هل يعطش العراق؟


المنتدى العالمي السادس للمياه في فرنسا، الذي انعقد قبل أيام في مدينة مرسيليا، في حضور 20 ألف خبير تقريباً، كشف، مرة أخرى، عن أن مليار شخص في العالم يفتقرون الى المياه الصالحة للشرب، وأن مليارين ونصف مليار لا يتلقون كمية المياه اللازمة للمرافق الصحية. واذا كان عدد سكان العالم مرشحاً لأن يصل الى تسعة مليارات في العام 2050، فإن الحاجات المائية الحقيقية يفترض أن تتزايد بما يقدر بأربعة وستين مليار متر مكعب سنوياً.
سؤال كبير يطرح نفسه بالمناسبة: أين العراق في الخريطة المائية الاقليمية؟
يحمّل العراق السدود التي أقامتها تركيا على حوض الفرات ودجلة مسؤولية مشكلة المياه التي يواجهها. لكن هذا الطرح يفترض ألا يحجب تساؤلات واقعية حول موارد العراق المائية وادارة هذه الموارد. فقد تضررت بنيات تخزين المياه وشبكات نقل المياه في العراق خلال سنوات الحرب الطويلة الى حد كبير، ومشكلة ادارة المياه المرتبطة بنقص الاستخدام المنتج للموارد المائية تزيد المشكلة حدة.
ووفقاً لبيانات منظمة الصحة العالمية ومنظمة اليونيسيف التي تعود الى العام 1995، أي الى ما قبل الحرب، كانت امدادات المياه النقية في العراق تصل الى 96 في المئة من سكان المناطق الحضرية و48 في المئة من سكان الريف. ونتيجة الحرب في آذار (مارس) 2003 لحقت السدود ومحطات الضخ وقنوات ومحطات تحلية مياه البحر ومحطات معالجة الصرف الصحي أضرار كبيرة. ومعطيات 2004 تفيد أن 73 في المئة من سكان المدن و43 في المئة من سكان الريف يحصلون على مياه نظيفة، في حين أن نسبة 25 في المئة من سكان بغداد غير مرتبطين بشبكة توزيع المياه. أما معطيات 2007 فتؤكد ان 17 في المئة من مياه الصرف الصحي تصرف في الأنهار. وقد تزايدت  الأمراض المنقولة من المياه الى الأطفال وبلغت حالات الاسهال في بعض السنوات 884 ألف حالة. وفي بيان لها بمناسبة «اليوم العالمي للمياه» أشارت الأمم المتحدة الى ضياع 50 في المئة من المياه المستخدمة في العراق، ما يعني أن فقدان المياه الحالي عائد الى سوء ادارة موارد المياه والمنشآت المائية المتضررة.
ومن أجل ملامسة المشاكل الحقيقية التي يعاني منها العراق على مستوى موارده المائية وطريقة إدارة منشآته، لا بد من التوقف عند خلاصة الدراسات الأخيرة التي وضعها أهل الاختصاص، والتي تلقي أضواء  كاشفة (رقمية في بعض الحالات) على حجم المشكلة.
وحدة المعلومات والتحليل التابعة للأمم المتحدة، أصدرت قبل أشهر قليلة تقريراً عن «واقع المياه في العراق» في أعقاب موجة الجفاف التي ضربت العراق في عامي 2009 و2010 نقرأ فيه:
إن ثلاثة عقود من الحروب والعقوبات الدولية وإهمال البنية التحتية أدى إلى تقويض نظام إدارة الموارد المائية في العراق، ويتوجب على الحكومة العراقية إدخال تحسينات كبيرة على إدارة الموارد المائية من أجل إحداث تأثيرات مفيدة للقضاء على الفقر والجوع وتخفيض معدل وفيات الأطفال. ويكشف التقرير أن 20% من الأسر العراقية تستخدم في الوقت الحاضر مياه شرب من مصادر غير مأمونة، كما أن حوالي 16% من الأسر تواجه مشاكل يومية في الحصول على إمدادات المياه، إضافة إلى ذلك، فإن تسرب المياه من أنابيب وخزانات الصرف الصحي أسهم في تلوث شبكات مياه الشرب، حيث أن 80% من العراقيين لا يقومون بمعالجة المياه قبل شربها.
