إثيوبيا تبدأ حرب المياه ضد مصر والسودان

في خطوة وصفها المراقبون بالاستفزازية، أعلنت إثيوبيا أنها بصدد المضي قدماً في حزمة المشروعات المائية التي تنوي إقامتها في روافد النيل، خصوصاً فوق مياه النيل الأزرق . فقد كشفت أديس أبابا اتجاهها إلى إقامة خمسة سدود متتابعة على هذا النهر . جاءت تلك الخطوة لتعمق الأزمة القائمة بين دول حوض النيل بشكل عام، خصوصاً بين إثيوبيا وكل من السودان ومصر . لاسيما أن الإعلان الجديد يأتي بالتزامن مع الاحتفال في إثيوبيا بمرور عامين على تدشين العمل في “سد النهضة” الذي أصبح يمثل مشكلة جوهرية بين مصر وإثيوبيا بصفة خاصة، ولاسيما مع تواتر معلومات عن تعاون “إسرائيلي”  إثيوبي في مجال المياه ومشروعات السدود .
يمثل مشروع السد الخامس الذي أعلنت إثيوبيا عنه مؤخراً، الإضافة الأخيرة إلى حزمة مشروعات النيل الأزرق التي تنوي إثيوبيا القيام بها منذ سنوات طويلة . وهي ليست المجموعة الوحيدة من المشروعات المائية التي تراها إثيوبيا ضرورية لتعظيم استفادتها من مياه منابع النيل وهضبة الحبشة والأمطار وغيرها من المصادر المائية التي يصب بعضها في فروع نهر النيل، بينما يتعرض البعض الآخر للهدر بسبب عدم الاستخدام وعوامل البخر والتشتت وغيرها . وتعود جذور تلك المشروعات إلى دراسة قديمة أعدتها الولايات المتحدة الأمريكية بشكل رسمي منتصف القرن الماضي وقدمتها إلى إثيوبيا وقتئذٍ . تضمنت تلك الدراسة مخططاً متكاملاً لعدد من المشروعات المائية التي تضاعف الحصة الإثيوبية المتحصلة من مياه النيل، وتمنحها مزيداً من السيطرة والتحكم في المياه المتدفقة باتجاه السودان ثم مصر . ومن اللافت أن مضمون تلك الدراسة الأمريكية القديمة هو الذي يجرى تطبيقه حالياً، مع بعض الاختلاف في التفاصيل مثل ارتفاعات السدود وسعتها التخزينية . لكن مواقعها والتصورات المرتبطة بالمنافع المترتبة عليها بل والتبريرات المصاحبة لها لاتزال كما هي .
ومما يثير الشكوك في الخطوة الإثيوبية الجديدة، أنها تتعارض سياسياً وفنياً مع المسار القائم حالياً لإدارة الخلاف مع مصر والسودان، والمتمثل في اللجنة المشكلة من الدول الثلاث لبحث المشروعات المائية الإثيوبية خصوصاً السد الكبير “سد النهضة” الذي يمثل الخطر الأكبر على الدولتين الأخريين . ويكشف السلوك الإثيوبي أن أديس أبابا تتحرك في اتجاه تنفيذ مشروعاتها بغض النظر عن مسار التفاوض أو الحوار القائم في تلك المشروعات، وقبل التوصل إلى أي موقف نهائي بشأنها سواء بالتعديل أو الإيقاف أو حتى بتثبيت تلك المشروعات وتنفيذها كما هي . ورغم الطابع الاحتفالي والدعائي الذي أحاط بالإعلان عن نية إقامة السد الخامس، إلا أن اختيار توقيت الاحتفال بمرور عامين على البدء في “سد النهضة” وتأكيد المضي في تنفيذه قدماً، أمر يصب في تفسير السلوك الإثيوبي بأنه أقرب إلى التهدئة التكتيكية والسياسية مع مصر والسودان، مع الاحتفاظ بالخطوات التنفيذية الخاصة بالمشروعات المزمع إنشاؤها كما هي دون تعديل أو تعطيل . ومن ثم فإن التفاوض تحول إلى غطاء وإطار احتوائي للموقفين المصري والسوداني، أكثر منه مساراً فعلياً لإدارة هذا الملف الشائك والتوصل من خلاله إلى حل فعلي أو تسوية عملية قابلة للتنفيذ بشكل يرضي الأطراف الثلاثة . ومما يؤكد أن هذا هو مضمون الموقف الإثيوبي، تمسك خطابها السياسي بأن الآثار المترتبة على “سد النهضة” لن تكون سلبية بالنسبة إلى السودان ومصر . ومن ثم فإن مهمة اللجنة الثلاثية ببحث ودراسة تلك التأثيرات المحتملة، لا تتعارض  وفقاً لهذا المنطق الإثيوبي  مع الخطوات الجارية لتنفيذ مشروع السد أو غيره من المشروعات المائية على النيل الأزرق . وفي هذا المنطق استباق لنتائج مهمة اللجنة وافتراض مسبق بأن التأثيرات إما إيجابية وإما على الأقل ليست سلبية بما يكفي لإلغاء المشروع أو حتى تعليقه مؤقتاً .
