هل بدأت العواصف المائية في الهبوب على مصر؟

فائق فهيم
الاقتصادية 8 مايو 2010

(الجزء الأول)
ارتباط مصر بالنيل أمر عضوي، واستقرار مصر كدولة اعتمد دائما على استقرار وتدفق مياهها عبر نهر النيل الساحر، الذي يعني بالنسبة لمصر كل شيء، ولا ننسى هنا مقولة هيرودوت: لولا النيل لأصبحت مصر صحراء جرداء لا حياة فيها ولا ماء. وأكسبها الرحالة كنجليك Kinglake رومانسية بالغة عندما قال ”من يشرب من ماء النيل مرة لا بد أن يعود مرات ومرات”.
ولكن يبدو أن كل هذا الاسترخاء والاستمتاع بالنهر الخالد والموجة التي تطارد الموجة لتعانقها قد اقترب من نهايته، وأن الفصل المقبل في مسلسل النيل يتسم بالجدية بل التوتر والقلق.
بدأت تصل لأسماع مصر دقات طبول غاضبة، طبول إفريقية تحمل التهديد وتعرب عن الغضب، وتزمجر لأن مصر كانت صاحبة نصيب الأسد من مياه النيل . وتجسد الغضب في اجتماعات في كينشاسا والإسكندرية، في المدينة الأولى وقفت ثماني دول هي إثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا ورواندا وبوروندي وإريتريا والكونغو ضد مصر والسودان، وفي المدينة الثانية نجح المصريون والسودانيون (دولتا المصب) في الحصول على ستة أشهر لالتقاط الأنفاس.
والمشكلة بإيجاز شديد هي شعور دول المنبع المذكورة بأن حصول مصر على 55.5 في المائة من مياه النيل والسودان على 15 في المائة بمقتضى اتفاقية 1959 بين البلدين فيه ظلم لدول المنبع. ولذلك تطالب بالتوقيع على اتفاقيات جديدة تعيد توزيع الحصص وتمنح دول المنبع الحق في إقامة مشاريع مائية تنموية على مياه النيل. وهذا يعني أن دول المنبع تريد أن تلغي تاريخا من الاتفاقيات التي تحكم التعامل مع مياه النيل وهي:
(1) بروتوكول روما الموقع في 15 أبريل عام 1891 بين كل من بريطانيا وإيطاليا التي كانت تحتل إريتريا في ذلك الوقت بشأن تحديد مناطق نفوذ الدولتين في شرق إفريقيا وتعهدت إيطاليا بعدم إنشاء أية مشاريع على نهر عطبرة (أحد روافد النيل) يمكن أن تؤثر في مياه النيل.
(2) اتفاقية أديس أبابا الموقعة في 15 مايو عام 1902 بين بريطانيا وإثيوبيا والتي تعهد فيها الملك منليك الثاني ملك إثيوبيا بعدم إقامة أو السماح بإقامة أي منشآت على النيل الأزرق (أهم روافد نهر النيل وأكثرها ثراء بالماء) أو بحيرة تانا منبع هذا النيل أو نهر سوباط من شأنها أن تعترض سريان مياه النيل إلا بموافقة الحكومة البريطانية والحكومة السودانية مقدما.
(3) اتفاقية لندن الموقعة في 13 ديسمبر عام 1906 بين كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وينص البند الرابع فيها على أن تعمل هذه الدول معا لتأمين دخول مياه النيل الأزرق وروافده إلى مصر.
(4) اتفاقية روما وهي عبارة عن مجموعة خطابات متبادلة بين بريطانيا وإيطاليا عام 1925 تعترف فيها إيطاليا بالحقوق المالية المكتسبة لمصر والسودان في مياه النيل الأزرق والأبيض وروافدهما، وتتعهد بعدم إجراء أي إشغالات عليهما من شأنها أن تنقص كمية المياه المتجهة نحو النيل الرئيس.
(5) اتفاقية عام 1929 وهي عبارة عن خطابين متبادلين بين رئيس الوزراء المصري محمد محمود والمندوب السامي البريطاني لويد مرفق بهما تقرير لجنة المياه الذي سبق إعداده عام 1925، وقد وقعت بريطانيا نيابة عن كل من السودان وأوغندا وتنجانيقا (تنزانيا حاليا)، وكانت كلها مستعمرات بريطانية وأهم ما فيها:
أ – ألا تقوم أعمال ري أو توليد قوى على النيل وفروعه أو البحيرات التي ينبع منها سواء في السودان أو في البلاد الواقعة تحت الإدارة البريطانية من شأنها إنقاص مقدار المياه التي تصل إلى مصر أو تعديل تاريخ وصوله أو تخفيض منسوبه على أي وجه يلحق ضررا بمصالح مصر.
ب – تنص الاتفاقية صراحة على حق مصر الطبيعي والتاريخي في مياه النيل.
(6) اتفاقية لندن الموقعة في 23 نوفمبر عام 1934 بين كل من بريطانيا نيابة عن تنجانيقا (تنزانيا حاليا) وبلجيكا نيابة عن رواندا وبوروندي وتتعلق باستخدام كلتا الدولتين لنهر كاجيرا.