ورغم أن التقديرات تشير إلى أن كمية مياه الشرب المتوافرة في العراق تصل إلى 2,400 متر مكعب للشخص الواحد سنوياً، وهي كميات تفوق تلك المتوافرة في الدول المجاورة، لكن الحقائق على أرض الواقع تشير إلى النقصان الواضح في وصول هذه الكميات من المياه إلى المواطنين في جميع أرجاء البلاد. وقد تناقصت مستويات المياه في نهري دجلة والفرات إلى أقل من الثلث، كما وصلت كميات المياه في الخزانات والبحيرات والأنهار إلى مستويات في غاية الإنخفاض، ونتيجة لذلك أخذ الناس في الإعتماد على مصادر المياه الجوفية رغم وجود أدلّة تُظهر إنحسارها أيضاً. وبما أن العراق يعتمد، في أكثر من نصف حاجته من المياه، على مياه الأمطار التي تهطل على جيرانه، فإن هذا سيجعله عرضة لمخاطر تغير المناخ ومشاريع التخزين التي تقوم بها هذه الدول، (تركيا وسوريا وإيران).
ويبين التقرير أن متوسط تدفق المياه، إلى العراق، من نهر دجلة في العام 2009 بلغ 49.20 مليار متر مكعب. أما الكميات المتوقعة في العام 2025 فهي مرعبة، إذ تُقدّر بـ9.16 مليار متر مكعب. وفي ما يخص نهر الفرات، تبين الأرقام 19.34 مليار متر مكعب في العام 2009 أما توقعات 2025 فتشير إلى حوالي نصف هذه الكمية، بحيث تصل إلى 8.45 مليار متر مكعب فقط.
ورغم هطول كميات من المطر في العام 2009 أكثر بكثير من تلك التي هطلت في العام 2008 فإن الوضع يبقى منذراً بالخطر لأن معدل الأمطار لايزال دون المعدل الطبيعي بنسبة 50%. وقد شهدت حوالي 40% من الأراضي العراقية، بين عامي 2007-2009، إنخفاضاً كبيراً في المحاصيل الزراعية وهلاكاً للماشية نتيجةً لذلك.
أما لجهة نوعية المياه المستخدمة للشرب والزراعة، فيصفها التقرير بالرديئة وتخالف معايير العراق الوطنية وإرشادات منظمة الصحة العالمية، ذلك أن كمية المياه الجوفية الموجودة على طول مناطق السهول الوسطى غير صالحة للإستخدام بسبب إرتفاع نسبة الملوحة فيها، أو تلوثها. كما يستخدم 8% من سكان القرى والأرياف الآبار الضحلة، التي تحتوي على نسب ملوحة عالية جداً، كمصدر رئيس للشرب. ويتطرّق التقرير إلى منطقة الأهوار والوضع المائي فيها، وهي منطقة من أكبر المساحات المائية في جنوب غرب آسيا، كما تعتبر واحدة من أكبر النظم البيئية الفريدة في العالم. لكن نتيجة لعمليات التجفيف التي قام بها النظام السابق في الثمانينيات، إنحسر حجم الأهوار إلى ما يقدر بـ10% من مساحتها الأصلية، ما أدى إلى هجرة أعداد كبيرة من سكانها إلى المدن والقرى المجاورة بحثاً عن العيش وموارد المياه.
وكاستجابة من الأمم المتحدة، قامت المنظمة العالمية بالتنسيق مع الحكومة العراقية بمواجهة هذه التحديات الكبيرة، وهي تقدم دعمها للعراق والشركاء الآخرين في تنفيذ 121 مشروعاً للمياه. وتقدم منظمة الأغذية والزراعة دعمها لوزارة الموارد المائية ولحكومة كردستان في إعادة تأهيل البنى التحتية لتعزيز إمدادات المياه والصرف الصحي في ثماني محافظات، كما أن منظمة اليونسكو أطلقت مسحاً علمياً عن المياه الجوفية في العراق لتحسين قدرات الحكومة على معالجة الشح.
ورغم إدراك المسؤولين العراقيين مشكلة نضوب الموارد المائية والنظم البيئية إدراكاً شديداً، لكن تبقى الإجراءات الملوسة على الصعيدين المحلي والوطني محدودة، تفتقر إلى التنسيق في ما بينها، ما يتطلب جهوداً أعظم من قبل جميع المعنيين لدرء المخاطر المستقبلية.

عطش
هذه المعطيات في مجملها تعني أن العراق مدعو الى وضع خطط وقائية كافية لمعالجة تفاقم أزمة المياه في السنوات المقبلة، علماً أن التقارير التي تملكها وزارة الموارد المائية العراقية تؤكد أن معدل الواردات المائية في مياه دجلة والفرات سينخفض بمقدار الثلث بحلول العام 2030.
