«نفط» القرن الـ 21 … للشرب!


لا تهدد البشرية في المستقبل القريب حرب نووية مدمرة ولا تزايد الفقر والمجاعة ولا حتى اتساع رقعة الأوزون بقدر ما ستواجه خطر العطش!
بإيجاز لن يجد ثلث سكان الأرض ما يشربونه بحلول عام 2050.
ولمزيد من الوضوح، فإن الفرد العربي وفي المقدمة المواطن الخليجي سيكون أكثر عرضة للعطش فيما قاربت مخزونات مياه الخليج على النضوب قبل النفط، وباتت أزمة نقص المياه العذبة الكارثة الأكثر إلحاحا وخطورة التي تواجه البشرية في القرن الواحد والعشرين.
ودقت أخيرا دول كبرى ناقوس الخطر بداية بالولايات المتحدة والصين والهند وبعض دول الخليج كالإمارات. فقد أعلنت الولايات المتحدة أن المشكلة المستقبلية الأكبر للمواطن الأميركي لن تكمن على سبيل المثال في عدم وجود كحول ليحتسيها بقدر أنه لن يتمكن من أن يروي عطشه بماء عذب.
ماذا نشرب إذا نضبت آبار المياه؟ بماذا سيفيدنا النفط الآخذة أسعاره في الارتفاع يوما بعد يوم؟ في الواقع إن المؤشرات تدل على ان المياه نفسها ستكون هي «نفط» القرن الواحد والعشرين، وان الاستثمارات في اكتشافها ستسير بوتيرة أربعينات القرن الماضي في بدايات التنقيب عن البترول.
واعتبر تقرير متخصص لـ «هافارد بوليتيكول ريفيو» أن الماء سيكون «سلعة» نادرة في المستقبل القريب وأن قيمته قد تزيد كلما قلت مصادره، ولا نستبعد إذا ساد الجفاف في السنوات المقبلة أن يصبح الماء في مصاف السلع الثمينة مثله مثل النفط والذهب. لكن ربما يكون أغلى لأنه لا يمكن العيش من دونه. فهل نتصور إنشاء «بورصة للماء» في المستقبل على غرار «بورصة النفط» الحالية وذلك للمضاربة في «الماء»؟ وهل تزحف الدول المائية لتأخذ مكان الدول النفطية وتتاجر في الماء العذب بأسعار نفط اليوم؟ أي سيناريو ينتظر العالم الجاف؟، وأي مستقبل للدول المائية والدول العربية والخليجية التي وصفت بأنها الأكثر تبذيرا «للذهب الأبيض»؟
يقدر اقتصاديون أنه بعد 3 عقود ومع استمرار جفاف مصادر وينابيع الماء العذب، فان ملايين من سكان العالم على خلفية النمو الديموغرافي العالمي، سيفتقرون لمصدر ماء نظيف وآمن. أزمة المياه العذبة التي تلوح في الأفق لها عواقب حقيقية على بقية دول العالم وستكون لها تبعات سلبية على كل مجالات الحياة، مع احتمال آثار كارثية على البيئة والمجتمع.
إذا كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟
مع تزايد عدد سكان العالم ارتفع استخدام المياه. المجلس العالمي للمياه أعلن أن استهلاك المياه ارتفع بنسبة 600 في المئة في العقد الماضي. كما أن تسارع وتيرة التنمية كان على حساب تدمير الأراضي الرطبة، وقطع الغابات، واستنزاف مناطق مجمعات المياه الطبيعية. ومما زاد الطين بلة، تلوث الأنهار والبحيرات بسبب المواد الكيميائية والصرف الصحي والنفايات ما سبّب تلوث إمدادات المياه الشحيحة أصلا. كما أكدت التقارير الصادرة عن المجلس أن هناك استغلالا سافرا للماء المهدر من الحنفيات التي «تقطر» وحمامات السباحة في مقابل تهور الأفراد في استهلاك المياه العذبة.
ويدفع التهور غير المسؤول من المواطن الذي لا يشعر به فعليا الا بزيادة رمزية في فاتورة الماء حسب بعض الدراسات الى عدم المبالاة بقيمة الماء العذب الذي يستخدم أحيانا للاستحمام!
ومن الكويت الى الإمارات الى أميركا والهند والصين، تعاني هذه الدول من هدر المياه، وفي الوقت نفسه من نقص بدأ يتزايد للمياه العذبة التي أصبحت في جزء كبير منها تستورد في دول الخليج من دول أخرى. وفي هذه المجال يرى بعض المتخصصين أن المياه المستوردة العذبة التي يصل أحيانا سعرها في الكويت على سبيل المثال إلى دينار للقنينة (1 ليتر) مرشحة ان يتضخم سعرها اذا زاد جفاف المياه من ينابيع العالم.
