العالم على شفير حرب المياه

م\ منصور اطبيقة
الشمس الليبية يوليو 2010

الدول العربية اكثر تضرراً
تزداد كل يوم مشكلة أو ازمة المياه تفاقما وتعاني اغلب دول العالم ذات الاشكالية وهي النقص الحاد في منسوب المياه وتضاؤل حصة كل فرد أو شخص من كميات المياه المحدودة وتتخوف دول وحكومات العالم اليوم من قيام حرب اقليمية أو دولية لا يحمد عقباها بسبب المياه والنزاع على مصادر المياه ومنابع الانهار والامثلة كثيرة.
وقد نبه الاخ قائد الثورة في اكثر من مناسبة من خطورة الوضع المائي ومن احتمالية حدوث حرب بسبب نقص المياه، والتي ستدفع الشعوب الضعيفة والفقيرة ثمنها، كما ودعا القائد دول العالم وحكوماته إلى اعتماد خطوات جادة من اجل تلافي حدوث مثل هذه الحروب أو الكوارث الطبيعية التى قد تنجم بسبب نقص المياه الصالحة للاستهلاك أو الاستخدام الآدمى، داعياً الدول إلى السير على نهج الجماهيرية العظمى والتى اقامت مشروعاً عظيماً للمياه وللحد من ظاهرة نقص المياه التى قد تواجهها مدن شمال الجماهيرية، عظمة هذا المشروع تتحدد في ارادة هذا الشعب ورغبته في كسر المستحيل وصنع المستقبل.
غير ان دول اخرى خاصة في عالمنا العربي مازالت تواجه ذات المشكلة حيث
تقع الدول العربية ضمن المناطق المناخية الجافة وشبه الجافة، وهي من المناطق ذات الموارد المائية الشحيحة بالمقارنة مع بقية المناطق في العالم من حيث نصيب الفرد منها. وتتوزع الموارد المائية في الدول العربية بين المياه السطحية المتجددة والمخزون المائي الجوفي الذي يتجدد بكميات قليلة سنوياً وتقدر جميعها بحوالي 338 مليار م 3 في السنة، بالإضافة إلى كميات الموارد المائية غير التقليدية والتي تقدر بحوالي 10.6 مليار م 3 في السنة.
إن قضية المياه أصبحت الشغل الشاغل لمختلف بلدان الكرة الأرضية وعلى مختلف المستويات الاقتصادية الاجتماعية. وسوف تفوق في أهميتها كافة القضايا.
وقد أشارت الأبحاث والدراسات الحديثة إلى أن صحة الإنسان وأمنه الغذائي وتنميته ستتعرض جميعها للخطر ما لم تتم إدارة الموارد المائية بشكل علمي وصحيح آخذة بعين الاعتبار كافة المعايير. لذلك أضحت قضية المياه تأخذ طابعاً عالمياً وأصبحت القناعة كاملة بأن المياه هي المشكلة الأولى التي ستواجه أجيالنا القادمة ومن الطبيعي إن من يملك الماء يملك النفوذ ويهدد السلم مع تناقص العرض وتزايد الطلب على هذا العنصر.
ولقد حّذّرت الأمم المتحدة بأن العالم يقف على شفير الحروب بسبب الماء واستناداً إلى التقارير فان سبعة مليارات من البشر في 60 بلداً قد يعانون من نقص الماء مع منتصف القرن الحالي.
وفي ظل التغيرات المناخية فإن أزمة المياه تعد هي الأخطر بكثير وخاصة إذا ما علمنا بأن الزراعة هي أكبر مستهلك للمياه حيث تستنزف %93 من المياه العذبة ويحلوا للبعض المقارنة بين النفط والمياه باعتبار أن كلاً منهما سلعة مهمة واقتصادية تسعى الدول الكبرى إلى التحكم بها وشتان بين النفط والمياه فالحياة يمكن أن تقوم بدون نفط لأنها كانت كذلك في التاريخ البعيد ولكن ليس بوسعنا الحياة بدون ماء،فالأشجار تبقي هي مفتاح بقاء الماء والغذاء.
إن كيلو جرام واحد من الحبوب يحتاج من 1000 إلى 2000 لتر من الماء.
إنتاج كيلو لحم بقر يحتاج إلى 16000 لتراً من الماء.