ومجمل الدراسات والأبحاث تذهب الى أن الأزمة ليست محصورة في العراق، ولو أن العراق مرشح لأن يكون الأكثر تأثراً بها في السنوات المقبلة، لأن منابع دجلة والفرات تقع خارج الأراضي العراقية. ويرى مختصون في شؤون المياه والقانون الدولي وسياسيون ان السياسات المائية لدول الجوار العراقي التي تتشارك مع العراق في الانهار، تتميز بقدر غير قليل من الاستغلال وفرض الامر الواقع وعدم مراعاة ظروف العراق وحاجاته من المياه، سواء لاغراض الزراعة او اغراض الاستهلاك الاخرى. وفي هذا السياق يقول استاذ القانون في جامعة بابل علاء عبد الحسن العنزي ان الحصة المائية الداخلة الى العراق من جهة سوريا أقل من 200 م3/ثانية في حين ان الاتفاق بحسب تصريحات المسؤولين العراقيين هو 500م3/ ثانية،  بنسبة 58% للعراق و42% لسوريا، باعتبار ان مساحة العراق واراضيه الزراعية اكبر.
ويشير العنزي الى انه رغم الاتفاقيات الثلاثية والثنائية التي عقدت بين العراق وسوريا وتركيا منذ العام 1920 لتقسيم المياه، والاتفاق على ان تكون حصة العراق 500م3/ثانية، والتي كان آخرها في العام 2008 بين رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ورئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان خلال زيارته العراق، ورغم معاهدة الصلح بين تركيا والحلفاء والتي عقدت في لوزان في العام 1923 وهي اتفاقية متعددة الاطراف تضمنت نصا خاصا يتعلق بمياه نهري دجلة والفرات (جاء في المادة 109 من هذه الاتفاقية: لا يحق لأي دولة من هذه الدول الثلاث باقامة سد او خزان او تحويل مجرى نهر من دون ان تعقد جلسة مشتركة مع الدول الاخرى وتستشيرها لضمان عدم الحاق الاذى بها)، فان الجانب التركي واصل نقضه جميع الاتفاقيات وقام ببناء 23 سدا آخرها سد ليسو دام في منطقة حسن كييف التي يقطنها الاكراد والذي يبلغ ارتفاع منسوب المياه فيه اكثر من 60 مترا، وسيكتمل بناؤه في العام 2014 ليصادر اكثر من 50% من مياه نهر دجلة، ليصبح هو الآخر شحيحا كالفرات الذي صادر سد اتاتورك نسبة كبيرة من مياهه تصل الى 60%.
في ضوء هذه الحقائق يمكن قراءة دعوة وزير الموارد المائية مهند السعدي في منتدى مرسيليا، الى ضرورة تفعيل اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بالأنهار المشتركة للعام 1997. وقد أصدر العراق بياناً بهذا المعنى جاء فيه أنه تم استعراض السبل الكفيلة بخلق اسس التعاون المشترك بين الدول المتشاطئة، وقد ركز الاجتماع على ضرورة عدم تأثر الانهر بالحدود السياسية والادارية للبلدان، باعتبار الماء حاجة اساسية ملحة من اهم الحقوق الاساسية للانسان. وأضاف البيان: أن الاجتماع شهد مداخلات من الوفد العراقي المشارك في المنتدى بشأن نهري دجلة والفرات، واشار الى أن العراق يتعرض لتحديات مهمة وكبيرة في مجال تأمين المياه وزيادة نسب التلوث في الأنهار، وأن من اهم الأمور التي تواجهه في هذه التحديات عدم وجود اتفاقيات واضحة بين العراق ودول الجوار حول تقاسم مياه نهري دجلة والفرات.
وأكد السعدي على ضرورة تفعيل الاتفاقية الاطارية للأمم المتحدة المتعلقة بالأنهار المشتركة للعام 1997 وكان هناك تأييد من الكثير من الدول ومعارضة من البعض، إلا أن الموقف السائد يميل الى استكمال العدد المطلوب الموقع على الاتفاقية لغرض ادخالها حيز التنفيذ من خلال الكثير من الدعوات الموجهة من عدة دول خصوصاً فرنسا.
