مشكلة نقص المياه تهدّد دول الخليج


لا تزال المياه هي النبتة الخضراء في الصحراء الجرداء؛ ونظراً لما تشهده دول الخليج الآن من نمو مطرد في عدد السكان والطلب المتزايد وغير المسبوق على المرافق، يتعين على الحكومات اتخاذ موقف على الفور للتأكد من أن نقص المياه لن يصبح مشكلة دائمة في المنطقة.
ولقد عانت منطقة الخليج من صيف ملتهب عجزت فيه مُكيفات الهواء، في ارتفاع مطرد للحرارة والتي وصلت فيه إلى 50 درجة، عن الوفاء بمتطلبات هذا العدد الهائل من السكان الآخذ في النمو. ومن المتوقع، أن تسجّل دول الخليج الست ارتفاعاً في عدد السكان على مدار العقد القادم؛ فبحلول عام 2020 قد يصل عدد سكانها إلى 53.5 مليون نسمة أي بزيادة 30% مقارنةً بمستوى الزيادة في عام 2000. وبالرغم من أن هناك توقعات اقتصادية إيجابية، تحمل هذه التوقعات في طياتها مخاطرة النمو السكاني غير المُحكم والذي سيؤدي إلى نقص المياه في المنطقة.
ويستهلك سكان الخليج المياه بكميات غير معقولة بيد أنهم يعيشون في منطقة تُرزق بمتوسط سنوي يقدر بـ96 مم من الأمطار، حيث تبدلت ثقافة الترشيد التاريخية إلى ثقافة الاستهلاك التي لا يمكن كبح جماحها. هذه النقلة النوعية قد تجعل من الخليج صحراء جرداء إلا إذا تغيرت السلوكيات وتدفقت الاستثمارات في هذا الصدد.

نُدرة الموارد
يقول الدكتور محمد داوود، مدير موارد المياه في هيئة البيئة- أبوظبي، وهي هيئة حكومية أُسست للمساعدة في الحفاظ على البيئة وتعزيز الممارسات المُدعمة لهذا الصدد، إن “في الماضي، لم يكن لدينا الكثير من المياه ولكن هذا القدر كان كافياً بسبب انخفاض الطلب”.
ويضيف داوود: “وبالنسبة للأجيال القادمة، سيكون مستوى المعيشة مرتفع للغاية، وبالتالي ستكون متطلبات هذه الأجيال كبيرة جداً. فحمامات السباحة ورشاشات المياه (الدُش) والمطابخ والمراحيض ونظم التبريد لم تكن معظمها معروفة في الماضي في وقت أجدادنا. ولكن الآن هناك الكثير من الضغط على مواردنا المحدودة”.
ويعد استهلاك الفرد للمياه في منطقة الخليج هو الأكثر ارتفاعاً على مستوى العالم. وتحتل أبوظبي المركز الأول حيث يصل متوسط استهلاك الفرد للمياه في الإمارة 550 لتراً في اليوم. والأدهى من ذلك، أن هذا المتوسط يمثل فقط 40% من إجمالي استهلاك الإمارة للمياه ولا يتضمن المياه المستخدمة في الزراعة والبساتين. وبالمقارنة، يُعد متوسط استهلاك الفرد في الأردن 85 لتراً في اليوم، بينما يستهلك الفرد في الهند فقط 25 لتراً. وعلى مدار العقد المنصرم، ازداد الطلب على المياه في السعودية والبحرين وقطر بنسبة 58% ومن المتوقع أن تزيد هذه النسبة إلى 69% بحلول 2020.
والأسوأ من ذلك أن الكثير من المياه المُنتجة في الخليج يتم إهدارها. وعبر هذه المنطقة، تقلل الجهات الحكومية أو تلغي تماماً نفقات المياه التي كان يتحملها المستهلكون. وقد سمحت الثروة البترولية لبعض الحكومات تغطية كافة نفقات المرافق للمواطنين بيد أن هذه الممارسة تعزز ثقافة الإهدار المُغرضة بين السكان الأصليين للخليج.
ويواصل داوود حديثه قائلاً: “علينا الآن تعليم الناس أن الماء ليس مجانياً؛ فإذا حصلت على الماء دون مقابل أو لم تدفع الكثير للحصول عليه، ستهدره ولن نسمح بذلك في المستقبل”.

خفض التكاليف وترشيد الاستهلاك
ولا يتحمل المستهلكون وحدهم مسؤولية إهدار المياه بل إن الجهات التي تقوم بتوريد هذه المياه تدفع الثمن هي الأخرى على مدار عقود نتيجة انخفاض الاستثمارات في هذا الصدد. وقد اتضح أن تسريب الأنابيب يمثل أكثر من 50% من إهدار المياه في بعض مناطق الخليج – وهو رقم مثير للقلق عندما تدرك أن عمر الجانب الأكبر من البنية التحتية في منطقة الخليج لم يبلغ سوى بضعة عقود.
وفي أبوظبي، أدركت الحكومة حجم المشكلة وتعاقدت مع شركة روبينيوس لحلول الطاقة والتي تتخذ من دبي مقراً لها لتركيب سلسلة من نظم الشبكات الذكية عبر شبكة المياه الخاصة بالإمارة. وتعهد الشركة إلى تركيب مجسات بنظم المياه والصرف الصحي للسماح لهيئة مياه وكهرباء أبوظبي بمراقبة المياه بدء بمرحلة التحلية والتوزيع فضلاً عن مراقبة مياه الصرف الصحي من مرافقها في المدينة إلى محطة المعالجة.
ويقول كلاوس روبينيوس، مؤسس الشركة ورئيس مجلس إدارتها: “يعد خفض كمية المياه المفقودة من شبكة التوزيع بشكل ملحوظ عنصراً مهماً؛ فنحن نسعى إلى تقليل التسريب من نظام التوزيع في أبوظبي والذي يقدر بـ30 – 40% من إجمالي المياه الموردة إلى 6 – 10%. وتُمكننا هذه التقنية الفريدة التي لم تُستخدم في أي مكان آخر في العالم من معرفة أماكن التسريبات في الشبكة في الوقت الحقيقي”.
وتسعى الإمارة أيضاً إلى الحفاظ على 75 مليار لتر من المياه – أي ما يعادل 30000 حوض سباحة أوليمبي الحجم أو 50 مليون زجاجة مياه كبيرة كل عام عن طريق تركيب جهاز ثنائي الدولار والذي سيوفر نحو 30% من استهلاك المياه المستخدمة في الأغراض المنزلية للأسرة الواحدة. ويخفض الجهاز الدائري الصغير تدفق المياه من 12 لتر في الدقيقة إلى ثلاثة لترات. ووفقاً للوكالة التي طرحت هذه المبادرة، لن يؤثر ذلك بشكل ملحوظ على المستهلك.