إنتاج لتر من غاز الايثانول يحتاج إلى 4560 لتر من الماء.
وأمام هذه المؤشرات لجأت الحكومات إلى أساليب الري الحديثة لمعالجة المشاكل المائية المتفاقمة إلا ّ أنه بالرغم من كل الجهود لم يتم تحويل سوى %13 فقط رغم أنه ثبت من خلال البحوث والدراسات أنه باستخدام الري الحديث على محصول القطن مثلاً يمكن توفير %58 من الماء. ويشكل سوء استخدام الموارد المائية بهدرها أو تلويثها إحدى أهم أسباب المشكلة المائية وذلك بسبب محدودية الوعي والثقافة باستخدام المستثمرين للمياه لذلك تصبح الحاجة ملحة لتنظيم حملة قومية لترشيد استهلاك المياه وتعميق الوعي بأهميته.
ورب سؤال يطرح نفسه : ما هي أسباب تدهور الموارد المائية في الوطن العربي؟
والجواب أن ذلك يعود إلى عدة عوامل :
-الموقع الجغرافي/ حيث تقع أغلب البلدان العربية في مناطق جافة وشبه جافة
– ظواهر المناخ والتصحر/ تشكل الصحارى حيزا كبيرا من مساحة البلدان العربية 14 مليون كم2و فيما الأراضي الصالحة للزراعة لا تتعدى %11 وباقي المساحات %89 تعتبر أراضٍ صحراوية.
-التزايد السكاني السريع/ نتيجة للتطور الحضاري العالمي والصحي حدثت ثورة سكانية وخصوصا في العالم العربي حيث تزايد عدد السكان : ففي عام 1970 كان عدد السكان122 مليون، ثم في عام 2009 بلغ 320 مليوناً، وهذا التزايد يعتبر تحديا كبيراً، حيث أن معدل النمو 2.5 – 3.8% وهو معدل مرتفع بالقياس إلى الموارد الطبيعية المتاحة، ومن المتوقع أن يرتفع الطلب على المياه لكافة الاستخدامات إلى حوالي436 مليار م 3، ويصبح حجم الطلب على المياه للأغراض الزراعية حوالي 378 مليار م 3 في عام 2030.
-مصادر المياه / تشكل مجموعة من الأنهار ذات الأهمية الكبيرة مثل النيل، الفرات، دجلة، ونهر السنغال بالإضافة إلى أنهار أخرى تنبع من خارج حدود الوطن العربي تحدياً مهماً وكبيرا أمام الأمة العربية.
وهناك أسباب أخرى أثرت على كميات المياه المتاحة منها/
تطور القطاعات الاقتصادية والصناعية.
ارتفاع مستوى المعيشة والتقدم الحضاري والصحي والتكنولوجي.
كذلك عدم معرفة المزارعين للنتائج السلبية الناجمة عن الإفراط في استخدام المياه وعدم الإلمام بالمقننات المائية، مما يزيد من حاجة الفرد إلى المياه على جميع الصعد،
كما أن اتساع الفجوة الغذائية يعمل على تهديد الأمن الغذائي وهذه الفجوة توسعت بشكل كبير ولا يمكن تقليص هذه الفجوة إلا من خلال التوسع في الزراعة واستهلاك المزيد من المياه، كما أن التوسع الكبير والسريع الذي شهدته المراكز الحضرية العربية سبب خللا في حالة التوازن البيئي في المدن والمناطق الزراعية المجاورة ومن أهم هذه التأثيرات التأثير على نوعية المياه وتلوثها
تلوث المياه السطحية نتيجة طرح المياه بدون معالجة
تلوث صناعي
وتلوث ناجم عن الأسمدة والمبيدات الزراعية.
تحويل مساحات واسعة من الأرض إلى كتل إسمنتية بالإضافة إلى التوسع في مساحات الطرق والمصانع.
ومن أسباب تدهور المسألة المائية في الوطن العربي أيضاً ضعف مستوى مردود البحث العلمي.
