المياه الجوفية تحتضر!


عثمان الخويطر
على الرغم من كثرة الحديث عن مستقبل المصادر المائية في هذه البلاد الصحراوية القاحلة خلال الـ50 سنة الماضية، من كتابات في الصحف وعقد الندوات، وما يتبع ذلك من اقتراحات وتوصيات، فلم نسمع عن اتخاذ إجراءات بناءة وخطط استراتيجية تضمن استمرار الإمدادات المائية للأجيال القادمة. نحن نهتم كثيرا بشؤوننا اليومية، وبكل ما يجلب لنا الرفاهية والراحة ورغد العيش، لكننا لا نلقي بالاً لمصير مصادر المياه الجوفية الشحيحة التي تكاد تَغِير أمام أعيننا، بسبب الإسراف الفاحش الذي نمارسه في استخدامها. ونخشى أن يتحول القليل الذي بقي في متناول أيدينا من الماء، لا قدر الله، إلى سراب. فمن يُصدِّق أن استهلاكنا للماء يفوق معدل أي بلد في العالم، حتى الذين تجري في بلادهم الأنهار وتغمرهم فيضانات الأمطار. فقد كنا قبل سبعة إلى ثمانية عقود مضت أقل شعوب العالم استهلاكاً للماء في حياتنا العامة. وأصبحنا في وقتنا الحاضر، وبقدرة قادر، أكثر استهلاكاً وأشدَّ إسرافاً، غير مدركين عواقب ما بعد هذه الطفرة الاقتصادية التي نعيشها اليوم. ونود أن نوضح المقصود بتعميم الإسراف. فليس المعنيَّ هنا الاستخدام الفردي في المنازل الذي لا يقبل التعميم، بل معدل نصيب الفرد من سكان المملكة من المجموع الكلي للماء المستخرج من جوف الأرض، إضافة إلى مياه التحلية المُكِلفة.
فنحن – مع الأسف – شعب ينقصه بُعد الرؤية، ويكفي أن خططنا الاستراتيجية لا تزيد كل مرحلة على خمس سنوات. ومع ذلك، ورغم قصر المدة، إلا أن الخطة لا تحقق إلا القليل مما هو مطلوب إنجازه. لكننا في حاجة إلى رسم برنامج لمتطلبات بلادنا من المصادر المائية بأنواعها، من أجل استمرار الحياة لأحفادنا. ومن البدهي أن يكون من أولوياتنا الحفاظ على القليل الباقي من ثروتنا المائية وترشيد الاستهلاك، وهو ما يسعى المسؤولون الآن إلى تحقيقه عن طريق التوعية الاجتماعية والتنبيه إلى خطورة الوضع إذا استمر استنزاف المياه على الوتيرة الحالية. ومن الملاحظ أن الجهود كلها تركز على الاستهلاك المنزلي الذي يمثل أقل من 10 في المائة من مجموع الاستهلاك الكلي. والواقع أن نسبة عالية من هدر المياه هي في المناطق والأراضي الزراعية، وإلى حد ما في المرافق الصناعية، والسبب واضح وضوح الشمس، فالماء المخصص للزراعة والأغراض الصناعية، على الرغم من شح المصادر، فهو دون أي ثمن بصرف النظر عن الكمية المستخدَمة. ونخشى أن يؤدي هذا الوضع إلى حدوث كارثة خطيرة، مع غياب الرقابة وفوضى حفر الآبار وعدم فرض أي قيمة للماء ولو رمزية. نحن نعلم أن دولاً كثيرة تعاني نقصا في إمدادات المياه، وتخشى تقلص المصادر المائية على مدى المستقبل المنظور، لكن وضعها لا يرقى بحال من الأحوال في حدته إلى مستوى ما نتوقع حدوثه في بلادنا خلال العقود القليلة المقبلة، إن لم نتخذ خطوات جريئة وشجاعة لكبح جماح الاستهلاك الفاحش. ومما يزيد الطين بلة، تجدنا مُغرمين بالإكثار من زراعة المسطحات الخضراء في كل زاوية من شوارعنا، وداخل بيوت الموسرين منا، وفي محيط المرافق العامة، غير مدركين مدى ضرر ذلك على المخزون المائي الشحيح. وكان من الممكن استخدام مياه الصرف الصحي لري المساحات الخضراء، إذا كان لا بُدَّ من وجودها.