(7) اتفاقية عام 1953 بين مصر وبريطانيا نيابة عن أوغندا بخصوص خزان أوين عند مخرج بحيرة فيكتوريا وهي خطابات متبادلة أهم ما فيها:
أ – الإشارة في الاتفاقيات المتبادلة إلى اتفاقية 1929.
ب – تعهد بريطانيا بألا يؤدي الخزان إلى إنقاص حصة مصر.
(8) اتفاقية 1959 بين مصر والسودان في القاهرة في نوفمبر سنة 1959 وقد وقعها عن السودان طلعت فريد ومقبول الأمين وعن مصر زكريا محيي الدين وجاءت لتكمل اتفاقية 1929 ومن بنودها:
أ – احتفاظ مصر بحقها المكتسب من مياه النيل وقدره 48 مليار متر مكعب سنويا .
ب – موافقة البلدين على إنشاء مصر السد العالي.
جـ – موافقة الدولتين على إنشاء مصر خزان الروصيرص على النيل الأزرق.
د – توزيع المياه الخاصة بالفائدة المائية للسد العالي، حيث تحصل مصر على 7.5 مليار والسودان على 14.5 مليار ليصل إجمالي نصيب مصر 55.5 مليار والسودان 18.5 مليار مكعب.
(9) اتفاقية 1991 بين مصر وأوغندا، حيث أعربت أوغندا عن احترامها لاتفاقية 1953 وضمنيا باتفاقية 1929. كما نصت على مناقشة السياسة التنظيمية المائية لبحيرة فيكتوريا.
(10) إطار التعاون بين الرئيس مبارك ورئيس الوزراء الإثيوبي ملس زيناوي والذي حدد عدة أمور منها احترام القوانين الدولية والتشاور المستمر بين الدولتين وضرورة الحفاظ على مياه النيل وحمايتها وعدم قيام أي دولة بعمل أي نشاط يتعلق بمياه النيل يتسبب في ضرر للدولة الأخرى.
بعد هذا السرد للاتفاقيات التي تؤمن حقوق مصر تطالب دول المنبع بإعادة النظر وتتذرع بأن كل ذلك تم في عهد الاحتلال، وتتغاضى هذه الدول جميعا عن الدور المصري المحوري في تحريرها في مطلع الستينيات ونهاية الخمسينيات عندما كانت القاهرة المقر الدائم لزعماء حركات التحرير.
ويثور الحديث عن دخول عناصر أجنبية أمريكية وإسرائيلية، ولكن ذلك أمر في حاجة إلى الأدلة، حيث رفضت دول المنبع منح مصر مياه إلى إسرائيل وقالوا ”إن النهر الإفريقي لن يروي دولا آسيوية أو غير إفريقية”. ولكن القلاقل بدأت. ومن العجيب أنني لاحظت أن مصر ألغت عشرات البرامج والمواجهات باللغات الإفريقية في الوقت الذي تحتاج فيه إلى مخاطبة الشعوب الإفريقية وإقناعها بروح المسالمة والود والمصلحة المتبادلة والمشتركة.

(الجزء الثاني)
استعرضت في المقال السابق الاتفاقيات الملزمة التي تحدد حقوق مصر والسودان، ولكن دول المنبع مدفوعة بأجندات أجنبية تتحدث عن تغير الظروف وما يستتبعه من تحلل من الالتزامات وانتهاك للاتفاقيات. وهي قاعدة برزت في الآونة الأخيرة كوسيلة للتنصل من الارتباطات التاريخية. وبذلك تنتهك أشهر قاعدة قانونية وهي ”المتعاقد عبد تعاقده”.
وتقول دول المنبع إن الظروف التي أوجدت الاتفاقيات تغيرت وإن سكانها في ازدياد والاحتياجات التنموية مطردة مما يضطرها للتحلل من اتفاقاتها.
ونسيت هذه الدول أن بريطانيا التي تحكمت في معظم الاتفاقيات أعلنت في وثائق متعددة الأسباب التي دفعتها لزيادة حصة مصر وعلى رأسها:
– إن مصر تقع في العروض الصحراوية الجافة في الشمال، بينما معظم دول المنبع تتمتع بمعدلات أمطار أكبر.
– إن سكان مصر أكبر من كل الدول المذكورة باستثناء أكثرها ثراء بالماء وهي إثيوبيا.
– إن دول المنبع لها منافذ مائية وأنهار وبحيرات إلى جانب الأمطار.
برغم كل ذلك يقول لنا التاريخ إن نقص المياه المتدفقة إلى مصر كان يعني دائما شيئا واحدا وهو المجاعة التي وقعت مرات عدة في مصر في قرون سابقة، وهو ما لم يحدث لأي من دول المنبع قط.
والحقيقة أن الموقف القانوني لدول المنبع في غاية الضعف، وما يطالبون به يدخل في دائرة المشاغبة وإثارة المشكلات، لأن التغيير يجب أن ينصب على ظروف وُجدت أثناء إبرام المعاهدة وأن يكون تغييرا جوهريا، أما التذرع بتغير الأوضاع فهو مبرر ضعيف، ولو أُخذ به لألغيت كافة المعاهدات. وقد أكدت محكمة العدل الدولية عدم جواز التحلل الانفرادي أو الانسحاب أو إنهاء الالتزام التعاهدي تأسيسا على قاعدة التغير في الظروف في حكم قضائي صدر سنة 1973.
