خزانات المياه الجوفية في العالم تواجه خطر الجفاف


عانى خزان الحجر الرملي النوبي العميق القابع تحت الصحراء الشرقية في مصر من أزمة حقيقية. فبحلول مطلع الألفية الحالية، بدأ هذا الخزان، الذي يعد واحداً من أكبر مصادر المياه الجوفية في العالم وأقدمها، حيث يمد ليبيا ومصر وتشاد والسودان بالمياه، يجف سريعاً. وكانت مصر تستفيد من هذا المورد الهائل من المياه الجوفية في ري المدن الصحراوية المتنامية البعيدة عن نهر النيل. أما ليبيا، التي ليس لديها مصدر آخر للمياه سوى البحر الأبيض المتوسط المالح، فقد كانت تحصل على المياه عبر شبكة من الأنابيب تحت الأرض والقنوات المائية المعروفة باسم النهر العظيم، الذي يصفه الليبيون على أنه أعجوبة العالم الثامنة.

توجيه اللوم
و تقول مجلة “نيوساينتست” البريطانية، في تقرير حديث لها إنه سرعان ما بدأت واحات الصحراء تجف، الأمر الذي تسبب في نقص المياه بالنسبة لجماعات البدو والحياة البرية. لكن لا يمكن الإجماع على من يوجه إليه اللوم. واتسمت طبقة المياه الجوفية القديمة بأنها كانت معقدة للغاية، حيث كان من المستحيل تحديد من الذي كان يأخذ القدر الأكبر من المياه، أو تقدير متى سوف تنفد تلك المياه. ونظراً لأن أياً من الدول لم تثق إحداهما بالأخرى في تقديم تحليل غير متحيز، فإنها لم تتمكن من التوصل إلى اتفاق حول الخطوات، إن وجدت، التي يمكن اتخاذها لحماية طبقة المياه الجوفية. حالة عدم الثقة وعدم التعاون أنذرت بالتصعيد إلى شيء أكثر سوءاً.
فقد كشف هذا الصراع حقيقة عادية كانت قد نسيت إلى حد ما، وهي أن معظم مياه الشرب في العالم مخفي تحت سطح الأرض، وليست لدينا أدنى فكرة عما يحدث له. ولكن في الوقت الذي يزداد عدد السكان في العالم، و تتفاقم أزمة تغير المناخ، فقد بات هناك شيء واحد مؤكد، وهو أننا لم يعد بإمكاننا الاعتماد على المياه لتكون حيثما نتوقع العثور عليها. فالمياه الجوفية لدينا تتبعثر في مياه المحيط، حيث يتم استهلاكها بمعدلات قياسية و تتعرض للتلوث بشكل لا يمكن علاجه، برغم أن المطالبات بشأن ما يتبقى أصبحت مثيرة للجدل على نحو متزايد. لن يمر وقت طويل قبل أن يتسبب النقص في موجة جفاف على نطاق واسع وتبدأ أول حرب على المياه. فكيف يمكننا وقف ذلك؟
تقول “نيوساينتست” إن الخطوة الأولى هي معرفة مكان الماء. فالخرائط التقليدية لم تعد كافية عندما يتم التعامل مع هدف غير مرئي ومتحرك. لكن هناك أملا. فالأدوات الفيزيائية والهندسية الجديدة والمثيرة بدأت توفر أول صور واضحة عن المياه الخفية في العالم. وقد كشفت هذه الصور بالفعل بعض الأخبار الطيبة غير المتوقعة، لكن مستقبلها الحقيقي يكمن في إمكانية وجود خريطة للعالم حول مورد أغلى من النفط.

مشكلة المياه الجوفية
وعلى الرغم من أن هذه الخرائط تضم 97% من المياه العذبة التي يمكن الوصول إليها في العالم، وفقاً لأحدث تقدير من برنامج الأمم المتحدة للبيئة، فإننا لم نكبد أنفسنا مشقة الحصول على صورة واضحة عن المياه تحت الأرض. ويفضل معظم علماء المياه دراستها على سطح الأرض. و يقول بيتر غليك، وهو خبير في المياه يدير معهد المحيط الهادئ في أوكلاند بولاية كاليفورنيا الأميركية: “لقد عانت المياه الجوفية بالتأكيد من مشكلة البعيد عن الأنظار بعيد من العقل”.
لن يفاجأ معظم الناس لدى سماع ذلك. ففي نهاية المطاف، كان من السهل بما فيه الكفاية استغلال المياه المخبأة في خزانات المياه الجوفية. وتعد تلك المخازن الجوفية كبيرة للغاية، فعلى سبيل المثال يتجاوز حوض غواراني في أميركا الجنوبية الذي تصل مساحته إلى 40 ألف كيلومتر مكعب من المياه، بكثير ما هو موجود في البحيرات الخمس العظمى في أميركا الشمالية. لكن هذه المياه غير موجودة في بحيرة واحدة شاسعة تحت الأرض. وبدلاً من ذلك، فهي تتحرك ببطء أحياناً من خلال طبقات معقدة من الصخور والرمال والطبقات الأخرى الجيولوجية القابلة للاختراق. وخلافاً للبحيرة، فإن مدى جدواها لا يتوقف على كمية المياه التي تحتوي عليها فحسب، بل على مدى السرعة التي تتم بها إعادة تعبئتها من قبل مياه الأمطار أو ذوبان الثلوج.

جفاف قياسي
تظهر الكثير من الخرائط أماكن وجود المياه الجوفية في العالم، لكنها لا تشير بأي شكل إلى كمية المياه التي تحتوي عليها، أو إلى مدى سرعة مناسيب المياه الآخذة في التغير، أو حتى ما إذا كانت المياه صالحة للشرب. و مع تزايد عدد سكان العالم، يتزايد الطلب على تلك المياه، غير أن هذا ليس هو السبب الوحيد الذي يدعو للقلق. إذ يؤدي التغير المناخي تدريجياً إلى إعادة توزيع المياه في العالم. ومع ارتفاع درجة حرارة الأرض، فإن هطول الأمطار يتحول من مناطق خطوط العرض الوسطى إلى مناطق خطوط العرض المنخفضة والمرتفعة. وأصبحت المناطق الرطبة أكثر رطوبة، والمناطق الجافة أكثر جفافاً، الأمر الذي ربما يكون سبباً في حالات الجفاف القياسية التي شهدتها مناطق في شرق إفريقيا وتكساس خلال العام الماضي.
– هشام فتحي
(البيان 1 يونيو 2012)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*