ومنذ زمن طويل ونحن نترقب ظهور نتائج دراسات علمية حديثة تحدد كميات مخزون المياه الجوفية القابلة للإنتاج بالطرق التقليدية المستخدمة اليوم حتى يتم في ضوئها بناء الاستراتيجية التي تضمن حياة كريمة وآمنة لأجيالنا، ومن أهم بنودها فرض رسوم على استهلاك المياه الجوفية مهما كان الغرض من ذلك، وكما هي الحال مع الاستهلاك المنزلي. ومن المؤكد أن ذلك لن يكون دون ثمن باهظ، ومجهود جبار، ومتابعة تتطلب الصبر وقوة التحمل، من أجل تنفيذ الخطط التي يتطلبها المشروع. يجب أن ينتهي زمن الفوضى وعدم المبالاة وترك الباب مفتوحاً لكل منْ هبَّ ودب يفتح صنابير المياه الجوفية متى شاء وحيثما كان، واستخدامها بطرق بدائية تسمح لنسبة كبيرة من الماء بالتبخر، لأنه ليس مطلوبا منهم دفع أي ثمن. ونحن اليوم نعتبر أنفسنا على حافة هاوية، بسبب الاستنزاف غير المقبول للثروة المائية التي توشك على النضوب. ورب سائل يقول: كيف لنا أن نعرف أن المياه الجوفية على وشك النضوب؟ والجواب بسيط، نحن نعلم أن المخزون المائي الذي تحتضنه الطبقات الرسوبية على مسافات مختلفة من سطح الأرض، كان قد تكوَّن بفعل هطول أمطار غزيرة جدا خلال عشرات وربما مئات الألوف من السنين. وخلال السنوات المتأخرة قل نزول الأمطار، ما أدى إلى انعدام تغذية الطبقات الحاملة للماء. ونحن نشاهد اليوم انخفاضاً مستمرا في مستوى المياه الجوفية مع مرور الوقت، وهذه حقيقة يدرك الفلاح خطورتها، وهو يضطر بعد كل فترة زمنية إلى تعميق موقع المضخة داخل البئر، وهي عملية تضيف إلى تكلفة رفع الماء إلى سطح الأرض.
التوسع الزراعي غير المحدود، مهما كان المُنتَج، قمح، أعلاف، نخيل، مسطحات خضراء، يجب أن يتوقف تماماً ولو بالتدريج حتى نكون على يقين من أمرنا. وما نشاهده من الطائرات في قلب الصحراء من آلاف الدوائر الخضراء أشبه بالمهزلة، ويدل على عدم الشعور بالمسؤولية. وبالمناسبة فقد نشرت وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) صوراً تُظهر ”نجاح السعودية، حسب زعمهم، في قهر الصحراء” وتحويلها إلى أراضٍ تكتسي لون الخضرة وتزدهر حولها المساكن، وقد تحولت ”الصحراء” بشكل دراماتيكي من لون الرمال الذهبي الفاقع إلى خضرة داكنة، (جريدة ”الحياة” – 3 أبريل 2012). وأضافت الوكالة، أنه لا توجد معلومات عن حجم المياه الجوفية، لكن الخبراء يُرجحون أنها قد تنضب في غضون 50 عاماً. ومن الواضح أن الوكالة تظننا فخورين بهذا الإنجاز الذي أقل ما يُقال عنه إنه كارثة بالنسبة لمستقبل مصادر المياه في المملكة، ويجب إيقافه بأسرع ما يمكن.
(الاقتصادية 15 ابريل 2012)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*