النكبة المائية تقرع أبواب العرب

نجيب صعب
الخليج 6 يونيو 2010

بينما العرب في غفلة، تجتمع دول حوض النيل في غياب مصر والسودان، وتتفق على خطة لتقاسم المياه . إثيوبيا، التي هي مصدر 85 في المائة من النيل الأزرق، لا تستطيع استغلال إلا جزء قليل من مياهه، لأنه يعبر المناطق المنخفضة فيما مناطقها الزراعية في المرتفعات . لكنها تطالب بالحق في بناء السدود لانتاج الطاقة الكهربائية، لتصديرها إلى أوروبا . الخطير في الأمر المطالبة بالحصول على “حصة عادلة” من مياه النيل، مع حق بيعها إلى دول أخرى . وقد جاء هذا العرض استجابة لطلب “إسرائيل” شراء المياه من دول المنبع . وإذا كان بناء السدود لتوليد الكهرباء لا يؤثر في كمية المياه المتدفقة إلى السودان ومصر، فعرض مياه النيل للبيع كسلعة تجارية يشكل كارثة .
90 في المائة من مياه النيل تصل اليوم إلى السودان ومصر، اللتين منحتهما اتفاقية وقعت عام 1929 حق الفيتو على أية مشاريع لبناء سدود أو تعديل في استخدامات المياه في مجاري النهر العليا . الدول المجتمعة في أوغندا قررت إنشاء هيئة مشتركة لإدارة النيل، وفق معايير جديدة تلغي الاتفاقات السابقة .
على المقلب الآخر، يواجه العراق وسوريا نقصاً متعاظماً في المياه، بسبب انخفاض التدفق من تركيا، حيث منابع دجلة والفرات، فيما وصل الوضع في الأردن والأراضي الفلسطينية إلى أخطر درجات الشح الحاد، بعدما أحكمت “إسرائيل” قبضتها على مياه نهر الأردن وسرقت المياه الجوفية . أما لبنان، فيخسر معظم مياهه إما هدراً في البحر وإما بسبب التلويث وسوء الإدارة .
ليس علينا انتظار مضاعفات اتفاق أوغندا ولا آثار تغير المناخ . فالعرب في مهبّ الكارثة المائية، اليوم . الأرقام المعتمدة حتى وقت قريب كانت تقدر حصة الفرد من المياه في مصر بحدود 750 متراً مكعباً سنة ،2010 استناداً إلى تدفق في مياه النيل مقداره 55 بليون متر مكعب . كمية المياه التي تصل مصر من النيل لا تتجاوز اليوم 44 بليون متر مكعب سنوياً، ما يعني أن حصة الفرد الفعلية لا تزيد على 600 متر مكعب . أحدث التقارير تشير إلى أن 3 دول عربية هي في أدنى مراتب الفقر المائي من بين 180 دولة، وبين أسوأ 19 دولة في شح المياه هناك 13 دولة عربية . أربع دول عربية تقل فيها حصة الفرد من المياه العذبة عن 100 متر مكعب سنوياً (الكويت، الإمارات، قطر، فلسطين) . أربع دول يقل فيها الرقم عن 200 متر مكعب (ليبيا، السعودية، الأردن، البحرين) . خمس دول تقل فيها حصة المياه للفرد عن 500 متر مكعب (اليمن، جيبوتي، عُمان، الجزائر، تونس) . مصر ولبنان وسوريا تقع على حدود ندرة المياه الحادة، أي أقل من ألف متر مكعب سنوياً . العراق والسودان فقط هما فوق خط الاجهاد المائي، أي أكثر من ألف متر مكعب للفرد سنوياً .
في تقرير المنتدى العربي للبيئة والتنمية لعام 2008 توقعنا أن تكون سنة 2025 الموعد المشؤوم لهبوط حصة الفرد العربي من المياه، كمعدل عام للمنطقة، تحت حدود 500 متر مكعب، وهي أقصى حالات الفقر المائي . الأرقام التي بين أيدينا اليوم .
لماذا يُعتبر كل ما هو دون ألف متر مكعب سنوياً للفرد ندرة في المياه، وما دون 500 متر ندرة حادة؟ فلنعتبر: فنجان قهوة بحجم 200 مليليتر يحتاج إلى 140 ليتراً من المياه لانتاج البن المصنوع منه . التفاحة الواحدة تحتاج 70 ليتراً . كيلوغرام واحد من القمح يحتاج 300،1 ليتر . كيلوغرام من لحم العجل يحتاج 500 ليتر ماء لانتاجه .
لا يحتمل العرب خسارة قطرة ماء واحدة . على الحكومات فوراً ترشيد استخدام المياه، وتحديث أساليب الري . كما عليها معالجة مياه الصرف وإعادة استعمالها، وتطوير تكنولوجيات رخيصة وعملية لتحلية مياه البحر .
أي تأخير في التصدي الجدي لتحدي المياه هو انتحار جماعي . فالنكبة المائية تقرع أبواب العرب، الآن.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*