الاستنزاف الجائر يجفف المياه الجوفية


تعد مبادئ حماية البيئة وحمايتها من الاستنزاف، من أهم المبادئ التنموية التي تحرص عليها الدولة، لكن مع النمو السكاني الكبير، والتوسع في الرقعة الزراعية، وفي النشاط الصناعي، أصبح الضغط على موارد المياه الجوفية، من أكثر التحديات التي تواجه الدولة الآن ومستقبلاً.
وتعتمد الدولة على مواردها من المياه الجوفية، لتوفير الحاجة من المياه بنسبة نحو 50%، ومع ارتفاع التكلفة الحالية لإنتاج المياه، لجأ الكثيرون إلى حفر الآبار في مزارعهم وبيوتهم، لتوفير المياه، وهو الأمر الذي يمثل تهديداً كبيراً لمخزون المياه الجوفية، إلى درجة أن هيئة البيئة في أبوظبي، أطلقت قبل أيام تحذيراً بالغ الأهمية، من أن هناك تهديدات حقيقية لمخزون المياه الجوفية، الذي قد ينضب تماماً في غضون عشرين عاماً على الأقل، وأربعين عاماً على الأكثر، هذا في حال بقي الاستهلاك على حاله.
إن المياه الجوفية ثروة من الثروات التي تجب المحافظة عليها بالشكل الصحيح، لأنها قد تكون المصدر الوحيد للمياه العذبة، في المستقبل في حال حدوث مشكلات غير متوقعة.

تنمية مستدامة
وتؤكد الدكتورة مريم حسن الشناصي، وكيلة وزارة البيئة والمياه، أهمية الحد من استنزاف المياه الجوفية وحماية الموارد المائية والنظم البيئية وترشيد استهلاك المياه، مبينة أن الإدارة المتكاملة للموارد المائية تعمل على المحافظة على هذا المورد الطبيعي بما يحقق التنمية المستدامة.
وتضيف ان إمدادات المياه في الدولة تتم تلبيتها من ثلاثة مصادر رئيسية هي موارد المياه الجوفية بنسبة 50%، وتحلية ماء البحر بنسبة 40% ومياه الصرف الصحي المعالجة بنسبة 10%.
وتعتمد الدولة على مياه التحلية في توفير المياه المخصصة لأغراض الشرب والاستخدام المنزلي والتجاري والصناعي و ذلك بنسبة 98%.
وتأتي الدولة في مرتبة متقدمة ضمن الدول المنتجة لمياه التحلية على المستوى العالمي، ويبلغ معدل إنتاجية الدولة من المياه المحلاة نحو 1700 مليون متر مكعب في السنة.
وتقول: تبلغ التكلفة الكلية لإنتاج متر مكعب واحد من المياه المحلاة ما يعادل 11 درهماً، ويبلغ عدد محطات التحلية في الدولة نحو 80 محطة تحلية.
وتقول: إن الطلب على المياه في الدولة يبلغ حاليا ما يعادل 4.5 مليارات متر مكعب سنوياً وتوقعت أن يتضاعف الطلب بحلول عام 2030 إلى نحو تسعة مليارات متر مكعب وذلك في حال استمرار نمو الطلب على المياه بنفس الوتيرة الحالية.
ولا تعتبر كمية المياه الكلية المستخدمة في الدولة، عند الأخذ في الاعتبار النمو السكاني والاقتصادي ومستوى المعيشة المرتفع في الدولة هذا من ناحية، لكن أما اذا أخذنا في الاعتبار متوسط استهلاك الفرد اليومي للمياه والبالغ 360 لتراً، سنجد أنه أعلى كثيراً من المتوسط العالمي والبالغ 200 لتر للفرد في اليوم.
وتؤكد أن القطاع الزراعي هو المستهلك الرئيسي للمياه الجوفية، وبسبب الاستهلاك المفرط لهذا القطاع، تتوجه الوزارة نحو تشجيع الزراعة باستخدام وسائل الترشيد والاقتصاد في المياه من بينها الزراعة المائية.
وتعد الزراعة أكبر القطاعات استخداماً للمياه بنسبة 34%، يليه القطاع المنزلي والصناعي بنسبة 32%، ثم قطاعات الغابات بنسبة 15%، والزراعة التجميلية بنسبة 11%، وبذلك يكون مجموع الاستخدام الزراعي والغابات والتجميلي نحو 60% من الاستخدام الكلي للمياه، فيما بلغت كمية الفاقد من المياه بما يشمله من الفاقد من شبكات توزيع المياه والكميات غير المستغلة من المياه المعالجة نحو 8%، حيث يتم فقدان نحو 136 مليون متر مكعب من مياه التحلية في شبكات توزيع المياه وخطوط المياه البلدية الرئيسية.
وتضيف: أن المياه الجوفية توجد في جميع مناطق الدولة، وتعتبر مناطق السهل الحصوي والواحات من أغنى المناطق بالمياه الجوفية، لكن نتيجة لعمليات الضخ المستمرة بصورة كبيرة خلال السنوات السابقة ومع محدودية معدلات التغذية الطبيعية، تعرضت مواقع بعينها لاستنزاف شديد، مثل الذيد والحمرانية والعين، ما أسفر عنه هبوط مناسيب المياه الجوفية وجفاف الآبار وزيادة تركيز الأملاح في المياه الجوفية والتربة نتيجة لتداخل مياه البحر في المناطق الساحلية أو التداخل مع المياه المالحة من بعض التكوينات الجيولوجية العميقة.
وهذا سيؤثر بشكل سلبي في النشاط الزراعي ويؤدي إلى ضعف الانتاجية الزراعية للمحاصيل، والأهم من ذلك هو تناقص المخزون الاستراتيجي من المياه العذبة بشكل عام، في المستقبل.

