حرب المياه قادمة فماذا أعددنا لها؟

سليم عثمان

أثار حديث البروفسير حسن مكي محمد أحمد لفضائية النيل الأزرق ضمن حلقة حوارية، عن نهر النيل بأن السودان ليس دوله مصب فحسب، بل أيضا دولة منبع لمياه النيل أثار الكثير من علامات الاستفهام، حيث لم يقل أحدا سواه أن السودان دولة منبع، لكن البروفسير مكي حاول أن يدلل علي قوله بأن مئات الاخوار تحمل كميات ضخمة من مياه الأمطار الي أفرع النيل المختلفة، في بلد بحجم قارة هو السودان، الا ان خبراء كانوا يشاركونه في تلك الحلقة الحوار، أوضحوا أن ذلك لا يجعل السودان دولة منبع بل دولة مصب تماما كمصر.
تفاعلات التوقيع علي اتفاقية الجديدة لتقاسم مياه النيل التي قامت بها معظم دول منبع النيل جعلت مصر والسودان في حيرة من أمرهما، رغم أن الكثير من المتابعين لهذا الملف الساخن أوضحوا أن السودان لا ناقة له ولا جمل في هذا الصراع الحيوي المحتدم بين دول المصب (مصر والسودان من جهة ) ودول منبع حوض النيل من جهة أخري، وأنه ينبغي أن يقف السودان علي الحياد ولا ينجر الي مصر ضد دول المنبع، التي أكدت أن قضيتها ليست مع السودان، إنما مع مصرالتي تستأثر بحصة الأسد من مياه النيل،وتري مصر أن تلك الكميات بالكاد تغطي حاجتها من المياه.
ويبدو أن كل طرف من الطرفين، غير راغب في تقديم تنازلات للطرف الاخر، وإزاء هذه التفاعلات التي تنذر بعواقب وخيمة ،فقد صدرت صيحات تحذير من مصر، وصلت إلى حد أن أي انتقاص من حقها في مياه نهر النيل، يعتبر بمثابة إعلان حرب عليها ،لأن المياه تعتبر بمثابة خط أحمر، وتجاوزه يشكل حتماً تهديدا للأمن القومي المصري.وكتب اسأمه سرايا رئيس تحرير الأهرام المصرية الحكومية، مقالا حول قضية مياه النيل المثارة حاليا في معظم المنتديات ووسائل الاعلام المختلفة، بأنهم مستعدون للقتال لآخر رمق، ولن تسمح بلاده بالاستيلاء علي المكاسب التاريخية لمصر وقال سرايا: (إذا حدث اعتداء على الحقوق والمصالح والطبيعة فهذا يعني ثورة وصراعات ودماء لا قبل لأحد بها، وهذه الحروب تتعدى أشكال وأساليب الحروب المعروفة، فهي حروب على أسباب الحياة، وتستمر حتى الرمق الأخير، لأنها أصعب حتى من الحروب على المقدسات).
لكن السيد صفوت الشريف رئيس مجلس الشورى الأمين العام للحزب الوطنى الديمقراطي الحاكم في مصر فقد أكد أن قضية مياه النيل ليست صراع حياة أو موت كما يحب البعض أن يصورها، مشددا على أن مصر لا يمكن أن تدير آلتها العسكرية تجاه دول المنبع فى حوض النيل.