على خلاف الموقف الإثيوبي الرسمي، تشير الدراسات الفنية وتقديرات الخبراء، إلى أن “سد النهضة” وبقية السدود المزمع إقامتها فوق النيل الأزرق، ستتسبب في خسائر وأضرار مباشرة بحصتي مصر والسودان من مياه النيل . خاصة بالنسبة إلى القاهرة التي تتلقى عبر النيل الأزرق ما يزيد على 85 % من حصتها المائية البالغة 55 مليار متر مكعب . وتتفاوت التقديرات بين الخبراء المصريين عن حجم الخسارة المائية التي ستتكبدها مصر والسودان سنوياً . فتصل بعض التقديرات إلى ما يزيد على 30% من حصة مصر المائية و20% من حصة السودان التي تتدفق عبر النيل الأزرق . بينما تنخفض في بعض التقديرات إلى أقل من 10% فقط بالنسبة إلى مصر ونصفها بالنسبة إلى السودان . هذا في ما يتعلق بالنصيب المائي السنوي . وهو ما سينعكس مباشرة في تراجع معدل المساحات المنزرعة في الدولتين، وبالتالي انخفاض حجم المحاصيل الزراعية الغذائية بصفة خاصة التي تعاني الدولتان فيها عجزاً يصل في حالة مصر إلى أكثر من 50% من حجم الاستهلاك الغذائي المرتبط بالمحاصيل زراعية . وهي النسبة التي قد تصل إلى 70% مع النقص المتوقع في حجم مياه الري اللازمة للزراعة المحصولية .
إضافة إلى تلك الأضرار الدائمة مستقبلاً، هناك خسائر مرحلية مباشرة ستضرب مصر والسودان فور الانتهاء من مشروع “سد النهضة” وتشغيله . وهي المتعلقة بما يسمى متطلبات بدء التشغيل، وأهم مراحلها هي عملية ملء السد بالمياه للمرة الأولى، التي تحتاج وفقاً للتقديرات المتوسطة من 40 إلى 60 مليار لتر مكعب من المياه . ما يعني توقف حصة مصر من المياه عن التدفق لمدة عام كامل . ويصبح الأمر أشد خطورة إذا بلغت سعة السد  كما تشير بعض التقارير  75 مليار متر مكعب . ويمكن تشغيل السد ورفع قدراته تدريجياً من دون اللجوء إلى ملء حوضه كاملاً من البداية، فيتوزع العجز الناجم عن ذلك على فترات زمنية عدة وليس في عام واحد . إلا أن هذا الأمر يظل رهناً بالقرار الإثيوبي، فضلاً عن أن المحصلة النهائية لذلك، وهي إمكانية تعريض السودان وبدرجة أعلى مصر، إلى حالة جفاف كامل لفترة زمنية معينة، أو حالات متدرجة من شح المياه على فترات متفاوتة .
يفتح هذا بدوره جانباً خفياً من هذا الملف الشائك، وهو دور العامل “الإسرائيلي” فيما تشهده تلك المنطقة من تطورات . فرغم أن الدور “الإسرائيلي” السلبي في إفريقيا بشكل عام وفي حوض النيل بصفة خاصة ليس مكشوفاً بشكل واضح، إلا أن هناك مؤشرات بالغة الدلالة لجهة اتجاه وطبيعة هذا الدور الغامض، خصوصاً في ظل تنامي العلاقات مع الدول غير العربية، سواء في حوض النيل أو في القرن الإفريقي . بدءاً بإريتريا التي تملك علاقات وثيقة للغاية مع الكيان، ثم إثيوبيا وأوغندا ورواندا وكينيا، وأخيراً الدولة الوليدة جنوب السودان . لذا لم يكن مستغرباً أن تصبح العلاقات بين “إسرائيل” وجنوب السودان قوية، بل ومتينة حتى من قبل أن يستقل الجنوب .