الكويت التي صنفت سابقا أنها من أكثر الدول هدرا للمياه في العالم انضمت إليها الإمارات العربية ودول كبرى أخرى تستهلك المياه بإسراف في أنشطتها الصناعية. ويعتبر معدل هدر المياه العذبة في الكويت عاليا مقارنة بمساحة البلاد والسكان إذ أن معدل استهلاك الفرد للمياه مرتفع جدا. فهل هذا مبرر للاتجاه أكثر نحو استيراد المياه بأسعار معقولة مقارنة مع القدرة الشرائية؟ لكن من يضمن بقاء هذه الأسعار في هذا المستوى إذا لم يتم أخذ إنذار المنظمات العالمية والدول الكبرى بترقب أزمة مياه كبرى؟ وهل تستعد دول مثل الكويت والإمارات لمثل هذه الاحتمالات؟
حذرت سلطات أبو ظبي أخيرا الإمارتيين من أن معدل استهلاكهم للمياه هو الأعلى في العالم وقد تواجه دولة الإمارات مشكلة تأمين نقص المياه. أما الكويت فكان مسؤولوها قد حذروا من مغبة الاستهلاك المفرط والمتزايد للمياه في البلاد الذي يقدر بنحو 500 ليتر للفرد يوميا ما يفوق معدل الاستهلاك العالمي بأكثر من الضعف والمقدر بين 100 و200 ليتر للفرد يوميا.
وتعتبر سلطة الإشراف على مجال المياه في الكويت (وزارة الكهرباء والماء) أن معدل استهلاك المياه غير المبرر في الكويت لا يتناسب أبدا مع الجهود الكبيرة المبذولة من قبل الحكومة لترشيد الاستهلاك بل يؤدي إلى أزمات في المياه بين فترة وأخرى ما يتطلب تغليظ العقوبات على كل من يقوم بهدر المياه دون وجه حق.
ويذكر أن إنتاج المياه في الكويت يوازي الاستهلاك، وانه في حال كانت هناك زيادة سنوية تقدر بنحو 6 في المئة فينبغي التوافق بينهما، وتلبية هذه الزيادة هو ما تقوم به وزارة الكهرباء والماء عبر توفير المشاريع السنوية وزيادة إنتاج المحطات بما يلبي الزيادة.
البيئة والكلفة البشرية؟
يعتبر التدافع البشري لتأمين المياه، علاوة على الشركات والحيوانات والنباتات أمرا حتميا قد ينظر إليه ببساطة. إلا أن تأمين الحاجة للمياه العذبة تدفع إلى امتصاص الآبار، وضخ المياه الجوفية، واستنزاف السباخ والمستنقعات. لكن لا ندرك أن سلسلة من ردود الفعل ستكون حتما كارثية. ويبرر ذلك بتقليل المستنقعات والأراضي الرطبة، وقتل الطحالب والنباتات والحياة المائية. وفي حال موت النباتات وندرة المساحات المائية، سيكون الأوكسجين والماء المصفى الموفر للبشرية فقدا إلى الأبد.
ولمواجهة العطش، تم تسجيل المزيد من المياه عبر بناء السدود العالية، وحفر آبار أكثر عمقا، وتغيير التضاريس والبيئة إلى الأبد. هذه العملية، من شأنها القضاء على الحياة المائية والحياة الحيوانية والمستوطنات البشرية.
إذا لم تكن العواقب البيئية دامغة بما فيه الكفاية فمن المرجح أن تكون الكلفة البشرية هائلة. حيث تستخدم 66 في المئة من المياه العذبة على كوكب الأرض للزراعة وتربية الحيوان. كما يذهب 140 ليترا من المياه العذبة لتحضير كل كوب من القهوة و1300 ليتر للحصول على كيلوغرام من القمح و16 ألف ليتر لكل كيلوغرام من لحم البقر أي ما يعادل «شريحة هامبورغر».
وليس من قبيل المصادفة أن معظم المناطق القاحلة والجافة على كوكبنا هي أيضا الأكثر جوعا، إذ يعتبر الماء ضروريا في الصحة والصرف الصحي. ووفقا لمنظمة الصحة العالمية، لا يستطيع واحد من كل ستة أشخاص الحصول على مياه الشرب النظيفة. كما تمتلئ نصف أسرة المستشفيات في العالم بالناس الذين يعانون من أمراض ذات صلة بالمياه.
