فقراء العالم وفقرهم للمياه: بعض الحل

المتوسط أون لاين 16\5\2010
محمد التفراوتي  – الماء عملة نادرة وحياة نابضة لبشرية تنضح حيوية بين ميلاد هذا الكون البديع وحتمية فناء آزف، قطرات الماء رسالة حنو وإنقاذ من سحابة المحبة إلى حقل المحبوب، والري تقبيل للنبات وعناق للمزروعات.
المصادر المائية موارد نادرة وناضبة وفي أفق تقليص الفاقد منها وتشجيع حمايتها وتنظيم عملية الحصول عليها وتخصيصها بين الاطراف المختلفة وكذا تطوير آليات عادلة للتسعير عمل المشرفون على مشروع “وادي مينا ” بنجاح مبهر لإدارة الطلب على الماء في شمال إفريقيا والشرق الاوسط عبر مواكبة مشاريع نامية في أماكن قاصية تئن تحت وطأة الفقر والهشاشة الاجتماعية والخصاص المائي المطلق لها طلاقا بائنا بينونة كبرى.
وذلك من خلال مقاربة استراتيجيات بحثية لصالح الفقراء وإشراك الأطراف المستفيدة من تحسين الوضع المختل ودعم كفاءة استخدام المياه مع ممارسات وسياسات تتسم بالمساواة والاستدامة في ظل التنوع الشديد في الخصائص السكانية والاجتماعية والاقتصادية للمناطق المتضررة.
من هنا لخص الخبير المغربي ومنسق مشروع “وادي مينا” الدكتور حمو العمراني في الجلسة الافتتاحية لملتقى الإشراف على اختتام المشروع مختلف الجهود المبذولة على مدى خمس سنوات في توفير الماء النظيف لفقراء العالم.
وابرز الدكتور العمراني خلال استعراضه لحصيلة النتائج الأساسية لمشروع “وادي مينا” المساعي التقنية والمؤسساتية والممارسات السياسية الواجب تعزيز نتائجها بغية إعادة استخدامها بمهارة اقتصادية وعدل اجتماعي واستدامة بيئية، حيث ساق خصوصيات مشهد المنطقة العربية وتعقيداتها على مستوى ندرة المياه إذ فقدت ما بين 1 إلى 2.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بسبب نضوب المياه الجوفية وتدهور النظم البيئية وصعوبة الولوج الى مياه الشرب في بعض المناطق النائية، ذلك أن قطاع المياه يوفر 5 مليون وظيفة جديدة كل سنة.
وتناول العمراني التحولات العميقة في السياسة المائية بالأردن، مؤكدا أن مشروع “وادي مينا” عمل على تقييم احتياجات أربع أولويات موضوعاتية انطلاقا من سنتي 2002 و2003 تهم إعادة استخدام المياه العادمة بالمغرب وتثمين المياه بلبنان وكذا الشراكات بين القطاعين العام والخاص بالأردن ثم اللامركزية والشراكة في إدارة الري بمصر.
وبادر المشروع من خلال هذا التشخيص إلى تحسين إدارة المياه والحد من الفقر وضمان الاستدامة من أجل تعميق استيعاب مزايا وتحديات إدارة الطلب على المياه من خلال البحث ونشر المعرفة وبناء شبكات التواصل، ناهيك عن تطوير قدرات السياسات والأوساط البحثية والمؤسسات ومستخدمي المياه والمنظمات غير الحكومية لتوفير منتدى شامل لتشجيع الحوار وتعزيز الشراكات وتبادل الخبرات.
واستعرض العمراني من خلال بيانات وإحصائيات الوضعية المائية لكل من تونس ومعدل استهلاكها للماء في المجال الزراعي والبحوث التطبيقية عن إعادة استخدام المياه الرمادية باليمن ومجالات تعبئة المجتمع وتماسكه، والتوعية وبناء القدرات بكل المغرب و الجزائر.
وبخصوص استعمال السلطة في صنع القرار أضاف الدكتور العمراني أن مشروع “وادي مينا” مهد منذ سنة 2008 الطريق لفهم دقيق لعلاقات السلطة في عمليات صنع القرار حول المياه عبر بناء توافق الآراء بعقلانية وشفافية ومساءلة.
ودعا العمراني إلى تعزيز آليات المساءلة المتبادلة وسيادة القانون، مشيرا إلى كون البحث وحده لا يمكنه دفع عجلة التنمية الزراعية بل من خلال تحسين إدارة الطلب على المياه لتحقيق الأمن الغذائي منهيا مداخلته باعتبار رمزية الابتسامة فقط وحمولتها المعنوية من دعم خطوات إصلاح السياسات المائية.