تعد مشكلة المياه من أكثر المشكلات إثارة للجدل خاصة إذا أدركنا الدور الاقتصادي والسياسي والبعد الأمني والاستراتيجي المتعلق بمياه الدول في وطننا العربي ويشكل الماء العنصر الحساس في تلبية الحاجات الإنسانية كافة وعلى ضوء العجز المائي لابد من التفكير بالبدائل التي تعمل على سد العجز. ويمكن تعريف المصادر المائية غير التقليدية بأنها المياه التي يتم تأمينها نتيجة معالجات تكنولوجية معينة لمياه غير صالحة للاستعمال وذات نوعية متدنية بحيث يمكن استخدامها بشكل آمن بيئياً بعد معاملتها للحصول على مواصفات قياسية محدودة تتوافق مع الجوانب التشريعية والقانونية لنوعية للمياه. علماً بأن هذه المصادر تأخذ حيزاً كبيراً من اهتمام مختلف الدول للتغلب على محدودية المصادر المائية التقليدية وتلبية الطلب المتزايد على الماء كخيارات مهمة في سد العجز المائي في البلدان الفقيرة بالمصادر المائية العذبة.
تقدر كمية المياه غير التقليدية الحالية في الوطن العربي بحوالي 8 مليار م3 من جملة الموارد المائية الكلية والتي تقدر بحوالي 247 مليار م3 أي بنسبة تقدر بـ %3 ورغم قلة هذه النسبة مقارنة بالموارد المائية الكلية يمكن استخدام الموارد المائية غير التقليدية كمخرج مهم لتأمين جزء من المتطلبات المائية المستقبلية ولاسيما وأن المنطقة العربية تعتبر من أفقر المناطق في العالم حيث أن نسبة الموارد المائية المتاحة لاتتعدى %0.6 من المياه المتاحة في العالم علماً بأن الدول العربية تستخدم حاليا حوالي %75 من جملة الموارد المائية المتاحة في حين أن المناخ المداري الجاف الذي يسود المنطقة العربية يرفع وتيرة متطلبات الفرد من المياه.
غير أن تلوث هذه المياه يشكل تلوثاً عاماً له أضراره وانعكاساته على كافة الكائنات الحية.
لقد عرف مفهوم تلوث البيئة في مؤتمر ستوكهولم للبيئة في عام 1972 بأنه ((مجموعة الأنشطة البشرية التي تدخل بصورة حتمية ومتزايدة مواد تعرض صحة الإنسان ورفاهيته أو مصادر الطبيعة للخطر أو يحتمل تعرضها لخطر بشكل مباشر)).
وعمليات تغير نوعية المياه بمختلف مصادرها تعتبر ظاهرة خطيرة تتعرض لها الكرة الأرضية كاملة وبدون أدنى شك فإن نتائج التطور البشري وما حققه الإنسان على سطح الكرة الأرضية من تطورات صناعية واقتصادية أدت إلى ظهور :
1 – ملوثات صناعية غير عضوية تحتوي على نسب عالية من المواد العالقة والمنحلة تنتج مواد كيميائية مثل نحاس – الكروم – الكاديوم – الزنك إضافة إلى مواد أخرى سامة. 2 – ملوثات كيميائية : ويدعى التلوث الكيميائي ويحدث نتيجة وجود المعادن الثقيلة السامة إضافة إلى الأسمدة : النترات – الفوسفات – أمونيا، إضافة إلى المبيدات الكلورية التي يدخل الكلور العضوي في تركيبها الكيميائي مثل : مبيد الألدرين – والدلتامترين علماً بأن جميع هذه الملوثات توثر بشكل أو بآخر على المياه السطحية والمياه الجوفية وحتى النباتات والتربة بمختلف أعماقها إضافة إلى ذلك وجود بعض العناصر مثل النتروجين والبوتاسيوم والبكتريات والفيروسات التي تسبب العديد من الأمراض.
مشروع النهر الصناعي العظيم
منذ قيام ثورة الفاتح من سبتمبر 1969 م العظيمة في الجماهيرية الليبية ترسخت القناعة بأهمية التنمية الزراعية وتوفير الغذاء كشرط أساسي لتحقيق استقلال الإراده والقرار ومن ثم فقد حققت خطط التنمية المتعاقبة انجازات هامة في مجالات التوسع في مساحة الأراضي المستصلحة والمستزرعة وزيادة الإنتاج النباتي والحيواني وتحسين أحوال الأسر الزراعية وتحديث أساليب الإنتاج وتطوير مرافق البنية الأساسية العامة الزراعية وكذلك الخدمات الزراعية المساندة إلى غير ذلك من المجالات.