وبحلول عام 2020 سيصل عدد الوفيات في العالم الى 76 مليون نسمة وستكون ناجمة عن الأمراض التي تنقلها المياه وحدها، كما سيرجع السبب الرئيسي لهذه الوفيات إلى عدم حصولهم على كوب من مياه الشرب النظيفة.
وقد أعلنت الهند عن نقص شديد في مخزوناتها المائية، مشيرة إلى اعتماد سياسات تقشفية في الماء. وكان اتحاد الغرف الهندية قد حذر من أن نقص المياه سيكون التحدي المقبل لشركات الكهرباء وقطاعات أخرى. وذكر أن الهند تستعد في السنوات المقبلة لتعزيز نمو الصناعات في مجالات الطاقة الحرارية، والكيماويات والمنسوجات والأدوية ومصانع الاسمنت. وسيكون الحصول على المياه صعبا والمشكلة من المرجح أن تزداد في السنوات المقبلة. ويشكو 60 في المئة من الهنود من عدم توافر الماء وتأثير ذلك على أعمالهم. ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 87 في المئة بعد 10 أعوام.
العواقب السياسية
المياه العذبة ليست فقط شحيحة، بل توزيعها يعتبر غير عادل وفق تقارير دولية. ومثال على ذلك تحوز كندا لوحدها على 20 في المئة من المياه العذبة في العالم بينما عدد سكانها 0.5 في المئة من سكان العالم، والمكسيك لها أقل من 1 في المئة لما يعادل 4 في المئة من سكان العالم، فكل كندي لديه 100 مليون ليتر بحساب الفرد الواحد في حين أن المكسيكي له 4 ملايين ليتر من المياه العذبة المتاحة. كما أصبحت المياه تدريجيا «نفط القرن 21»، إذ يشهد العالم تفجر الصراعات السياسية بسبب المياه (دول حوض النيل على سبيل المثال). وحتى اليوم، تشارك الصين وبوليفيا والهند واسبانيا في النزاعات حول المياه أيضا. في عام 2009 وحده، رصد معهد المحيط الهادئ لدراسات التنمية والبيئة والأمن 6 حالات جديدة من الصراع والعنف حول المياه.
«الماء هو الذي يعطينا الحياة، انه الحساء المالح من أصلنا، ونظام الدورة الدموية للعالم»، هكذا عبرت الكاتبة الأميركية والمهتمة بالمسائل المائية باربرا كينغ سولفر في مقال لها في النشرية العلمية «ناشيونال جيوغرافيك»، وأضافت «كنا بطيئين جدا للتخلي عن أسطورة كرم الأرض من دون نهاية».
واعتبرت أنه حتى في ولاية اريزونا القاحلة هناك ملاعب غولف ومروج وفيرة. ودعت الكاتبة الأميركية الى التفكير مليا في الأعمال التي لا تتوقف مثل دورات الغسيل وغسل الصحون.

قيمة المياه ستتفوق على كل موارد الطاقة المستخرجة
0.5 حصة الوطن العربي من الموارد المائية في العالم
يعتبر الماء في الاقتصاد الشريان الحيوي الأكثر أهمية حتى من النفط. فحسب الباحثين الاقتصاديين في العالم ان الماء قوام الأعمال فهو رديف الصناعة ولا يمكن استبداله بأي شي آخر ولا يمكن حتى تصنيعه أو اكتشاف مشتق له.
وحذر متخصصون في مسألة المياه العذبة، أن العالم سيشهد كارثة حقيقية خلال سنوات قليلة مقبلة، حيث سينضب الماء قبل البترول في الوقت الذي يفوق فيه متوسط استهلاك الماء في الخليج مثلا متوسط الاستهلاك العالمي. كما أكدوا أن الزراعة والصناعة وجميع أوجه الحياة ستكون مهددة، ما يضع المستقبل في خطر.
وعلى مستوى العالم العربي خصوصا، يعتبر نصيبه من حجم الموارد المائية المتجددة في العالم 0.5 في المئة مما يجعله من أكثر المناطق فقرا في العالم من حيث المياه. وبذلك يواجه الوطن العربي تحديات طبيعية خطيرة تتمثل في ظاهرة التصحر خصوصا في منطقة الخليج بالإضافة لنقص الموارد المائية.
وتقل المياه المتجددة عن 1 في المئة من الثروات المتجددة في العالم. كما لا يتجاوز نصيب الفرد 585 م³ في السنة. بينما يصل المعدل العالمي إلى 12900 م³ في السنة. بعض المراقبين يتوقعون زيادة تداعيات سوسيومجالية خطيرة في المنطقة العربية تتمثل في الصراع على الحصول على المصادر المائية.