وأبرزت الدكتورة تينة جاسكلسكي تفاصيل مشروع إدارة المياه بمشاركة المجتمع في واحة‎ ‎الفرافرة ‏بمصر، وقدمت دراسة حالة تنمية الواحة‎ ومجال استصلاحها وذلك من خلال الاندماج الاجتماعي لفريق البحث مع ساكنة المنطقة قصد الوصول الى فهم أفضل لكيفية عيشهم وتفاعلهم مع المجال الزراعي وإدارة الموارد المائية بمنطقة أبو منقار.
واشتمل مجال بحث فريق البحث مختلف المعلومات الهامة عن واحة أبو منقار، من الزاوية التاريخية و الاجتماعية وتوزيع المياه والبنية التحتية والإنتاجية الزراعية، والتنظيم الاجتماعي المعتمد على التقسيم النوعي وتقسيم العمل.
وتقول جاسكلسكيفي إن ذلك ساعد في تفصيل المناهج البحثية في مراحل المشروع المتطورة. حيث حقق نتائج ملوموسة على مستوى بناء القدرات بواسطة التدريب والمبادرات التعليمية، مع المجتمع المحلي في منطقة أبو منقار، وكذلك بتدعيم الأنشطة المؤثرة على سياسات السلطات المعنية مع تقييم التقنيات التقليدية وفصل الممارسات الحميدة عن الخاطئة لبلوغ مستوى جديد من المعرفة التقليدية بشأن إدارة المياه.
وعرضت الدكتورة نسرين الحمود عن الجمعية العلمية الملكية بالاردن مشروع سياسات إدارة المياه الرمادية‎ ‎المتكاملة لكبار مستهلكي ‏المياه في المجتمعات المعرضة للضرر في‎ ‎الأردن في اطار بحث تطبيقي يروم تحسين جودة حياة الرجال و‎النساء والأطفال في ‏المجتمعات الضعيفة ومن خلال تعزيز الطلب على‎ ‎المياه، مع مراعاة حماية الصحة العامة والبيئة الطبيعية ‎والإسهام في تحديد احتياجات المجتمعات الضعيفة حماية المصادر النادرة للمياه العذبة ودعم الاستجابات المحتملة و الإسهام في صياغة إطار وطني لإدارة المياه الرمادية لكبار مستهلكي المياه، بالاشتراك مع مختلف الشركاء، حيث تم تعزيز الوعي العام و المعرفة الفنية لدى المجتمع في مجالي إدارة المياه.
وتناولت الحمود تجربة السكن الجامعي للطلبة بجامعة مؤتة، حيث تم إجراء مشروع بحثي عمل على تقييم جودة و كمية المياه الرمادية المتولدة من المشروع الذي اختيار نظام معالجة و إعادة استخدام كفء للمياه الرمادية، و تجارب ميدانية و تدريب و تعزيز للكيان المؤسسي.
وتناول الباحث المهندس توفيق شاتي النموذج المغربي والمتمثل في تثمين الموارد المائية الجوفية المالحة بسهل بتافيلالت عبر استخدام تقنيات ري وأساليب إدارة موفرة للمياه ومستعرضا السياق المرحلي التي مر منها المشروع لاختيار وتطوير تقنيات الري المطورة الموفرة للمياه وطرق الاستخدام الكفء للمياه الجوفية المالحة المتاحة ومعرفة المحاصيل التي يمكن ريها بالمياه المالحة ومراقبة ملوحة التربة وكذا تعزيز وعي أصحاب المصلحة بأهمية تبني تقنيات جديدة لتوفير المياه وأساليب للزراعة المكثفة، مع الاهتمام بالحفاظ على البيئة و نقل تقنيات كفوءة لإدارة المياه الجوفية المالحة للمناطق المشابهة في أي مكان استعرض المهندس توفيق شاتي تجربة المغرب من خلال البحث المنجز وانعكاسه على الساكنة المحلية عبر مراحله الأساسية والتي تجلى في التعرف على أنشطة المشروع بالتعاون مع الشركاء، و تنفيذ الأنشطة التوضيحية المخططة سلفا، وتقييم ونشر النتائج.
وأضاف الباحث الشاتي أن المشروع ينصب على استخدام تقنيات توفير المياه وبقية العناصر المتعلقة بتقنيات الحصاد و وسائل إدارة المياه بشكل متكامل.