تخزين المياه
وتقول: إن الوزارة مهتمة حاليا بتطوير تقنيات تخزين مياه الأمطار والسيول من خلال إقامة السدود ومشروعات الحصاد المطري التي تعمل على زيادة معدلات تغذية المياه الجوفية، إضافة إلى إجراء الدراسات الخاصة بزيادة تغذية المياه الجوفية من مياه الأمطار المحتجزة خلف السدود.
ويبلغ عدد السدود التي أنشئت حتى نهاية العام الماضي 116 سداً وحاجزاً.
وتضيف: أن الوزارة تهدف الى ربط وتكامل منظومة أهدافها الاستراتيجية وعلى رأسها الهدف المتعلق باستدامة الأمن المائي مع الأهداف الاستراتيجية الأخرى المتعلقة بالأمن البيئي والحيوي والغذائي.
وتعمل الوزارة من خلال التخطيط لانتهاج مبدأ الإدارة المتكاملة للموارد المائية المعني بإدارة وتكامل العرض أو امداد المياه من المصادر المتاحة والطلب على تلك المياه من القطاعات المستهلكة وهو السبيل الأمثل لتحقيق الأمن المائي والتنمية المستدامة.

مشروعات
ومن هذا المنطلق تأتي مشروعات ومنجزات الوزارة في الآونة الأخيرة في مجال المحافظة على الموارد المائية ومن أبرزها: وضع استراتيجية المحافظة على الموارد المائية واعتمادها وتضمين مبادراتها وأنشطتها في الخطة التشغيلية، ومتابعة إنشاء وتشغيل السدود والحواجز المائية بما يضمن كفاءة أدائها وزيادة معدلات تغذية خزانات المياه الجوفية، واجراء الدراسات التقييمية والدراسات الهندسية والمائية المتعلقة بالموارد المائية بغرض الوقوف على حالة الموارد المائية وتطوير منهجيات وأنظمة وسياسات الادارة الفعالة لها.
كما تحرص على ترشيد الاستهلاك المائي في القطاع الزراعي من خلال اتباع سياسات زراعية تهدف الى التقليل من الزراعات ذات الاستهلاك المائي العالي ودعم الأنظمة الزراعية المقتصدة في استخدام المياه وذات الانتاجية العالية لوحدة الماء والمساحة كنظم الزراعة المحمية والمائية (الهيدروبونيك)، والزراعة العضوية، إضافة الى استخدام نظم الري الحديث واستمرار أنشطة التوعية والارشاد المائي في المجال الزراعي.

هزات أرضية
من جانبها تتطرق الدكتورة أسماء الكتبي، أستاذة الجغرافيا في جامعة الامارات إلى خطورة استنزاف موارد المياه الجوفية من ناحية جيولوجية حيث تقول: الاستنزاف المتواصل للمياه الجوفية يعتبر أحد أهم أسباب الهزات الارضية، إذ إن سحب المياه الجوفية واستنزافها المتواصل يؤدي الى خلخلة الطبقات الجيولوجية للأرض ما يتسبب بإحداث مساحات فارغة ضمن المواقع التي كانت المياه الجوفية تشغلها في طبقات الارض ثم يسهل مرور موجات الهزات الارضية عبر المساحات الخالية.
وتؤكد الدراسات العلمية لتطور الاوضاع البشرية خلال الفترة الماضية ان ارتفاع عدد السكان في الامارات ارتبط بارتفاع معدل الهزات الارضية التي شهدتها الدولة بسبب ارتفاع استهلاك المياه من قبل السكان وشركات المياه المعدنية.
وتطالب بضرورة نشر الوعي بين السكان وسن قوانين لوقف استهلاك شركات استخراج المياه للمياه الجوفية بشكل خاطئ.
وتتسم مشكلة استنزاف المياه الجوفية بالتشعب بحيث يصعب ايجاد الحلول الأحادية الملائمة لها. وتكمن المشكلة الحقيقية في غياب تفاصيل والتشريعات الخاصة بحماية البيئة في قانون حماية البيئة الحالي “حسب تقديرها”.