وقال الشريف – فى حوار لقناة (روسيا اليوم) أجرته مراسلة القناة فى القاهرة الإعلامية أمل الحناوى – “إن من يردد ذلك لديه قصور فى الفهم وغباء فكرى وسياسي قد يكون مقصودا”، مطالبا وسائل الإعلام بأن ترفع يدها ولا تندفع إلى ما ينشر فى بعض صحف دول المنبع. ويؤكد حديث كل من السيد أسامة سرايا وهو رئيس تحرير الصحيفة الرسمية الأولي والأقدم في مصر والمقرب من النظام وحديث أمين الحزب الحاكم المقرب من الرئيس المصري حسني مبارك، بأن مصر فعلا في ورطة وفقدت البوصلة نحو هذه القضية التي أربكتها، فمن ناحية تبدو أنها مستعدة لمنازلة دول المنبع عسكريا ومحاورتها دبلوماسيا ، وإغرائها ماليا ، ودعمها فنيا ، ومن ناحية أخري تبدو صاغرة ومستسلمة ، لقدرها الذي صاغته الاتفاقية الأخيرة ، التي وقعتها بعض دون المنبع ، بل ومستعدة للتنازل عن بعض حصتها (أكثر من 55مليار متر مكعب مقابل حوالي 18مليار متر مكعب للسودان ) ورغم اتفاق كل خبراء المياه في مصر علي ضرورة الحفاظ علي المكتسبات التاريخية في هذا الصدد ،الا أن مصر الرسمية ليس لها أفق للخروج من هذه الورطة ،الا بالدخول مع دول المنبع في حوار جدي يراعي مخاوفها ،ويحقق لها الحد الأدنى من مطالبها فهي أي تلك الدول تري أن ما أقدمت عليه يعتبر بالنسبة لشعوبها مسألة حياة أو موت ،وبالتالي لا تبالي بأي خطر احمر وهمي تحاول مصر رسمه في عقول قادتها والممسكون بزمام ملف المياه التي يعتبرونها أغلي من النفط ، الورطة المصرية تبدو جلية خاصة أن أثيوبيا التي تقود دول المنبع لحرب مياه قادمة ،لديها عدد من السكان مثل سكان مصر ،أكثر من 80مليون جائعا فيها يرون في النيل وما يحمله من طين خصب الحياة ويبدو أنها تقود باقتدار دول المنبع نحو أهدافها.
فقد أعلنت صحيفة “إثيوبيان نيوز” الإثيوبية عن افتتاح أكبر سد مائي على بحيرة “تانا”، والتي تعتبر أحد أهم موارد نهر النيل، وذلك بعد قيام كل من إثيوبيا ورواندا وأوغندا وتنزانيا، بالتوقيع على اتفاقية جديدة للمياه بمدينة عنتيبي اليوغندية دون مشاركة دولتي المصب (مصر والسودان).
وقالت الصحيفة إن سد “بيليز” الذي يقع في ولاية أمهرة الواقعة على بعد 500 كيلو من العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، والذي بلغت تكلفته 500 مليون دولار، تم تمويله بالجهود الذاتية ،و دون أي مساعدات أجنبية، مشيرة الي أن السد ، سيولد المزيد من الطاقة الكهرومائية باستخدام الموارد المائية لبحيرة تانا، لافتة إلى أنها المرة الأولى التي تستغل فيها إثيوبيا نهر النيل، والذي تشاركها فيه ثماني دول أفريقية.
ونقلت الصحيفة عن ميهريت ديبيبى، المدير التنفيذي لسد بيليز، أن السد الجديد سيساهم في زراعة (119ألف هكتار) وسيمد شبكة الطاقة الوطنية بالدولة بـ23% من الكهرباء، لافتا إلى أنه سيتم التوسع في إنشاء فروع أخرى للسد كمراحل أخرى في الإنشاء حتى يكون بيليز هو أكبر سد مائي في صحراء أفريقيا، حيث وقعت إثيوبيا اتفاقية تعاون مع شركات صينية لاستكمال باقي الأفرع في الأربع سنوات المقبلة.
في المقابل، قلل مصدر مصري مسئول بقطاع مياه النيل، بوزارة الري لصحيفة “الشروق” المصرية المستقلة، استطاعة إثيوبيا زراعة (119 ألف هكتار)لأن الدراسات التي قام بها فريق من وزارة الري أثبتت أنها مناطق صخرية وحجرية لا يمكن الاستثمار الزراعي بها”، لافتا إلى أن المشروع سيقتصر على توليد المزيد من الكهرباء فقط.
