عالم بلا مياه

سمير التنير
السفير 1 اكتوبر 2010

تواصلت منذ مدة قصيرة التحذيرات حول أزمة المياه القادمة (وحتى حروب المياه)، واليوم تظهر تلك الأزمة بحدة أكبر مما يحتم مراجعة إدارة موارد المياه، حيث تجف بحيرات وأنهار فيما الموارد الباقية تعاني من التلوث. كما ان تغير المناخ يؤثر على الأمطار، حيث يعم الجفاف في بعض المناطق، وفي مناطق أخرى أمطار غزيرة وفيضانات. يقول خبراء المياه إن المشكلة الكبرى هي في تنقية المياه. وبحسب منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (O.E.C.D) فإن 70% من المياه الموجودة تستعمل في عمليات ري المزروعات. وتظهر الأزمة عندما ترتفع كميات المياه المخصصة للصناعة وللاستخدام المنزلي. ويعاني حالياً مليار إنسان في العالم من عدم القدرة على الحصول على المياه العذبة.
لا تتعلق مشاكل المياه بكمياتها ومصادرها فقط، بل تشمل عناصر أخرى، مثل النمو السكاني، وأسلوب الحياة الحديث. وفترات الجفاف في بعض البلدان وخاصة في الاقتصادات الناشئة. وترتبط المياه أيضاً بمسألة إنتاج الطاقة. ونقلها وضخها من أعماق الأرض او تحويلها إلى مناطق أخرى. ويقتضي ذلك استعمال طاقة كثيفة. وتقام الآن في العالم مئات السدود من أجل الحصول على طاقة نظيفة.
ان مشكلات المياه ترتبط وبشكل معقد جداً بغيرها من الازمات مثل السكان والغذاء والبيئة. ولا يبدو أن هناك حلاً واحداً لجميع هذه المشاكل. فبلاد تعاني من ندرة المياه وأخرى من كثرتها. اما التلوث فيعم العالم كله. ويقول خبراء المياه إن الأمر يقتضي الاستعانة بالعلماء في مجال الجغرافيا، وتطوير طرائق أخرى للتصرف بكميات المياه المتوفرة. إن الصراع على المياه يدخل في قلب الصراع بين الدول الكبرى للسيطرة على مصادر الثروات الأخرى في العالم مثل النفط والفحم الحجري والمعادن الثمينة. وعرف العالم القديم إنشاء سدود في مصر والعراق واليمن (سد مأرب) والصين وغيرها.
تعاني البلدان المتشاطئة من التوترات السياسية (التي قد تنقلب إلى حروب) إذ تدّعي دول المنبع ان لها حقوقاً أكبر من دول المصب. ومن تلك الدول الولايات المتحدة والمكسيك حول نهر كولورادو، والهند وبنغلادش حول نهر الفاتج، ومصر وأثيوبيا حول نهر النيل.
وبحسب مركز أبحاث في جامعة أورغون في الولايات المتحدة فإن حروب المياه تبقى قليلة جداً، وغالباً ما تتحول إلى معاهدات بين الدول، مثل معاهدة عام 1960 بين الهند وباكستان. ولكن النزاعات المسلحة قد تثار داخل الدول نفسها، وذلك بين فئات مختلفة من سكانها، وخاصة بين القبائل في المناطق شبه الصحراوية، والتي تتقاتل من أجل الحصول على المياه العذبة. وفي مؤتمر دافوس حذر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، بأن المياه هي عنصر عدم استقرار وذلك في كافة البلدان من أميركا إلى السودان ومن كولومبيا إلى كوريا الجنوبية. وتبدو المسألة غاية في التعقيد بين الفلسطينيين وإسرائيل. ففي غزة ووادي الأردن ينمو عدد السكان بشكل مستمر. وتأخذ اسرائيل كميات من مياه نهر الأردن، مما يجعل سكان تلك المناطق من أقل سكان العالم استخداماً للمياه، وذلك بالنسبة للفرد. تعيد الاقتصادات العالية مع الوقت، كيفية التعامل مع مشكلة المياه. ومن تلك الوسائل التركيز على ري الزراعات الكبرى. وفي مجتمع دولي يحتل فيه التبادل التجاري المركز الاول يمكن تفادي مشكلة ندرة المياه. وذلك بأن تصدر البلدان الغزيرة المياه المواد الغذائية إلى البلدان القليلة المياه. وقد بنت الصين قناة مائية طولها 1200 ميل وذلك لنقل القمح من جنوب الصين إلى شمالها القليل المياه. وتشتري الصين وغيرها من بلدان الشرق الأوسط مزارع كبيرة في البرازيل الغزيرة المياه.
تختلط مشاكل المياه بالمشكلات الاقتصادية والسياسية، ويفرض قانون الندرة ارتفاع الأسعار الذي يجب معالجته بواسطة التدخل الحكومي. ان مشكلات المياه مترابطة بعضها ببعض بشكل لا يصدق. فهي أحياناً أسباب لمشكلات أخرى منها مشاكل الطاقة والبيئة. وتعكس مشاكل المياه مشاكل العالم، كله في كافة المجالات.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*