وبرغم الجهود الهائلة والإنفاق الضخم على مشروعات التنمية الزراعية والأمن الغذائي إلا أن محدودية الموارد المائية شكلت العنصر الحاكم والمحدد الرئيسي الذي يعوق تحقيق طموحات التنمية الزراعية ومن ثم فقد جاء القرار التاريخي بإقامة مشروع النهر الصناعي العظيم تجسيداً لإرادة الاستمرار في مسيرة التنمية الزراعية وتحقيق الأمن المائي والآمن الغذائي.
ويعتبر مشروع النهر الصناعي من أضخم مشاريع نقل المياه التي عرفها الإنسان حيث يستوعب عند إتمام مراحله المختلفة ما يقدر بنحو ستة ملايين متر مكعب يومياً من المياه تحملها من جنوب البلاد إلي شمالها منظومة متكاملة يبلغ مجموع أطوالها نحو أربعة ألاف كيلو متر
النتائج التي يحققها المشروع :
إيقاف الوضع المتردي الذي وصل إليه مخزون المياه الجوفية في المناطق الساحلية وإتاحة الفرصة لهذا المخزون كي يعوض جزئيا بعض المياه التي فقدت خلال سنوات استنزافه ووقف تدهور نوعية تلك المياه ووقف تسرب مياه البحر إلي الآبار الجوفية الساحلية.
استزراع واستصلاح مساحات شاسعة من الأراضي التي كانت مهملة بسبب عدم وجود المياه الكافية لاستغلالها واستثمار القدر الأكبر من مياه النهر (حوالي %86) لإغراض التنمية الزراعية.
تجديد خصوبة الأراضي الزراعية المستغلة حالياً والتي أصبحت مشبعة بالأملاح نتيجة تسرب مياه البحر إلى مخزون الماء الجوفي في تلك المناطق.
تحقيق أكبر قدر من الاكتفاء الذاتي من المواد الغذائية الرئيسية مثل الحبوب واللحوم.
خلق صناعات خفيفة في المناطق التي تستفيد من مياه المشروع مباشرة.
دعم الصناعات القائمة حاليا مما يساهم في زيادة إنتاجها الصناعي لما يوفره المشروع لها.
تشجيع سكان المناطق الريفية على البقاء في مناطقهم وعدم الهجرة إلى المدينة.
الإسهام في رفع مستوى المعيشة للشعب الليبي بصورة عامة وتحقيق التنمية الشاملة.
وامام تفاقم ازمة المياه العالمية التى تجاوزت الحدود وسيادة الدول وهدد بالعطش والمجاعات خاصة مع توالى اصدار التقارير والدراسات العلمية من قبل منظمات دولية متخصصة في المياه ولها باع طويل في هذا الجانب، فقد يكون على دول العالم اليوم اعتماد استراتيجية عاجلة لتلافي عجز المياه المؤكد ومواجهة حروب المياه القادمة، استراتيجية تتضمن :
تقوية وتعميق دور المنظمات غير الحكومية ومؤسسات المجتمع الأهلى في خلق البيئة المناسبة للحوار مع المؤسسات الرسمية لتنفيذ الإستراتجية المتفق عليها في مجال المياه.
أهمية إدخال مناهج ومقرارات حديثة حول موارد المياه واستخدامها في التعليم الأساسي والجامعي وتشجيع مراكز الأبحاث والدراسات لخلق كوادر علمية مؤهلة للعمل على قضايا المياه.
التعاون بين المؤسسات الرسمية للأمة العربية في بناء قاعدة بيانات قومية تتعلق بمصادر المياه المشتركة واستخدامها لحقوق العرب منها سواء تاريخية أو قانونية وتبادل البيانات مع مؤسسات البحث العلمي والمؤسسات الإعلامية ومنظمات المجتمع المدني في الدول المختلفة
إعطاء الأولوية لمعالجة المناطق التي تظهر فيها بوادر تدهور نوعية المياه ودعم البحث العلمي لاستنباط تكنولوجيا تحقق في التلوث وتأثيراته ووضع التشريعات الملائمة لحماية الموارد المائية منه.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*