وأكد المصدر أنه تمت دراسة للمشروع ، من خلال نموذج رياضي استحدثته الوزارة للكشف عن تأثير مشروعات السدود مجمعة على كمية المياه التي تصل إلى مصر، لافتا إلى أن دور وزارة الري انتهى عن ذلك، وتم إبلاغ جهات حكومية أخرى لاتخاذ القرارات المناسبة.
إلا أن خبراء مصريين في مجال المياه حذروا من خطورة إنشاء مثل هذه السدود علي حصة مصر من مياه النيل، واصفين إنشاءها بالسابقة الخطيرة التي ستدفع دول حوض النيل الأخرى إلي أن تحذو حذو إثيوبيا وتقوم بإنشاء السدود دون الرجوع إلي مصر.
وأبانوا أن هناك من سوف يقول: إن هذه السدود مخصصة فقط لتوليد الكهرباء، والرد علي هؤلاء هو أنه ليست هناك مشروعات لتوليد الكهرباء وأخري للمشروعات الزراعية، فكل السدود هي لتخزين المياه وبالتالي فإن تخزين المياه سيؤثر بالسلب في حصة مصر من مياه النيل. وأشاروا إلي أن إثيوبيا لديها خطة معلنة تستهدف إنشاء( 40 سداً) لتوفير ما يقرب من(7 مليارات متر مكعب سنوياً).
ويؤكد الخبراء أن إثيوبيا تقود تياراً يرفض التوقيع على أي اتفاق بشأن مياه النيل، لافتاً إلى أن إثيوبيا تستند إلى أن نحو 85% تقريباً من مياه النيل تأتي من أراضيها ولذلك فهي ترفض على الدوام التعاون والاتفاق مع مصر تحديداً وتصر على أن تحضر أية اجتماعات أو مشاورات لدول الحوض بصفة مراقب”.
ورغم أن هناك اتفاقيات كانت أثيوبيا طرفاً فيها منذ عام 1902 إلا أنها ترفض التعاون مع مصر، غير أنه تم توقيع اتفاق تعاون بين مصر وإثيوبيا عام 1993 ولم تلتزم الأخيرة به، وعندما أثيرت القضية في الأمم المتحدة عام 1997 رفضت إثيوبيا التوقيع على الاتفاق الإطاري”.
ويأتي الإعلان عن افتتاح السد الإثيوبي الجديد بعد أن كشف تقرير رسمي أصدره وزراء المياه في إثيوبيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا، نشر عبر الموقع الإلكتروني لدول حوض النيل عقب توقيعها على اتفاقية جديدة لتنظيم الموارد المائية لنهر النيل من دون مصر والسودان، عن أن هذه الدول سوف تقوم بعدة إجراءات للحصول على مشروعية دولية للاتفاق من خلال التصديق عليها داخل الأجهزة التشريعية والتنفيذية لها أو على المستوى الإقليمي والدولي.
وأشار التقرير إلى أن هذه الدول ستسعى لإضفاء الشرعية الدولية على الاتفاق. وقال وزير الري الأوغندي اصفاو دينجامو، في تصريحات صحافية عقب انتهاء مراسم التوقيع في العاصمة الأوغندية عنتيبي: إن الاتفاقية الجديدة تهدف لتحقيق المنفعة للجميع وعدم الإضرار بأية دولة من دول الحوض، واصفا الاتفاق بين دول منابع النيل الأربع بالتاريخي وأنه يتوج جهود 10 سنوات من المفاوضات وهو ما اعتبره اتفاقا عادلا.