وكانت مياه النيل حاضرة دائماً في التصورات والرؤى الصهيونية الخاصة بمستقبل الدولة اليهودية ومصادر عيشها وبقائها . ومن هذه التصورات خرجت الاقتراحات التي قدمتها “تل أبيب” إلى السادات بمد مياه النيل إلى “إسرائيل” عبر سيناء . ومع فشل منهج الاستفادة بمياه النيل عبر مصر، لم يكن مستغرباً أن يكون البديل هو استخدام الورقة ذاتها في الضغط على مصر بواسطة الدول التي تملك التحكم في تلك المياه . فقد طالب تسيفي مزائيل، وهو سفير “إسرائيل” الأسبق في مصر، عبر دراسة أعدها لمركز دراسات وبحوث وزارة الخارجية قبل ثلاثة أعوام، بتدويل النزاع بين دول حوض النيل . ودعا إلى تدخل الأمم المتحدة والقوى الدولية الكبرى في الأزمة . ولاحقاً نشرت دورية “سيكور ميموفاد” “الإسرائيلية” المتخصصة في الشؤون الاستراتيجية إعادة تشكيل المشهد في القرن الإفريقي من منطلق تقسيم العلاقات بين دوله حسب الدين، أي تحويلها إلى استقطاب إقليمي بين الدول المسيحية والأخرى المسلمة .
في ما يتصل بملف السدود والمشروعات المائية الإثيوبية، ل”إسرائيل” حضور في هذه المشروعات بشكل غير رسمي من خلال الشركات “الإسرائيلية” الخاصة، وكذلك رجال الأعمال الذين يمثلون غطاء مدنياً للموساد . حيث تشارك بعض تلك الشركات في الدراسات المسحية والخاصة بدراسات الجدوى الاقتصادية والمائية المتعلقة بتلك المشروعات المائية . كما تعمل “إسرائيل” من خلال وسطاء بواجهات مدنية على المساهمة المالية في بناء السدود، خصوصاً “سد النهضة” الذي تحرص إثيوبيا الرسمية على نفي أي صلة ل”إسرائيل” بتمويله، في محاولة لدرء الاتهامات المتوالية لها بالاستعانة ب”إسرائيل” في توفير التمويل الضخم الذي يتطلبه إنشاء هذا السد بالتحديد . لكن التعاون “الإسرائيلي”  الإثيوبي لم يبدأ ولم يقتصر على حزمة السدود الأخيرة، وإنما يمتد إلى مشروعات وقطاعات أخرى في أنحاء مختلفة من الأراضي الإثيوبية، خصوصاً في مجال الزراعة . وفي 2009 بدأ فعلياً تنفيذ مشروع ثلاثي بين إثيوبيا و”إسرائيل” وألمانيا في مجال التنمية الزراعية . تتمكن إثيوبيا بواسطته من تطوير أنشطة الري وتصريف مياه الزراعة في أمهرة وتيغري وأوروميا وولاية شعب جنوب إثيوبيا . وهناك أيضاً مشروعات لتوليد الكهرباء تدخل فيها “إسرائيل” ممثلة في شركات خاصة وخبراء فنيين . بالتالي، يصعب النظر إلى مشروعات السدود الإثيوبية بمعزل عن السياقات السياسية والاستراتيجية الإقليمية المحيطة بها . كما يتعذر أيضاً التعامل مع تلك المشروعات والتوجهات من منظور فني بحت يقتصر على المنافع أو الخسائر المائية أو الاقتصادية المترتبة عليها، وإغفال أبعاد ومنطلقات قد تتعارض مع تلك النتائج وتفوقها تأثيراً وأهمية من زوايا سياسية وأمنية، بل وقومية أيضاً .
– سامح راشد
الخليج 3 مايو 1013
http://www.alkhaleej.ae/portal/47d3ef57-b104-45aa-a142-9032412b6088.aspx

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*