الحرب العالمية الثالثة.. مائية


في عام 1995 أطلق د.اسماعيل سراج الدين نائب رئيس البنك الدولي وقتها، صيحته التي كانت أقرب الى نبوءة ترددت في الأكاديميات ومراكز البحوث العالمية، قال سراج الدين إذا كانت حروب القرن العشرين دار معظمها حول النفط، فإن حروب القرن الحادي والعشرين سوف تكون حروب المياه، وفي ابريل 2001 تعرضت ولاية تكساس بالولايات المتحدة لأزمة مياه حادة، وقيل وقتها في صحيفة “نيويورك تايمز” إن الذهب السائل في تكساس الآن هو الماء وليس النفط. واليوم هناك عدة دول تعاني ندرة المياه، من بينها الصين والهند والمكسيك وكندا واسرائيل وغانا.
انطلاقا من مقولة د. سراج الدين وضعت الباحثة والناشطة الهندية فاندانا شيفا كتابها “حروب المياه”، وتضع أمامنا مجموعة من الأرقام والاحصائيات المقلقة، فمن المتوقع في عام 2025 ان تكون هناك 56 دولة حول العالم تعاني ندرة المياه، وكان الرقم في 1998 حوالي 28 دولة، وسوف يكون هناك 817 مليون نسمة يعانون ندرة المياه في السنة نفسها، بينما كانوا 131 مليونا في سنة 1990، وفي العموم انخفض النصيب العالمي للفرد من المياه بمعدل الثلث منذ عام 1970، والسبب يعود الى زيادة عدد السكان في العالم، فضلا عن الافراط في استهلاك المياه، فقد تبين ان استهلاك المياه فاق بمرتين ونصف المرة معدل زيادة السكان، ويقال لدولة ما إنها تعاني نقصا حادا في المياه، إذا قل نصيب الفرد فيها عن 1000 متر مكعب سنويا من المياه، إما إذا قل عن 500 متر مكعب، فإن حياة الأفراد وبقاءهم يكون مهددا. وفي بلد مثل الهند كان متوسط نصيب الفرد من المياه المتاحة سنويا 3450 مترا، ولكنه انخفض في نهاية القرن العشرين إلى قرابة الثلث، حيث بلغ 1250 مترا، ومن المتوقع أن يبلغ 760 مترا في عام 2025.

إنكار
حروب المياه بدأت بالفعل، لكن القابضين على زمام الأمور في العالم لا يريدون الاعتراف بذلك، بل يغلفونها بالقول إنها حروب وصراعات حول الهوية أو المعتقد الديني وربما حول العرق، حروب البنجاب التي وقعت في الثمانينيات من القرن الماضي، كانت في حقيقتها -بنظر المؤلفة- حروب مياه، فقد شبت بسبب خطط التنمية الواجب اتباعها في الاقليم، وقد ارتبطت باستراتيجيات استغلال مياه الأنهار في الاقليم وتوزيعها على السكان، لكن هذه الحروب قدمت الى الرأي العام على أنها محاولة من السيخ في الاقليم للانفصال، ولم تكن كذلك، وتذهب المؤلفة الى ان الصراع بين الفلسطينيين والاسرائيليين هو ـ الآن ـ في جانب مهم منه صراع على الموارد الطبيعية والمياه في فلسطين، لكن الأمر يصور اعلاميا على أنه صراع بين المسلمين واليهود في المقام الأول.
وهناك حالات للصراع السياسي بين بعض الدول تكون في حقيقتها صراعا حول المياه، كما حدث بين سوريا وتركيا خلال العقد المنصرم، وكما هو الحال في مواقف عديدة بين مصر وأثيوبيا.
سبب رئيسي لأزمة المياه يعود الى “العولمة” وما تبعها من الشركات العابرة للقوميات وفكرة الخصخصة، فقد غيرت العولمة ثقافة المجتمع تجاه المياه والموارد الطبيعية، كان ينظر إليها على أنها هبة من الله ومورد يجب الحفاظ عليه، فضلا عن تعميم الفائدة منه والتمتع به، ففي الهند حيث يقع الجفاف، كانت توجد أكواخ صغيرة على الطرقات وفي مداخل القرى تسمى “معابد المياه” يجد من يمر بها كوبا من الماء يشربه، وكذلك الحال في المدن والمجتمعات الاسلامية كان هناك “سبيل المياه” ليشرب منه كل عابر للطريق يشعر بالعطش، ثم جاءت العولمة لتحول المياه الى سلعة وبعد أن كان الماء متاحا للكافة صار يعبأ في عبوات من البلاستيك، وإذا أحصينا عدد هذه العبوات يوميا في العالم كله، فإنها تعد سببا من اسباب تلوث البيئة والاحتباس الحراري، وقامت الشركات العابرة للقوميات باستغلال الموارد الطبيعية في عدد من بلدان العالم لتقوم بتسليعها وبيعها للمواطنين، ما يؤدي الى فقدان مورد مهم، فضلا عن اختلال التوازن البيئي كما حدث في الهند وأفغانستان.

احتكار
وحاولت الكثير من الدول الفقيرة رفض هذا التعامل من الشركات الكبرى، لكن جاءت فكرة الخصخصة وضغوط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتضعف مقاومة البلدان الفقيرة، كما حدث في الهند حول منطقة المناجم وفي تلال كاشيبور بأفغانستان، وعموما هناك 20 في المئة من سكان الأرض يتمتعون وحدهم بحوالي 80 في المئة من الموارد الطبيعية للكرة الأرضية، ما يعني حرمان 80 في المئة من سكان الأرض من نصيبهم العادل في مواردها وفي مقدمتها المياه.
ومن أخطر ما يرد في الكتاب أن الجفاف ليس كارثة طبيعية كما يتردد، بل هو كارثة غير طبيعية أو مصطنعة، أي بفعل فاعل، هو التكنولوجيا الحديثة، كان الانسان يتعامل مع المياه الجوفية بطرق حمائية تضمن له أن يستخرج منها ما يحتاجه، لكن ظهرت ماكينات تعمل بقوة جبارة، تساوي قوة ماكينات استخراج النفط، كي تستخرج المياه الجوفية أسرع وبكميات اكبر تفوق امكانية تجمعها، وهكذا استخرجت المياه الجوفية بكميات كبيرة لاستغلالها في زراعة القصب بالهند، ولتشغيل مصانع السكر وازدهار الشركات الكبرى، ولكن ترتب على ذلك نضوب المياه الجوفية ونفادها بسرعة في عدة مواقع بالعالم دون ان يكون هناك بديل لها، ومن ثم ظهر ما بات يعرف بالتصحر أو الجفاف.
وورد في القرآن الكريم قوله تعالى “وجعلنا من الماء كل شيء حي”، وفي الهند كانت جميع الأنهار مقدسة في كل الديانات واعتبرت دلالة على قدرة الإله، لكن تحولت المياه الى سلعة تباع وتشترى، تعبأ في زجاجة من البلاستيك ونقذف بها في سلة المهملات وفقدت المياه معناها المقدس.
ومازال الوقت متاحا لخلق “ديمقراطية المياه” وكذلك ديمقراطية التعامل مع موارد الطبيعة، لتفادي كارثة محققة، قد لا ينجو منها أحد من الدول الفقيرة أو الغنية.

– حلمي النمنم

(الاتحاد 26 ديسمبر 2012)
http://www.alittihad.ae/details.php?id=123701&y=2012&article=full

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*