايرانيون مرارا من أي تأثير للعقوبات على بلادهم، ونقلت الوكالة عن وزير الطاقة قوله بعد توقيع العقد “نرحب باستثمارات من دول أخرى في مشروعاتنا”.
مركز المستقبل للدراسات

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*