الحاجة إلى شراكات القطاع الخاص
في نفس الوقت، يتعين على الحكومات أن تزيد من إنتاجها للمياه على قدم المساواة؛ وذلك لأن منطقة الخليج الآن تعتمد بشكل متزايد على المياه المحلاة للوفاء باحتياجات المستهلكين، حيث تُمثل 40% من سعة المياه المحلاة على مستوى العالم، بينما تنتج الإمارات وحدها 9 ملايين متر مكعب من المياه يومياً بتكلفة 18 مليون دولار. وتقوم الدولة فعلياً بتحلية كميات من المياه أكبر من احتياجاتها من خلال عملية باهظة الثمن ومُهدرة للطاقة يصر الخبراء على أنه يمكن تحسينها.
ويقول روبينيوس: “إن تحلية المياه تُعد تقنية حيوية وستبقى كذلك والشيء الوحيد الذي يمكنك أن تفعله لتحسين فعاليتها هو التأكد من عدم إهدار المياه بعد تحليتها. وفي الوقت الحالي، تتجه صناعة تحلية المياه من المحطات المركزية الضخمة إلى محطات محلية أصغر. وسيكون لذلك أثر عظيم على حصول المستهلكين على المياه بصورة أكثر فعالية”.
وفي الواقع ونظراً لأن مستهلكو الخليج – كما يبدو – ليسوا على دراية كافية بمعدلات الاستهلاك القياسية التي وصلوا إليها، ذلك بالإضافة إلى المياه المتسربة بشكل دائم من الأنابيب المتصدعة الخاصة بمحطات إنتاج المياه المركزية، أصبحت هناك ضغوط متزايدة على الحكومات لإشراك القطاع الخاص في محاولة للحد من هذا الإسراف والتنسيق بين الكفاءات.
ويشددّ الدكتور محمد داوود، مدير إدارة موارد المياه في هيئة البيئة- أبوظبي، على أهمية إشراك القطاع الخاص قائلاً: “مما لا شك فيه أن مشاركة القطاع الخاص بإمكانها مساعدة تحسين فعالية هذه الصناعة، وذلك لأنه قطاع مهم للغاية ويمكنه القيام بدور حيوي في تشغيل مشروعات محطات المياه وإدارتها، بالإضافة إلى أمور أخرى”.
“إننا نعيش ونعمل في بيئة تندر فيها المياه، كما أن هناك نقص في الموارد المائية، لذا علينا أن نتعاون، كقطاع عام وخاص، لتحسين الموارد كماً وكيفاً. فنحن جميعاً نعمل صوب تنمية مستدامة وبدون الماء لا يمكنك دفع عجلة التنمية”.
5 سبتمبر 2011 ameinfo.com

1 Comment

  1. karam kamel

    لا تزال المياه هي النبتة الخضراء في الصحراء الجرداء؛ ونظراً لما تشهده دول الخليج الآن من نمو مطرد في عدد السكان والطلب المتزايد وغير المسبوق على المرافق، يتعين على الحكومات اتخاذ موقف على الفور للتأكد من أن نقص المياه لن يصبح مشكلة دائمة في المنطقة.
    ولقد عانت منطقة الخليج من صيف ملتهب عجزت فيه مُكيفات الهواء، في ارتفاع مطرد للحرارة والتي وصلت فيه إلى 50 درجة، عن الوفاء بمتطلبات هذا العدد الهائل من السكان الآخذ في النمو. ومن المتوقع، أن تسجّل دول الخليج الست ارتفاعاً في عدد السكان على مدار العقد القادم؛ فبحلول عام 2020 قد يصل عدد سكانها إلى 53.5 مليون نسمة أي بزيادة 30% مقارنةً بمستوى الزيادة في عام 2000. وبالرغم من أن هناك توقعات اقتصادية إيجابية، تحمل هذه التوقعات في طياتها مخاطرة النمو السكاني غير المُحكم والذي سيؤدي إلى نقص المياه في المنطقة.
    ويستهلك سكان الخليج المياه بكميات غير معقولة بيد أنهم يعيشون في منطقة تُرزق بمتوسط سنوي يقدر بـ96 مم من الأمطار، حيث تبدلت ثقافة الترشيد التاريخية إلى ثقافة الاستهلاك التي لا يمكن كبح جماحها. هذه النقلة النوعية قد تجعل من الخليج صحراء جرداء إلا إذا تغيرت السلوكيات وتدفقت الاستثمارات في هذا الصدد.

    Reply

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*