المياه.. ماذا لو غرقنا عطشاً..؟


د .علي الخشيبان

عصب الحياة هو الماء، ولاحياة يمكن أن تستقيم بدونه فالله سبحانه وتعالى يقول في محكم التنزيل ” وجعلنا من الماء كل شيء حي” فعن الماء يمكن أن تكتب الكثير من المقالات ولكن في مسار النقد الاجتماعي حول دور المجتمع في مهمة حفظ الحياة حيث الماء الثروة الأهم في تاريخ البشرية فهناك الكثير من القضايا التي يجب أن تثار للمحافظة على هذه الثروة .
لقد كان المنظر مثيراً من الطائرة حينما تمر عبر الصحراء التي تحيط بمعظم مدن المملكة وخاصة العاصمة الرياض والتي يعتبر بناؤها في وسط هذه الصحراء معجزة معمارية فالرياض اليوم تقترب من الوصول إلى ستة ملايين نسمة من البشر ما يعني ملايين اللترات من الماء لكي يشرب هؤلاء فقط.
أزمة المياه في المنطقة العربية بكاملها تشكل هاجسا سياسيا وجغرافيا كبيرا سيكون مقر ظهورها خلال السنوات القادمة ؛ حيث تدل كل المؤشرات على أن الماء سيكون مصدرا للكثير من المشكلات وضرورة التفكير بالبدائل والتوعية بهذه البدائل وجعل الماء سلعة غالية في قيم المجتمع كل ذلك يتطلب جهدا مضاعفا.
تاريخ تحلية المياه في المملكة العربية السعودية ليس حديثا كما يتوقع الكثيرون فهو منذ العام 1948 م وعلى يد الملك عبدالعزيز رحمه الله ، وكان أول مشروع لذلك في المنطقة الغربية عبر تقنية قديمة يطلق عليها “الكنداسة” ومع التطور التنموي الكبير الذي شهدته المملكة تم إنشاء مؤسسة التحلية في منتصف السبعينيات الميلادية من القرن الماضي والتي تطورت أعمالها بطريقة مكثفة ما يعنى أننا نعتمد على تحلية المياه بدرجة كبيرة وهذا هو المؤشر الأكثر قلقا مع تزايد عمليات التصحر وقلة الأمطار في العالم وخاصة في الجزيرة العربية التي تعاني من جفاف متقطع.
قد نموت عطشاً إذا فقدنا الماء ولكننا أيضا يمكن أن نغرق عطشاً في مشاكل اكبر في حال لم نتمكن من توعية المواطن وإبراز دور الجهود الحكومية المبذولة لتوفير قطرات المياه عبر عملية تنقية نعرّفها نحن بالتحلية، ولكنها ليست عملية سهلة فما أن تصل مياه التحلية إلى منازلنا إلا وقد تكون تكلفت ملايين الريالات وهذه المقالة حول المياه ليست اعتداء على المختصين ولكنها مساهمة في لفت النظر إلى الدور الكبير الذي يجب أن نبذله في مواجهة أزمات المياه التي قد تصيبنا في أي لحظة نتيجة عطل أو خلل في مصدر جلب المياه لدينا.
في حوار نشر بصحيفة الرياض مع د.عبدالله المسند – عضو هيئة التدريس بقسم الجغرافيا بجامعة القصيم – يوم الخميس23 جمادى الآخرة 1432 ه أكد الدكتور عبدالله أن تحلية مياه البحر أفضل خيار رغم ما يكتنفه من مخاطر كامنة وتكلفة عالية، ونسبة استهلاك الماء للفرد في المملكة عالية حيث تبلغ نحو 240 لتراً يومياً”.
هذا الرقم من الاستهلاك يجعلنا أمام تحد كبير حول أزمة انقطاع المياه فيما لو حدث عطل في احد خطوط جلب المياه من البحر إلى أي منطقة في المملكة سواء من جهة الغرب أو جهة الشرق، والفرد السعودي مستهلك كبير للمياه وكذلك الزراعة لدينا لازالت تشكل المستهلك الأكبر للمياه، ومع كل ذلك نحن بحاجة إلى دعم جهود التوعية حول المياه إلى واقع يصل إلى كل فرد في المجتمع على الطرقات أو عبر القنوات التلفزيونية من الوصول بالمواطن الذي لا يحتمل انقطاع المياه عنه ولو لساعات إلى مرحلة نجعله معها يدرك قيمة المحافظة على المياه وجعلها من اكبر القيم التي يهتم بها في حياته.
في مدينة الرياض على سبيل المثال وفي واحدة من أزمات انقطاع المياه والتي حدثت خلال الثاني من شهر سبتمبر هذا العام 2011م تمت السيطرة كما على احدى أزمات انقطاع المياه عبر تكثيف العمل من خلال الشركاء ، من مؤسسات حكومية مسؤولة ، بشكل متواز عن خدمات إيصال المياه إلى المنازل في مدينة الرياض.
أعتقد أن الزمن كان قياسيا في حل الأزمة فخلال ثمانية أيام تقريبا من العمل المتواصل بين جهات وشراكات مختلفة تم إنجاز العمل ، ابتدأ من إمارة منطقة الرياض وكذلك أمانة الرياض وشركة المياه ومؤسسة التحلية، فهل لنا أن نتصور لو استمر هذا الانقطاع لمدة عشرين يوما أو شهر ما هي الحالة التي سيكون عليها فرد اعتاد آن يستهلك مائتين وأربعين لترا من المياه؟
السؤال المهم اليوم حول تفادي مثل هذه الأزمات يقول: هل يوجد في مدينة مثل الرياض خزن استراتيجي للمياه يوفرها في حالة عطل يمكن أن يصيب احد خطوط النقل الرئيسة..؟
تصوروا أن هذا الحدث يحصل في فصل الصيف وقبل نهاية العام الدراسي أو بعده بأيام قليلة في حالة تكون فيها مدينة الرياض مكتظة بالساكنين ماذا سيحل بالسكان في تلك المدينة..؟
من ملاحظاتي البسيطة اكتشفت أن قضية الانكسارات والخلل الذي يصيب الخطوط ينعكس بسرعة فائقة على المجتمع لأنه يصيب أعظم ثروة يملكها وهذا مؤشر انه لا بديل جاهزا، وليس هناك أكثر من فكرة الخزن الاستراتيجي لكي نتخلص من دخولنا في إدارة أزمات متكررة ترتفع فيها الأصوات وتكثر فيها الشكاوى، فكما يبدو انه لا بديل لمشروعات الخزن الاستراتيجي للمياه في كل مدن المملكة التي لن تتوقف عن الاستعانة بالتحلية عبر مياه البحار التي تشكل أكثر من سبعة وتسعين بالمائة من المياه في العالم.
قد نستطيع وبكل إمكاناتنا أن نوقف تسرب مياه من أنبوب في طريق عام ولكننا لا نستطيع أبدا إيقاف إهدار مياه يحدث في منزل من المنازل ما لم تكن هناك وسائل توعوية قادرة على أن تعمل كضمير حي يحضر عندما تهدر المياه في المنازل لمنع الأفراد من فعل ذلك ..
المياه هي الثروة الوحيدة التي لها علاقة بالحياة ولايمكن لأحد أن يستغني عنها ولكن المشكلة تبدو اكبر عندما يستغني المجتمع عن المحافظة عليها ليسلم نفسه في المستقبل للموت عطشا لأن وعيه حول المحافظة على هذه الثروة لم يكن كافيا.
(الرياض 3 اكتوبر 2011)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*