البنك الدولي يحذر من مشكلة مياه في الخليج
يؤكد تقرير البنك الدولي عن تقييم قطاع المياه في بلدان مجلس التعاون الخليجي والتحديات التي ستواجه امدادات المياه و الموارد المائية في عام 2050 أنه نظراً لأن الكمية المستخرجة من المياه الجوفية في جميع بلدان مجلس التعاون الخليجي أكبر بكثير من كمية إعادة التغذية، فقد بدأت خزانات المياه الجوفية في النضوب بسرعة وبدأت درجة ملوحة المياه الجوفية في الزيادة.
ويشير التقرير الى تقديرات هيئة أبحاث البيئة والحياة الفطرية في دولة الامارات التي تؤكد ان نسبة 7-8% فقط من امدادات المياه الجوفية المتبقية في الدولة هي مياه عذبة بينما الكميات الباقية مياه مائلة للملوحة.
وبحسب التقرير، فإن الافراط في استخراج المياه الجوفية بما يتجاوز مستويات الانتاجية المأمونة ادت الى تلويث خزانات المياه الجوفية الحالية نظرا لتسرب مياه البحر المالحة الى هذه الخزانات ووصول امدادات للمياه المائلة للملوحة والمالحة من الخزانات الاكثر انخفاضا.
ويشير التقرير الى ان جميع بلدان مجلس التعاون الخليجي تمتلك خبرات فنية كبيرة قادرة على إجراء المسوح والدراسات والاختبارات المعملية واعداد النماذج العددية غير أن الهيئات الحكومية لا تفعل كل ما يلزم في المجالات ذات الصلة بتخطيط إدارة المياه الجوفية ومراقبة وفرض تطبيق اللوائح التنظيمية بشأن التحكم في أجهزة حفر الآبار وحصرها واصدار تراخيصها ناهيك عن قياسات كميات المياه التي يتم ضخها والرسوم المفروضة عليها.
وكانت هيئة البيئة في أبوظبي حذرت من أن موارد المياه الجوفية في الامارة ستنضب بالكامل خلال الـ 20 الى 40 سنة القادمة في حال استمرار ارتفاع الاستهلاك الكلي للمياه والذي يزيد حاليا على الإنتاج الطبيعي بنحو 26 مرة.

بلدية دبي تحذر من خطورة استخدام مياه الآبار للشرب
أكد محمد المرزوقي، رئيس قسم ادارة الرقابة البيئية بالإنابة في بلدية دبي أن معظم الآبار التي تحفر في البيوت تحتوي على مياه ملوثة لأنها على أعماق قريبة من السطح. “هذه المياه تكون على عمق حوالي 12 الى 15 مترا وهي مياه مالحة و ملوثة بنترات السماد و مياه المجاري ومياه الامطار.
وقال: لا يجب أن تستخدم هذه المياه للشرب وانما لري الحديقة المنزلية وتنظيف الواجهات الامامية للمنزل.
ولا يدرك المستهلكون أن ملوحة هذه المياه تسبب تآكل الارضيات في المنزل، ما يؤدي إلى خسائر اقتصادية نظرا لعمليات الصيانة التي سيتطلبها المنزل لا محالة.
و اضاف ان المياه الجوفية تختلف من منطقة الى اخرى، ففي المناطق المنخفضة، تكون المياه مالحة جدا، ما يجعلها صالحة لأغراض التنظيف فقط. أما في المناطق المرتفعة، فقد تكون المياه حمضية وفي هذه الحالة تتسبب في موت النباتات والاشجار أو قد تكون عذبة ومن الممكن استخدامها للشرب. و قال: إن القسم قدّم مسودة بتشريعات جديدة مضافة على القانون الحالي لحماية البيئة في الامارة.
والقانون مقدم الى المكتب التنفيذي لإمارة دبي، ومن المنتظر الموافقة عليه خلال الربع الاول من العام الجاري. وقال المرزوقي ان نسبة الارتفاع في الطلبات المقدمة لحفر الآبار وصلت إلى 92 طلبا العام الماضي، في حين لم تزد في 2009 عن 41 طلباً. أما بخصوص الشركات المخالفة فقد تم العام الماضي تحرير 5 مخالفات لشركات حفر غير ملتزمة بالاشتراطات البيئية المعتمدة لدى بلدية دبي. وينص القانون على غرامات تتراوح بين 500 درهم الى 500 الف درهم. وتختلف الغرامات حسب نوع المخالفة.
واوضح أن الآبار التي تحفر في البيوت لا تدخل ضمن قائمة الآبار الجوفية ولا يتعرض أصحاب تلك البيوت للمخالفات لأن أعماقها لا تتجاوز الـ 15 مترا وبئر المياه الجوفية يبلغ أقل عمق لها 24 مترا.
– منى أحمد
(البيان 15 يناير 2012)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*