أزمة المياه هل هي صراع سياسي أم بداية لحرب عالمية ثالثة؟

رشيد قوارف

ليس غريبا علينا في يوم من الأيام، أن تحدث أزمة بسبب نهر النيل، لكنها وقعت فعلا، حيث اجتمعت دول الحوض ( إثيوبيا، تنزانيا، أوغندا وكينيا ) في شهر ماي، وتم التوقيع على اتفاقية جديدة مغايرة لمعاهدة 1929 التي وقعت عليها أغلب دول حوض النيل، هذه المعاهدة التي تعطي لمصر الحق في التصرف بنسبة كبيرة في مياه النيل، مع العلم أن هذا الأخير يلبي حاجياتها الاقتصادية والزراعية بنسبة تفوق 90%، لكن المسؤولين المصرين لم يعترفوا بهذه الاتفاقية وقللوا، بل رفضوا محتواها وما تنص عليها، لأن بيدهم اتفاقية قانونية معترفة بها دوليا تحمي حقوق مصر. والواقع يؤكد أن مصر وقعت في ورطة بفقدانها حقوقها التاريخية في مياه النيل، والتخلي عن دورها إفريقيا، وفشلها دبلوماسيا و إقليميا، فأصبحت قضية حياة أو موت، لأن النيل هو شريان و جنة الحياة بالنسبة لمصر. و السؤال المطروح : لماذا تحركت دول منبع النيل في هذا الوقت الحساس بالذات؟ ألم تهدد إسرائيل بقصف السد العالي بمصر؟ لماذا لم تنسحب إسرائيل من مزارع شبعة و الجولان؟ لماذا تضغط إسرائيل على إثيوبيا، وتقوم على إقناع الوزراء الأثيوبيين باستعمال المشاريع المشتركة بينهما؟
إن العلاقات بين إسرائيل ودول المنبع، متميزة، ومتينة و خاصة أوغندا و أثيوبيا و ما هذا إلا تخطيط إسرائيلي لتفكيك التجمع الإقليمي، الذي يضم دول الحوض وتفكيك و إخضاع مصر لمطالب إسرائيل. قد يتساءل البعض منا لماذا إخضاع مصر وهي لعبة في يد إسرائيل، وتنتظر الأوامر من السفير الأمريكي بالشرق الأوسط (إسرائيل )؟ فعلا إن مصر أصبحت ” محمية إسرائيلية ” تديرها إسرائيل كما تريد، ضف لذلك تريد أن تجردها ما بقى من ثقافتها وهويتها …… فمصر التي تربطها علاقة رسمية، على دراية تامة بأن إسرائيل وراء تحركات دول منبع النيل سعيا لإذلالها، وممارسة مزيدا من الضغوط السياسية، و خاصة بما يتعلق بالورقة الفلسطينية، و للأسف لم تعد مصر قادرة على حمل الحقيبة العربية، أو حتى الدفاع عن مصالحها، بعد معاهدة كامب ديفيد، ضعف دورها الإقليمي، و الدولي في شتى المجالات، و لم تبقى مصر إلا أداة تتحكم فيها اليد الصهيونية، و الأمريكية ، وهذا درس و رسالة للأجيال القادمة.
أما حال أزمة المياه في المشرق العربي، فهي متوترة، فنهر الفرات، الذي يعد من أكبر الأنهار في جنوب غرب آسيا، و الذي ينبع من تركيا و يصب في الخليج العربي، تسيطر عليه دولتان إسلاميتان، غير عربيتان، و تمنعان توزيعا عادلا لمياه دجلة و الفرات أدى إلى ضياع خصوبة الأراضي، و ارتفاع المجاعة، فنقص الإمدادات المائية في دجلة و الفرات أدى إلى تحويل السهول المقاربة لضفافها إلى أراضي جرداء، بعد استنزاف المياه، فمياه الفرات لم تعد تكفي لإيصال إلى الشط العربي من الماء العذب.
إن مياه الدجلة و الفرات تتحكم فيها دول المنابع و تحرم الدول العربية من حقوقها المشروعة قانونيا فالعراق يحصل على 11% من موارده المائية من الأنهار التي تنبع من إيران، و لكن قلت النسبة نظرا لتحويل مجاري الأنهار، و تشييد السدود من طرف إيران (عدد كبير )، وتكون هذه الأخيرة اليد في تدهور منطقة جنوب العراق، وضياعها لمحاصيلها الزراعية، وفقدانها لثروتها الحيوانية.
أما تركيا ترفض بدولية النهرين، و تعتبرها عابرين للحدود، مع إلحاحها، و إصرارها على التحاور، ضمن التعريف بطبيعة حقوق الاقتسام، و التوزيع، معتبرة أن الأولوية للأرض الأكثر خصوبة، و للدولة المتطورة تكنولوجيا، لذلك ترفض و تنفي حقوق المائية لبعض الدول العربية، كسوريا و العراق، و شرعت في بناء سدود كبيرة و ضخمة لربح سياستها المائية. و في النهاية أعود للبداية، لماذا لم تنسحب إسرائيل من الجولان؟ وما دخلها في قضية دارفور، لماذا تستورد المياه من تركيا؟……أسئلة نتركها للمختصين و الباحثين وصناع القرار العربي و الإسلامي، و بقية العالم، نظرا لازدياد حاجة سكان المعمورة للماء ، ومطالبهم اليومية، مع العلم أن هناك أسباب سياسية، اقتصادية ، و إستراتيجية، تتعلق بكون المياه عنصر قوة الدول و رقيتها، و هي مصادر التوتر، و قد تكون حرب عالمية ثالثة، حرب لأجل المياه.

مجلة القراء 6 يوليو 2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*