أزمة المياه قادمة يا مصريين


تجتاح مصر حالة من الفوضى غير الخلاقة تستغرقنا جميعا فى معارك تستهلك طاقتنا مثل معركة بورسعيد أو أزمة كتابة الدستور التى تحتدم يوما بعد يوم، وتعمينا عن إدراك ما يجرى حولنا فى العالم من أحداث، وما يشهده من تطورات، وما تذيعة مراكز الأبحاث والأرصاد العالمية من تقارير.. ترسم صورة مقلقة للمستقبل، سوف نعانى فيها من مشاكل شح المياه والغذاء والانفجار السكانى والتغيرات المناخية، وما يتبع ذلك من كوارث طبيعية لا نكاد نستعد لها أو نشعر بها!
وقبل أيام احتفل العالم بيوم المياه العالمى، وأطلقت أجهزة المخابرات العالمية بهذه المناسبة تقارير تحذر من أن العالم سوف يواجه أزمة شح فى المياه تؤثر سلبا على الزراعة ومياه الشرب سوف تؤدى إلى اضطرابات فى أنحاء مختلفة من العالم. وبالأخص فى الدول النامية المزدحمة بالسكان. بحيث لن تستطيع تلبية احتياجات الزيادة السكانية. وتؤكد هذه التقارير التى تجمعت نتيجة جهد مشترك من عدد من أجهزة المخابرات العالمية، أن مشكلة المياه قد لا تكون حادة فى السنوات العشر الراهنة، ولكنها سوف تتخذ منحنى خطيرا بعد عام 2022، تؤدى إلى نشوب حروب أو تستخدم لأعمال إرهابية.. وعلى الأخص فى مناطق شمال أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا.
ولعل أخطر ما فى هذه التقارير أنها تتنبأ بأوضاع تكاد تكون مشابهة لما نحن مقدمون عليه فى مصر ونحن نشعر الآن بوادرها. حيث يؤدى سوء استخدام المياه فى شيوع الفقر والتوترات الاجتماعية، وعجز القيادات وضعف الحكومات إلى عدم الاستقرار وقيام حكومات فاشلة وتعدد حوادث قطع الطرق!
والمشكلة التى يتوقع الخبراء الأمريكيون أن تنفجر خلال السنوات المقبلة، سوف تكون فى المناطق التى تضم أحواضا مشتركة للأنهار. يستخدمها طرف ضد طرف آخر لأغراض إرهابية. وبينما كانت المنازعات قبل ذلك يجرى تسويتها عن طريق المفاوضات، فإن المتوقع أن تلجأ دول أعالى الحوض إلى الحد من كمية المياه التى تذهب إلى الدول الأخرى لأسباب سياسية. أو تستخدم المياه للتحكم فى مناطق الحركات الانفصالية أو التمرد العرقى.
وهذه هى المخاوف التى تتحكم فى العلاقات بين مصر ودول أعالى حوض النيل، حيث دخلت المفاوضات بين مصر وجيرانها فى الجنوب إلى طريق مسدود حتى الآن. وارتفعت صيحات الحرب فى بعض الأحيان.
وفى الوقت نفسه، فقد تعمل الدول «المارقة» على تهديد السدود المائية والخزانات ومحطات إنتاج المياه وتوليد الكهرباء والبنى التحتية لجيرانها، طمعا فى الحصول على مميزات وإخضاع الدول المائية المجاورة لسيطرتها. وحتى فى حالة إذا ما أحجمت عن شن هجمات أو اتخاذ إجراءات عدوانية، فإن الخوف من وقوع فيضانات أو إهدار لمصادر المياه، من شأنها أن تثير الفزع بين الشعوب الأخرى وتدفع الحكومات إلى اتخاذ إجراءات باهظة لحماية منشآتها المائية.
من الواضح أن التقارير التى اذيعت بمناسبة يوم المياه العالمى نقلا عن دراسات أمريكية، لم تقدم معلومات شاملة عن جميع دول العالم. ولكنها ركزت على عدد محدود من أحواض الأنهار.. مثل نهر النيل فى مصر والسودان، ودول جنوب الحوض، ونهرى دجلة والفرات فى العراق، وحوض الميكونج فى الصين وجنوب شرقى آسيا، ونهر الأردن الذى يفصل إسرائيل عن الأراضى الفلسطينية.
ولم يحدد المسئولون فى تقاريرهم أسماء دول مرشحة لخوض حروب مائية. ولكنهم ضربوا الأمثال بما جرى سابقا من منازعات دامية بسبب الماء بين الهند وباكستان، وسوريا وتركيا والعراق، وفلسطين وإسرائيل!
وطبقا لتقارير الأمم المتحدة، فمن المتوقع أن يزيد عدد السكان فى العالم بنحو بليونى نسمة (2000 مليون نسمة) بحلول عام 2050، وأن تتجاوز أسعار الماء أسعار النفط.. الأمر الذى سوف يؤثر على توفير مياه الشرب. علما بأن إنتاج كيلو جرام واحد من القمح يستهلك لترا ونصف لتر من الماء. ويحتاج كيلو جرام اللحم 15 لترا من الماء فى المتوسط.
هذه الحقائق تبدو بعيدة عن إدراكنا واهتمامنا رغم أن وسائل الإعلام العالمية اهتمت بنشرها ولفتت الأنظار إليها، إلا فى مصر والدول العربية التى تعتبر من أوائل الدول التى تعانى شح المياه والأمطار. والمشكلة أننا لا نهتم بهذه الأخطار حتى تنفجر الأزمات فى وجوهنا دون أن ندرى!
– سلامة أحمد سلامة
(الشروق 31 مارس 2012)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*