ويتضمن الاتفاق الجديد بين دول منابع النيل منح دول أعالي النهر الحق في إقامة المشروعات المائية في حوض النيل دون الحصول على موافقة مصر والسودان, بالإضافة إلى عدم الاعتراف باتفاقيتي (1929، )1959 لتنظيم موارد نهر النيل, وعدم الالتزام بنظام الحصص المائية لدولتي المصب “مصر والسودان”.ليس هذا فحسب فإسرائيل العدو الأول للعرب ما تزال تدس انفها في هذا الصراع فقد أوردت صحيفة “ديلي نايشن” الكينية إن ليبرمان وقع مع الرئيس الكيني اتفاقية لإدارة مصادر المياه والري والبناء، تعهدت إسرائيل بموجبها بمواصلة دعمها لكينيا في مختلف مجالات التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وتوفير التدريب اللازم للكينيين في المجالات المختلفة وخاصة الزراعية والأمن وتكنولوجيا المياه.
قالت صحيفة “ديلي نايشن” الكينية إن ليبرمان وقع مع الرئيس الكيني اتفاقية لإدارة مصادر المياه والري والبناء، تعهدت إسرائيل بموجبها بمواصلة دعمها لكينيا في مختلف مجالات التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وتوفير التدريب اللازم للكينيين في المجالات المختلفة وخاصة الزراعية والأمن وتكنولوجيا المياه.وإسرائيل مستعدة لدعم دول منبع النيل فنيا وماليا مقابل حصولها علي حصة من مياه النيل وقد زارها مختصون من يوغندا ورواندا مؤخرا ووصف حينها سفير مصر لدي تل أبيب الأمر بأنه يشكل خطورة حقيقية لمصر وتحاول إسرائيل من خلال أغراء اريتريا بأن تلوي عنق النيل حتي لا يسير شمالا من خلال شق مجري جديد للنيل داخل الحدود الاريترية.
وسوف يزيد انفصال جنوب السودان حال حدوثه وهو أمر متوقع ،متاعب لا أول ولا آخر لها لدولتي المصب مصر وشمال السودان ذلك ان الدولة الوليدة سوف تطالب بحصتها من مياه النيل وسوف تجد الدعم من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية والغرب باعتبارها دولا تؤيد وتدعم بشدة عملية الانفصال ومعلوم ان إسرائيل دعمت حركة التمرد في الجنوب تحت زعامة الراحل جون قرنق كما أن دعمها لمتمردي دارفور لا يخفي علي أحد ولأحد قادة التمرد (عبد الواحد محمد نور ) مكتب اتصال في تل أبيب وقد زارها غير مرة وتدخلها في دارفور قديم.
وفي حديث لوزير الأمن الداخلي الإسرائيلي “أفي ديختر” قال: إن صانعي القرار في إسرائيل كانوا قد وضعوا خطة للتدخل في إقليم دارفور، وأردف قائلا: كنا سنواجه مصاعب في الوصول إلى دارفور لممارسة “أدوارنا المتعددة” بعيدا عن الدعم الأمريكي والأوروبي، وتدخلنا في دارفور أمر حتمي حتى لا يجد السودان الوقت لتركيز جهوده باتجاه تعظيم قدراته لصالح القوة العربية، حيث إن السودان بموارده المتعددة كان بإمكانه أن يصبح دولة إقليمية قوية، إلاّ أن الأزمات الداخلية التي يواجهها حالت دون ذلك. وقال: إن رئيسة الوزراء الإسرائيلية سابقاً جولدا مائير ذكرت أن إسرائيل مضطرة لاستخدام وسائل أخرى لتقويض الأوضاع من الداخل بالسودان، نظرًا لوجود الفجوات والثغرات في البنية الاجتماعية والسكانية للسودان فاسرائيل عندما عجزت عن الحصول علي مياه النيل من مصر هاهي تسعي بكل ما اوتيت من قوة لدفع دول المنبع وتحريضها علي إنشاء سدود ضخمة لتخفيق وتقليل كمية المياه المتجهة لدولتي الصب الي ادني درجة ممكنة وعندها تصبح الحياة صعبة لشقي وادي النيل مما يحتم علي قيادتي البلدين التفكير بشكل أكثر عقلانية للمخاطر التي تهدد بقاء الشعبين السوداني والمصري ، فالحرب لا محالة قادمة فماذا اعددنا لها؟
– الديوان 11 سبتمبر 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*