وهناك مبدأ الاستعمال البريء للنهر الدولي الذي يدعم موقف مصر والسودان، حيث لا يمكن للدول في أعالي النهر أن تقوم بأعمال أو مشاريع من شأنها الإضرار بالمصالح الطبيعية والمكتسبة لمصر والسودان في مياه النيل. وهذا يعني ألا تنفرد دولة من دول النهر – أو مجموعة من الدول – باستغلال أو القيام بأنشطة هندسية أو غيرها من شأنها الإضرار بباقي دول المجرى أو تؤدي إلى تغيير مجرى النهر أو تحويله أو تعطيل الملاحة فيه. وهذا يُعتبر التزاما بتطبيق مبدأ الانتفاع المنصف، ولذلك نص القانون على:
– التزام الدولة التي تريد إقامة أية أعمال من شأنها التأثير في الحقوق المقررة للدول الأخرى بالتشاور معها مسبقا.
– لا يجوز لأي دولة القيام بأعمال تتسبب في حدوث فيضان أو نقصان في الماء لأي دولة من دول المجرى المائي.
وقد سبقت تلك الغارة الإفريقية الجنوبية حملة إعلامية دعائية ضد مصر بأنها تسرف في استخدام الماء وتحرم دول المنبع من كميات هائلة، علما بأن ما يضيع في البحر الأبيض من مياه النيل لا يساوي ربع أو خمس ما يهدره نهر الكونغو ونهر النيجر اللذان لديهما كميات مياه أكبر من النيل، ولكن أحدا لم يوجه حملات إليهما مع مشاركة بعض دول منابع النيل في حوض هذين النهرين.
ويضيف إلى معاناة مصر الزيادة السكانية الكبيرة وندرة مصادر المياه البديلة (الأمطار – الآبار) أو الاحتياجات الاقتصادية والتنموية المتزايدة، ويكفي أن نذكر أن الهيئة الدولية التي شكلتها بريطانيا والولايات المتحدة والهند من أجل تحديد احتياجات مصر سنة 1920 من مياه النيل، قدرت هذه الاحتياجات بـ 58 مليار متر مكعب سنويا.
نعود إلى نظرة القانون الدولي للاستعمال البريء فنذكر أن:
– جميع الدول يجب أن تعمل من أجل عدم تلويث النهر كما فعلت رواندا وبوروندي إبان المذابح بين الهوتو والتوتسي وامتلاء المجرى بالجثث.
– التعسف في استخدام الحق المكفول لدول النهر يُعد استعمالا غير بريء.
– تتحمل الدولة التي لم تستخدم الجزء المار من النهر الدولي في إقليمها تبعات المسؤولية الدولية بموجب قواعد المسؤولية الدولية المقررة.
وأخشى ما يخشاه المصريون والسودانيون هو تحول أزمة المياه إلى قضية نزاع وصراع قابلة للتصعيد، ومع ضغط الحاجة يزداد التوتر، وهنا يمكن القول إن المياه قد أصبحت سلاحا سياسيا يُستخدم للضغط من قبل قوى أخرى في المنطقة لتحقيق مآرب أمنية وأهداف استراتيجية. ويتردد أن إسرائيل تضغط بكل رصيدها من النفوذ على بعض الدول الإفريقية لمضايقة مصر، وهنا تجني إسرائيل فوائد كثيرة تبرر وتفسر ما يُقال عن تورط إسرائيل. أول هذه الفوائد انكفاء مصر تماما في مشكلات إفريقية ومائية، وبذلك لا يمكن أن تبزغ أية بوادر لمضايقات محتملة في المستقبل مع إسرائيل، إلى جانب محاولة شراء بعض المياه التي رفضت الدول الإفريقية إعطاءها لإسرائيل كهدية مصرية أو كسلعة قابلة للبيع.
والمتوقع أن تتفاقم المشكلة مع وجود من ينفخ في النار ولن يكون القانون الدولي الذي تستند مصر إليه العامل الحاسم في إنهاء هذه الخلافات، لتعدد الخصوم، فضلا عن ترك مصر الساحة الإفريقية إما طائعة مختارة أو مضطرة مرغمة بما أضعف هيبتها ورصيدها بشدة في جنوب القارة.
والمطلوب اتفاقيات متعددة الأطراف لكامل دول حوض النيل لتوزيع المياه السطحية والجوفية لأن مشكلة المياه تفجر مشكلات أخرى مثل البيئة والسكان والمصادر البديلة وطرق استخدام المياه ويجب أن تضع هذه الاتفاقيات في حساباتها مصالح الجميع، حيث يجري التصرف في المياه بصورة متوازنة ليتم استغلالها استغلالا مشتركا في إطار من التعاون لمصلحة جميع الأطراف تفاديا لأي أزمات مستقبلية.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*