وشدد البيان على اعتبار المياه حقاً اساسياً للانسان والتأكيد على الحكومات والادارات المحلية المساعدة في تمكين الناس من الحصول على هذا الحق، كما كان تأكيد آخر على أهمية أن تكون المياه صالحة للشرب ونظيفة، إضافة الى الامن المائي لارتباطه الوثيق بالامن الغذائي والوطني. ولفت إلى أن الاهتمام الجدي من المجتمع الدولي بموضوع المياه يصب في مصلحة العراق كونه يعاني من النقص في وارداته المائية، ويساعد في وضع الأسس الكفيلة بتحقيق الادارة المتكاملة للمياه.
ومعروف أن بعثة الأمم المتحدة في العراق كشفت مؤخراً عن تقرير دولي يحذر من احتمال نضوب نهري دجلة والفرات بحلول العام 2040 بسبب تفاقم تأثير المناخ وانخفاض معدليهما من المصدر، وأسباب أخرى باتت معروفة.

منطقتان
الدراسات تقسم العراق الى منطقتين مناخيتين: الأولى هي المنطقة نصف الجافة التي تتراوح أمطارها بين 300 و 350 ملليمتراً في الشمال، والثانية هي المنطقة الجافة التي تتراوح بين 100 و200 ملليمتر في الوسط والجنوب. ويتفاوت هطول الأمطار بين شهري تشرين الأول (اكتوبر) وكانون الأول (ديسمبر) من كل عام.
وتخطط وزارة الزراعة لتعميم أساليب الري الحديثة وسياسات زراعية مدروسة للمساعدة في تحسين الانتاج وتطوير معرفة المزارعين ومهاراتهم في ادارة الري، علماً أن المعدل الوسطي لهطول الأمطار في القسم الأعظم من العراق لا يزيد عن 150 ملليمتراً في السنة، وهو معدل لا يكفي للنهوض بالزراعة بالمعايير العالمية.

معاهدات
في ما يتعلق بتنظيم استخدام الأنهار الدولية، هناك بعض المعاهدات والاتفاقيات العامة التي لم تكن من الشمول بحيث تحكم كل ما يتعلق باستخدامات الأنهار الدولية، إلاّ أنها أرست قواعد دولية تطورّت بمرور الزمن وشكلت أساساً للأعمال اللاحقـة.
في هذا الصدد فإن اتفاقية فيينا في العام 1815 جاءت لتنظم استخدامات الأنهار الدولية فـي الأغراض الملاحية، إلاّ أن تعريفها للنهر الدولي بأنـه «النهر الصالح للملاحة الذي يفصل أو يخترق عدّة دول» رسّخ قاعدة قانونية مفادها أن المعيار الأساس لكون نهرٍ ما نهراً دولياً، يعتمد على وقوع أجزاء منه في دولتين أو أكثر. وقد جرى القياس على هذا التعريف في النظر إلى استخدامات النهر الدولي للأغراض غير الملاحية.
على صعيد آخر، عقدت الدول التي تشترك في استغلال أنهار دولية أكثر من 300 إتفاقية في ما بيـنها. وطبقاً لأحكام هذه المعاهدات تم تنظيم استغلال الأنهار المشتركة بين هذه الدول تنظيماً منصفاً ومعقولاً. وقد ركزت هذه المعاهدات على المبادئ والأحكام العامة مع أحكام تفصيلية خاصة بظروف كل نهر.
وتكمن أهمية هذه المعاهدات في الأحكام والعوامل الأساسية المشتركة بينها، خصوصاً في كونها تكرر القواعد نفسها على مدى عقود من الزمن في ظل أحوال وظروف تاريخية وجغرافية مختلفة، ما يعني قبول هذه الدول على اختلافها بأحكام محدّدة لتنظيم استغلال الأنهار الدولية المشتركة.
ومن القواعد التي تكررت في معظم هذه المعاهدات: حرّية الدول في استخدام الميـاه التي تمرّ عبر أراضيها ضمن قواعد القانون الدولي، ضرورة التشاور قبل إقامة المشاريع التي تؤثّر على مجرى النهر، إجراء التفاوض إذا كان من المحتمل أن يسبب المشروع ضرراً لدولة أخرى.
ومن أهم القواعد العرفية التي ترسخّت في مجال استخدام المجاري المائية الدولية، القاعدة التي تحرّم على دولة المجرى المائي الدولي إجراء أي تغييرات على المجرى المائي من شأنها أن تؤثّر على حقوق الدول الأخرى المتشاطئة معها إلاّ بعد إبرام إتفاق في ما بينها، وكذلك القاعدة التي تنص على أن الدول المتشاطئة تتمتع بحق استخدام المجرى المائي على أساس المساواة التامّة في الحقوق.
(الاسبوعية العراقية 25 مارس 2012)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*