المياه : 5 أعوام فاصلة

د. غسان اسماعيل عبدالخالق
الدستور الأردنية – 28/ 9 / 2010

يبدو أن الأعوام الخمسة القادمة سوف تكون حاسمة جداً على صعيد الاستعداد العربي لمواجهة أزمة مياه طاحنة و لن ترحم أحداً. و من قيض له أن يطالع بعض المؤشرات التي تم الإفصاح عنها مؤخراً و سوف يتم إعلانها في المنتدى العربي للبيئة و التنمية الذي سيعقد مستهل الشهر القادم في بيروت لم يتمكن على الأغلب من إيقاف تسارع دقات قلبه بسبب بعض الأرقام المرعبة التي تسربت مبكراً. إذ من المتوقع أن يشتمل التقرير الذي سيصدر عن المنتدى على تحذير مؤداه أن حصة الفرد العربي من المياه سوف تهبط إلى أقل من 500 متر مكعب سنوياً علماً بأن حصة الفرد على المستوى العالمي تبلغ 6000 متر مكعب و مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الشديد أن ثلثي مصادر المياه العربية تقع خارج حدود الأقطار العربية،،
والحق أن كل من قيض له أن يطالع هذا الاستشراف المؤلم لما يمكن أن يؤول إليه الحال المائي العربي بعد 5 أعوام لا يملك إلا أن يتجه بتفكيره إلى تلك المفارقة الحضارية الصارخة التي صاغت و ما زالت تصوغ الوجود العربي سلباً و إيجاباً: فهذا الوجود الذي سجل سبقاً حضارياً عالمياً في جنوب الجزيرة العربية ما لبث أن انكفأ و شارف على الاندثار جرّاء الانقلاب المناخي الذي حول الجزيرة العربية إلى صحراء قاسية يحكمها قانون واحد فقط هو قانون الكر و الفر بهدف السيطرة على مراكز الكلأ و الماء القليلة و النادرة. و لولا أن منّ الله على العرب بالإسلام الذي مثل رافعتهم الجبارة التي أوصلتهم إلى العراق و الشام و مصر ، حيث الماء و الخضراء ، لكانوا الآن أثراً بعد عين. على أن هذا الوجود يبدو الآن مهدداً من جديد فها هو بعد مرور أكثر من 1400 عام تقريباً على حركته التاريخية الكبرى باتجاه مصادر المياه يقف قبالة الأسئلة نفسها التي واجهها الآباء و الأجداد و التي دفعت بابن خلدون لإطلاق تعميمه الفذ في مقدمته المدهشة: حيثما توافر الماء تتوالد الحضارة و حيثما ندر الماء ينحط العمران.
وبالعودة إلى الكابوس المائي العربي الراهن ، فإن الحكومات العربية مجتمعةً مندوبةً و بأقصى درجة من درجات الشعور بالخطر الشديد إلى استحداث هيئة قومية عربية لإدارة أزمة المياه و إلى إنشاء صندوق قومي عربي لتمويل الدراسات المائية و المشاريع المائية العربية ، لأن الجفاف و العطش الذي سيضرب قطراً عربياً سوف تكون له تداعيات وخيمة على القطر العربي المجاور ، و لأن ثراء هذا القطر لا يكفي للاعتقاد بأنه سيكون في مأمن من مواجهة المصير الذي يهدد قطراً آخر ، و لأن شهوة الاستهلاك التي تجتاح المجتمعات العربية الآن تمنع الفرد العربي من التفكير بدوره في التخفيف من آثار مشكلة المياه.
على امتداد أقطار الوطن العربي ، فإن الملامح الأساسية لمشكلة المياه تكاد تكون واحدة: إذ علاوة على معضلة وقوع المصادر الرئيسة للمياه خارج حدود الأقطار العربية ، فإن هناك سطواً شاسعاً و غير قانوني يبوء بوزره العديد من المتنفذين العرب ، كما أن هناك قصوراً فادحاً على صعيد تخزين مياه الأمطار ، و هناك طبعاً سوء استخدام و هدر غير مبرر للمياه يضطلع به المواطن العربي السادر في أحلامه الاستهلاكية الأثيرة.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*