المياه في السعودية تستنزف النفط


بلغ استهلاك المياه في السعودية نحو ضعفي المتوسط العالمي للفرد ويتزايد بوتيرة أسرع مع الزيادة الكبيرة في عدد السكان والتنمية الصناعية في المملكة. وتواجه السعودية تحديات كبيرة بسبب عمليات تحلية المياه كثيفة استخدام الطاقة.
وتراجعت الرياض في سنة 2008 عن خطة كانت تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح وتستهدف حاليا الاعتماد بنسبة 100%على الواردات بحلول 2016.
وقال نائب وزير الزراعة لشؤون الأبحاث والتنمية عبد الله العبيد إن قرار الاستيراد يهدف إلى توفير المياه وأن المسألة لا تتعلق بالتكلفة، مضيفا أن الحكومة تشتري القمح بأسعار أعلى من سعر السوق المحلية.
ويقول منتقدون إن الخطر يكمن في لجوء المزارعين السعوديين إلى محاصيل عالية الربحية تستهلك كميات أكبر من المياه.
ورأى الاستاذ بجامعة الملك سعود وعضو لجنة الزراعة بالغرفة التجارية الصناعية بالرياض عبد العزيز رابح الحربي أن كثيرا من المزارعين الذين دأبوا على زراعة القمح تحولوا إلى زراعة الأعلاف الحيوانية ذات الربحية السريعة، مضيفا أنها تستهلك أربعة أمثال المياه التي يحتاجها القمح.
وأضاف أن مزارعين آخرين يزرعون النخيل بدلا من القمح، وهذا يستهلك كميات كبيرة من المياه أيضا وقد لا يحقق الهدف المنشود المتمثل في ترشيد الاستهلاك.
والزراعة مصدر رئيسي للتنمية وفرص العمل بالمملكة. ويقول مسؤولون زراعيون إنه نظرا لصغر المساحة الصالحة للزراعة في البلاد يجب تطبيق حل شامل.
وأشار رئيس مجلس ادارة جمعية القمح التعاونية والمدير العام للشركة السعودية للتنمية الزراعية حسن الشهري إلى أن من بين الحلول الممكن تحديد حصص مياه للقطاع الزراعي والعمل على خفض استهلاك القمح الذي يزيد بنسبة 5% سنويا. ودعا إلى ضرورة التنسيق بين وزارتي الزراعة والمياه.
ويشكل نقص المياه تحديا كبيرا لآمال المملكة في تطوير قطاع التعدين لتنويع اقتصاد البلاد، وذلك لأنه قطاع كثيف استخدام المياه أيضا.
وقال نائب الرئيس للمعادن النفيسة والتنقيب بشركة التعدين العربية السعودية محمد هاني الدباغ إن الذهب موجود لكن لا يوجد ماء، مضيفا أن المياه ثمينة مثل الذهب تماما.
وتوقع وزير المياه والكهرباء السعودي عبد الله الحصين في مايو/أيار الماضي أن يرتفع الطلب على المياه بنسبة تتجاوز 7% سنويا وانه خلال العقد القادم مطلوب استثمار أكثر من 500 مليار ريال (133 مليار دولار) في قطاع المياه والكهرباء.
وتقدر شركة الاستشارات “بوز اند كومباني” استهلاك المياه في السعودية بحوالي 950 مترا مكعبا للفرد كل عام مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ 500 متر مكعب.
والزراعة أكبر مستهلك للمياه في المملكة وتستأثر بنسبة 85 إلى 90% من الامدادات بالمملكة، حسب نائب وزير الزراعة للابحاث والتنمية. ويتم الحصول على 80 إلى 85% من هذه الموارد من المياه الجوفية.
ويبلغ معدل سقوط الأمطار سنويا 100 مليمتر في السعودية ولذلك فإن المياه الجوفية تعتبر شريان حياة بالنسبة للمملكة.
وكما يرى المؤمنون بنظرية ذروة انتاج النفط أن الامدادات التقليدية للنفط في العالم وصلت أو اقتربت من ذروتها يرى المدافعون عن نظرية “ذروة المياه” أن الماء مورد استنزف بشكل لا يمكن تعويضه.
واعتبرت “بوز أند كومباني” أن بعضا من مخزونات المياه الجوفية في المنطقة أصبح عالي الملوحة بدرجة لا تسمح بشربها.
وكان لضخ المياه في حقول النفط تأثير أيضا رغم أن مياه البحر يتم استخدامها الآن للحفاظ على الضغط في حقول النفط.
وحسب أرقام 2009 وهي أحدث أرقام متاحة تنتج المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة 3.36 مليون متر مكعب من المياه المحلاة يوميا بتكلفة يومية تبلغ 8.6 مليون ريال، حيث بلغت تكلفة المتر المكعب الواحد من المياه المحلاة 2.57 ريال. ويتكلف النقل 1.12 ريال اضافي لكل متر مكعب.
ويقول محللون ومسؤولون في القطاع إن السلطات تحتاج إلى تمرير المزيد من التكاليف إلى المستهلك النهائي لخفض الطلب والفاقد، وهي رؤية أثبتت صحتها في حالة الكهرباء والوقود لكنها تتطلب تطبيقا حذرا للغاية في حالة المياه.
ولفت المدير بجمعية تحلية المياه العالمية ومقرها الولايات المتحدة ايساو تاكيكوه إلى أن “زيادة أسعار المياه أمر ضروري. لكن يجب تطبيقه بعناية بالغة وبالتدريج لأننا لسنا في حاجة لنقول إن الانسان لا يمكن أن يستغني عن المياه.”
وتؤدي تحلية المياه عن طريق حرق الطاقة إلى خفض كميات الخام المتوفر للتصدير. ويقدر تاكيكوه أن الطاقة تمثل ما بين 45 و55% من تكلفة انتاج الوحدة.
وقدرت وكالة الطاقة الدولية ومحللون من بنك “أتش.أس.بي.سي” أن معدل الحرق المباشر للنفط الخام في السعودية زاد بأكثر من المثلين في الفترة بين 2008 و2010 بسبب الارتفاع الكبير في الطلب على الكهرباء ونقص الغاز الطبيعي. ولا تعرف بالتحديد النسبة التي تستخدم في تحلية المياه لكن خبراء يقولون إنها كبيرة.
ويرى مسؤولون بالقطاع وخبراء أن قيام المملكة بتعديل سياساتها الزراعية يكشف وعيها بالتحديات، لكنها كبقية دول العالم تحتاج إلى التحرك بشكل عاجل.
وقال رئيس مجلس إدارة شركة “نستله” بيتر برابيك إن “السعودية أدركت أن عليها أن تبدأ التفكير في استغلال المياه بطريقة أكثر كفاءة.” وأضاف “أدركوا أن قيمة المياه أعلى من النفط على المدى الطويل”.
العربية 9 سبتمبر 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*