وحقق بذلك المشروع نتائج فعالة تتضح جليا في تبني تقنيات الري و الزراعة القابلة للتكيف مع تحسين كبير في المحصول وتوفير مياه الري وبالتالي زيادة مستوى استغلال موارد المياه الجوفية المالحة.
واورد الدكتور مندر حديدين الوزير السابق للمياه بالأردن بعض التحديات الكبرى التي تواجه المنطقة العربية في مجال الموارد المائية من حيث الامتداد الواسع للصحاري والأراضي القاحلة وعدم تجدد الموارد المياه ذلك أن ونصيب الفرد من التضاريس الصحراوية في منطقة العربية يبدو الأكبر في العالم في حين أن نسبة الموارد المائية المتجددة تعد من بين أقل المعدلات.
وعالج الدكتور بوغوص غوكاسيان عن مركز الشرق الأوسط لنقل التكنولوجيا الملائمة بلبنان مشروع بحث ميداني تجريبي لمعالجة المياه الرمادية وإعادة استخدام المياه والأمن الغذائي وتخفيف الفقر في راشيا كازا في لبنان، عن طريق دعم استخدام مياه الصرف المعالجة للري كأداة لإدارة الطلب على المياه، واستعرض الدكتور بوغوص تقنيات عملية تثبيت و تفعيل نظام معالجة و إعادة استخدام المياه الرمادية كتقنية مناسبة ماليا ً ومقبولة اجتماعيا ً لإدارة الطلب على المياه في أفق بناء القدرة المحلية لصيانة نظام معالجة و إعادة استخدام المياه الرمادية و تحسين حياة المستفيدين عن طريق جعل مياه الري متاحة لإنتاج المحاصيل. وأوضح في السياق ذاته المزايا الاقتصادية والبيئية المستفادة من إعادة استخدام المياه الرمادية.
وقارب الدكتور ماهر ابوماضي من معهد دراسات المياه بجامعة بير زيت بفلسطين عملية التقييم الاقتصادي والاجتماعي لإعادة استخدام النفايات السائلة المعالجة في محطة البيرة لمعالجة المياه العادمة في الزراعة المروية بالضفة الغربية بغية إدارة أفضل للطلب على المياه والحد من ندرة المياه والحماية البيئية والحد من الفقر، وتحسين ظروف حياة الفلسطينيين حيث عمل المشروع على دراسة تأثير مشاركة الأطراف صاحبة المصلحة على خلق بيئة تساعد على نجاح مشروعات إعادة استخدام المياه وتوعية أفضل للمزارعين والرأي العام وصناع القرار فيما يتعلق بإعادة استخدام المياه العادمة المعالجة والأساليب التشاركية في القيام بذلك.
ومن جهته تناول الدكتور فاضل علي النزيلي من جامعة صنعاء باليمن مجال تحسين ري المساحات الخضراء بمياه المساجد الرمادية وتطوير المعرفة بين صانعي السياسة لتعزيز إعادة استخدام المياه الرمادية كمصدر غير معتاد للمياه من ضمن الأولويات والاستراتيجيات الوطنية من خلال تعزيز جوانب متعددة الأبعاد لحدائق صنعاء التقليدية عن طريق توضيح قيمتها البيئية و الاجتماعية و الاقتصادية كنموذج يلعب هاما في صوغ سياسة أكثر إلماما بالمعلومات عبر التأسيس على الممارسة القيمة الأصيلة باستخدام مصادر مائية بديلة للأمن الغذائي و تخفيف الفقر و الحفاظ على التراث الثقافي لصنعاء.
وتخلل الملتقى الختامي لمشروع وادي مينا التعاقب على تحليل دقيق للمشهد المائي العربي والحلول الممكنة،خبراء وعلماء بارزين وديبلوماسيين من قبيل الدكتور ابو زيد رئيس المجلس العربي للمياه واحمد لكروري عميد كلية العلوم بجامعة الاخوين والبروفسور صالح عبدين من جامعة الخرطون بالسودان والدكتورة لمياء الفتال من سورية ومحمود الصلح مدير عام المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة.. وغيرهم.
يشار الى ان الملتقى عرف احتفالا بهيجا خلد الذكرى الاربعون لتأسيس مركز البحوث للتنمية الدولية المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا حيث تم استعراض بالمناسبة مختلف المنجزات والمساعي المقدمة في مخلف الابعاد والمناحي الموضوعاتية.

محمد التفرواتي، كاتب مغربي

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*