الخليجي مهدّد بالموت عطشًا !


يتزايد استهلاكنا للمياه في أيام الصيف الحارقة التي نعيشها حاليًا، بسبب زيادة معدّلات الشرب لتعويض فقد الجسم للماء بسبب الحر، ولكثرة الاستحمام وتجديد المياه يوميًّا في حمامات السباحة في بعض المنازل وفي النوادي المنتشرة في دول الخليج، وأيضًا رش الشوارع والحدائق بالمياه لتلطيف الأجواء.
ويُسرف غالبيتنا في استخدام المياه رغم أنها من الثروات المهدّدة بالنضوب، وتشير الاحصائيات العلمية الى ان معدّلات استهلاك المياه بمنطقة الخليج تحتل المرتبة الثانية ضمن أعلى معدّلات استهلاك المياه عالميًّا، بنحو 100 جالون للفرد يوميًّا ما يُنذر بأزمة مياه تُهدّد المواطن الخليجي بالموت عطشًا.
هناك إجماع على أن شح المياه خطر يُهدّد الكرة الأرضية، وطبقًا لتقديرات الأمانة الدولية للماء فإن 25 % من سكان العالم أي اكثر من 1.5 مليار انسان لامنفذ لهم إلى ماء الشرب الصحي. ويتوقع خبراء المياه الدوليون أن تتناقص حصة الفرد من المياه بنسبة 80% خلال الـ 50 عامًا المقبلة. ويُشير تقرير الأمم المتحدة أنه بحلول عام 2050 سيكون نصف سكان العالم سيُواجهون خطر عدم الحصول على المياه.
وأزمة المياه لها ايضا بعدها العربي حيث تعد المنطقة العربية بحسب مركز الدراسات المائية والأمن المائي العربي التابع للأمانة العامة لجامعة الدول العربية أنموذجًا للعجز المائي فرغم أن مساحة الوطن العربي تمثل حوالي 10 بالمئة من مساحة اليابسة ويقارب سكانه نحو 5 بالمئة من مجموع سكان العالم إلا أنه يستحوذ على أقل من 1 بالمئة من موارد المياه العذبة والمتجدّدة.
وتُشير التقارير إلى أن أكثر من 15 دولة عربية تُعاني حاليًا من العجز المائي ومن المتوقع أن يزداد هذا العدد تدريجيًّا، اذ تؤكد الدراسات أن استهلاك الفرد في المنطقة العربية كان نحو 3800 متر مكعب سنويًّا عام 1960 وانخفض إلى 1200 متر مكعب عام 2000 وسينخفض إلى 650 مترًا مكعبًا عام 2025 .
أمّا أزمة المياه في منطقة الخليج العربي فهي الاقسى عربيًّا وعالميًّا ويرجع الخبراء شح المياه في المنطقة إلى وقوع معظم دول الخليج في منطقة صحراوية جافة.
فبصورة عامة لا تُوجد هناك أنهار جارية، وإنما يقتصر الأمر على السيول التي تُسبّبها الأمطار المتساقطة على السلاسل الجبلية، والتي تتسرّب بدورها إلى الأرض لتشكل المياه السطحية. أمّا المياه الجوفية فيتفاوت معدّلها من بلد لآخر، بل ومن منطقة إلى أخرى داخل البلد نفسه.
ومن المعروف أن سكان شبه الجزيرة العربية قد تضاعفوا خمس مرات خلال العقود الأربعة الماضية ما انعكس على ارتفاع الطلب على المياه ويُشير الباحثون وخبراء المياه الى أن دول الخليج تُعاني حاليًا من عجز في موارد المياه يقارب 16.4 مليار متر مكعب سنويًّا.
وقد توقعت دراسة للدكتور محمد عبدالرؤوف عبدالحميد، مدير برنامج أبحاث البيئة في مركز الخليج للدراسات بدبي أن موارد المياه لن تفي سوى بـ 67% من السكان بحلول 2015.
ولتعويض العجز المائي اعتمدت دول الخليج العربية على تحلية مياه البحر، وباتت هذه التقنية توفر ما بين 50 و 90% من مياه الشرب فيها. ولكن إنتاج المياه المحلاة ذات تكاليف عالية إذ تتراوح تكلفة إنتاج المتر المكعب بين دولار وثلاثة أرباع الدولار.
وقد حذّرت أكثر من دراسة علمية في هذا الصدد الى أن الاعتماد على مياه البحر المحلاة فقط سياسة محفوفة بالمخاطر بالنظر الى تقلب طبيعة أسعار البترول والإيرادات التي تموّل بشكل كبير هذه العمليات خاصة وان عدد محطات التحلية في المنطقة يزيد عن 65 محطة.
إضافة الى أن معظم محطات التحلية وُجدت منذ السبعينيات والثمانينيات، وبالتالي فقد استنزفت طاقتها وهوما سبّب انقطاع بعضها عن العمل الذي نتج عنه انقطاع المياه خلال فترات الإصلاح. علاوة على زيادة تركيز الملح في منطقة الخليج ، نظرًا للكميات الكبيرة من المحاليل الملحية التي تصدر عن محطات التحلية ما قد يُشكّل تحديًّا أكبر في المستقبل.
كما أن المواد الكيماوية التي تتم إضافتها لعملية تحلية مياه البحر سواء لمنع أوالحدّ من التآكل قد يجري تصريفها في أجهزة المياه. كما قد تُواجه محطات التحلية تحدّيات كبيرة في تصريف المياه المالحة بطريقة آمنة وتُكبّد تكاليف كبيرة، إلى جانب تنوّع تأثيراتها البيئية السلبية.
وفي ظل صعوبة تنفيذ المشاريع التي طرحت لاستيراد مياه الشرب من دول الجوار عبر أنابيب سواء من مصر أو إيران أو تركيا سواء لأسباب اقتصادية أو سياسية ، ليس أمام دول الخليج العربية الا التحرك جماعيًّا في إطار مجلس التعاون الخليجي لتنفيذ توصيات الخبراء الوطنيين والتي تتمثل في : تطوير السياسات المتبعة لتحقيق ترشيد استخدام الموارد المائية المتاحة حاليًا، وتنمية المزيد منها من خلال الحدّ من الفواقد المائية
ووقف استخدام الري التقليدي بالغمر واستخدام طرق الري الحديثة والالتزام بالتشريعات المائية لتطبيق أساليب الري. ووضع الخطط لترشيد استخدامات المياه الجوفية والاستخدام المتكامل للمياه الجوفية والسطحية.
وتنمية واستخدام موارد مائية إضافية من مصادر مائية غير تقليدية من خلال التوسّع في إعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة ، وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي في الري مرة أخرى بعد خلطها بنسب مقبولة من مياه الري الجديدة.
إضافة إلى ذلك ترشيد استخدام الموارد المائية في المناطق الصناعية والحضرية والسياحية من خلال توعية المواطنين بأهمية كل قطرة مياه ورفع كفاءة العائد الاقتصادي من وحدة المياه المستخدمة بناء على أسس تقنية واقتصادية واجتماعية سليمة.
– جاسم الجاسم
(الراية 21 يوليو 2012)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*