كما فسر البعض بداية نضوب الماء من العالم والمنطقة العربية بداية التفكير في استثمارات ضخمة لإنتاج المياه وذلك بالتنقيب عن الماء كما كان ذلك مع النفط في بداية الأربعينات. وستوفر الاستثمارات في استخراج المياه من المناطق الجوفية كميات كبيرة من المياه التي ستمثل طلبا ملحا من الدول التي تواجه تصحرا الآن. وستشكل الينابيع المكتشفة مصادر مهمة وحيوية للمستثمرين الذين ربما لن يفكروا في مشترٍ للماء الآن لأن الطلب بدأ يلح من سنوات ماضية حيث أصبحنا نعتاد على استيراد المياه من الخارج.
وتوقع بعض الباحثين أن تفوق قيمة المياه قيمة كل موارد الطاقة المستخرجة ما سيجعلها سلعة رابحة في المستقبل. هذا من منظور اقتصادي تفاؤلي لكن من الجانب الآخر، ستزيد وتيرة الحساسيات السياسية على أساس التحكم في مسالك توزيع المياه، وهنا نذكر التوتر القائم بين بلدان حوض النيل.

مخزون الكويت من المياه العذبة يكفي أسبوعاً واحداً !
بين مدير إدارة موارد المياه في معهد الكويت للأبحاث العلمية الدكتور محمد فهد الراشد ان «الكويت من أكثر الدول معاناة من نقص المياه العذبة لعدة أسباب أهمها ندرة المياه العذبة الطبيعية التي لا تمثل سوى 5 في المئة فقط، الاستهلاك المتزايد وخصوصا في القطاع السكني والزراعي بسبب سوء إدارة الموارد المائية، عدم التطبيق الفعال للتقنيات المتطورة لتحلية المياه والتأخر والتردد في استخدام الطاقات البديلة لإنتاجها كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح».
وذكر الراشد أن «مخزون المياه العذبة الحالي لا يتناسب مع مفهوم الأمن المائي، فالمخزون لا يكفي إلا لأسبوع واحد وفق معدلات الاستهلاك الحالية، ويجب الإسراع في دعم تكوين مخزون استراتيجي من هذه المياه في مكامن المياه الجوفية التي تتميز بالسعات الكافية والأمان من التلوث والتخريب بالإضافة للجدوى الاقتصادية والفنية لهذه التقنية كما جاء في أبحاث معهد الكويت للأبحاث العلمية التي سبقت تطبيقاتها في بعض دول مجلس التعاون بسنوات».
وأشار الراشد الى أن «هناك نقصا حادا بشكل عام في الموارد المائية على مستوى العالم، فالدول النامية تعاني من مشاكل كبيرة رغم توافر المياه الطبيعية في أغلبها، ومن أهم هذه المشاكل نجد التلوث نتيجة عدم توافر البنية التحتية للصرف الصحي، عدم توافر التقنيات والدعم لاستخراج وتوزيع المياه الجوفية، استخدام الطرق التقليدية في الزراعة مما يستهلك الكثير من المياه».
ولاحظ الراشد أن «ثمة زيادة سريعة في الاستهلاك، فالكويت تعتبر من أوائل الدول في استهلاك المياه رغم جميع العوامل التي لا تتماشى منطقيا مع هذه الزيادة. وتأتي هذه الزيادة نتيجة لعدة أسباب أهمها عدم إحساس المستهلك بقيمة المياه لعدم الجدية في تحصيل الرسوم رغم ضآلتها نسبة للتكلفة وعدم تعرض المستهلك لنقص المياه لمعرفة قيمتها. وهناك عوامل أخرى كالزيادة في عدد السكان وتعدد أوجه الاستهلاك ووجود موارد جديدة كالمياه المعالجة فائقة النقاوة واستخدامها في الزراعة».
واعتبر الراشد أن مياه التحلية «تعتبر المورد الأساسي للمياه في الكويت ومعظم دول مجلس التعاون بل ويتزايد عدد مستخدمي التحلية على مستوى العالم حتى في أوروبا والأميركيتين».
وأفاد ان المعهد «يجري الأبحاث منذ حوالي ثلاثة عقود لتحقيق ثلاثة أهداف: تخفيض كلفة التحلية وزيادة إنتاج المياه والتحكم في نوعية المياه المنتجة. وقد حرصت وزارة الكهرباء والماء على التطبيق التدريجي لمخرجات هذه الأبحاث في السنوات الأخيرة على تصاميم المحطات قيد الإنشاء حاليا كتقنية التناضح العكسي».
– إعداد عماد المرزوقي
(الرأي الكويتية 16 يناير 2012)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*