أهمّ مكانٍ في السعودية

نجيب الزامل
«وجعلنا من الماءِ كلّ شيءٍ حي».
.. لما كنت في طريقي مُلـَبـِّياً دعوة لكلمةٍ في جمعيةٍ تطوعيةٍ سَنِيةٍ أسسها منتسبو تحلية مياه الخبر، هاتفني صديقٌ وقال: «أين أنتَ متجهٌ؟» قلتُ: « إلى أهم الأماكن في البلاد بعد الموقعَيْن المقدَّسيْن». نعم، معملُ تحلية المياه المالحة أهم مكان في المنطقة، إنه المكانُ الذي يُغسَل فيه الملح عن ماء البحر ليعود سائغاً للشاربين.. نعمةٌ من أكبر النِعَم، مشروعٌ يتعدى كونه مشروعاً استراتيجياً لبلدٍ مثل بلدنا .. إنه مشروعُ حياة!
مجلتي المفضلةُ على الإطلاق، التي أشارك في فعالياتها، وأنضم لجمعياتها، وأترحل في بعض مناطق العالم التي ترتّبها، المجلة الأولى على الأرض بالنسبة لي، هي تلك المجلة الشهرية ذات الإطار الأصفر الدائم: «الناشيونال جيوغرافِك».. وهي، فوق أنها تكتشف، وتدرس، وتشرح كل ظواهر هذا الكوكب والكون إحيائياً وجماداً ومناخاً وتضاريس، إلا أنها، عدةُ مرّاتٍ، كانت بمثابة صافرةِ الإنذار، نفير التحذير، رافعة راية الخطر قبل الوقع في الأخطار. وإني أَعجَبُ لمَ لمْ تُتـَرجم هذه المجلة إلى العربية، ستبقى معلوماتُ أي قارئ ناقصة دوما بأهم خصوصياتِ كوكبه الذي يعيش عليه إن لم يقرأ هذه المجلة. أما عددُها الأخير، عددُ شهر نيسان (أبريل)، فكان خاصّاً، وثميناً، لأنه يتعلق بأكثر مادةٍ خصوصيةً وثمناً في هذا الكوكب؛ الماء!
والغلافُ عبقريُ التصميم: أثمنُ قطرات من البدء إلى الأبد، قطراتُ الماء ترصّع الغلافَ، ثم العنوان باللون الأزرق: «الماء». أما العنوان الفرعي فهو: عالمُنا الظمآن!
إني أدعو كل من يعرف في اللغة الإنجليزية، أن يقرأ هذه المجلة ويحتفظ بها، ولو تُرجِمَ هذا العددُ إلى العربية لكان كافياً ليكون ذخراً معرفياً وتحذيرياً لنا كلنا لِما نتصور أنه أسهل الأشياء، بينما هو الأصعبُ والأثمن.. ويزداد ندرةً كل يوم. وعليك أن تعرف أن كمية الماء العذب والمالح على الأرض لم تنقص ولا قطرة من الخلق، إنها تعود إلى الأرض دائما بشكل أو بآخر، ولكن الكمية المتاحة في الأماكن المتاحة هي التي تندر، وكمياتُ الماءِ العذبِ القابلة للاستهلاك البشري هي التي تندر، وأعداد البشر المتكاثرة هي التي تسبب النقص بنسبة التزايد لا بنسبة النضوب.
وبالأخص هي دعوةٌ لمهندسي علوم الماء بأنواعه لقراءة هذا العددِ بالذات، ولو كنتُ المسؤول الأول للمياه في البلاد لوزعتُ عدد نيسان (أبريل) الخاص لِـ «الناشيونال جيوغرافِك» على كل من له علاقة مباشرة وغير مباشرة بالتعامل مع الماء في القطاع، ثم طلبتُ تقاريرَ مختصرة عن موادها، وعما يقترحونه من تطبيقاتٍ لإسعافِ حالتنا المائية. إن متابعة هذه التطورات، والتغطيات من مجلةٍ علميةٍ رصينةٍ تأتي بمعلوماتٍ في غاية الفائدة، لا تأتي بها المؤتمراتُ والندواتُ وآخر مراجع البحث الأكاديمية.. مجلةٌ تخصّصها: الاعتناء بواقع الحياة.. أليس هذا هو الهمُّ البشريُ الأول؟!
لا تعلمك المراجعُ أن في الهند قرية بصحراء منطقة «كوجارات» يتزاحم الناسُ رجالاً ونساء حول فوهة بئر واسعة وعميقة جدا يدلون فيها الدلاء، ولا يعلمون إن كانوا سيخرجون قطرة ماء. هذه البئر كل مصدرهم للماء. تصور لو كنا اقتصاداً فقيرا بهذه البلاد الصحراوية لا نستطيع أن نحلـّي ماءَ البحر، فكيف سيكون حالـُنا؟ وفي أستراليا في السهول الطينية لمنطقة «كيمبيري» نهرٌ متلوٍّ يجفّ في فترة الجفاف المتصاعدةِ هناك، فيصبح شريطاً وحليا متعرجا، ثم يتفطر سطحُه من اليباس.
كنا، في الخليج، أولى مناطق الدنيا التي استخدمتْ تحلية المياه صناعيا ـ وبتكاليف باهظة، وبتقنية لم تتطور بشكل كبير من أول القرن الـ 20، والآن هناك عدة دول صارت تستخدم هذه الصناعة مضطرة بعد أن جفتْ أنهارُها، وغارت ينابيعُها، وتلوثت كوامنُ مياهها الحفرية، ثم نبعتْ وبسرعةٍ نسبيةٍ تقنياتٌ جديدةٌ وبتكلفة أقل، لأنهم هم احتاجوها الآن! «برشلونة» الإسبانية ستصبح كالرياض تعيش على تحلية المياه، بل ربما المنطقة الكاتالونية بأسرِها، وفي أستراليا، وفي أنحاء الصحاري، والولايات شبه الجافة في الولايات المتحدة.. وحان لنا الآن أن نعمل بجد حيويِّ وحياتي من أجل التنسيق مع تلك الدول وإنشاء رابطة فاعلة بين الدول التي ستعيش على البحار، فلن يكون ممكنا الاستمرار في تحلية المياه بهذه التكلفة الباهظة، وكشفتْ المجلة أن مصانعَ التحلية نفسها تلوثُ مصادرَها وبيئتها أيضا، دائرة حلزونية من الخطر للخطر. على أنّ، ولا أدري إن كان هذا وُضِع في الحسبان عند مخططي المياه عندنا، مياه الخليج العربي تتزايدُ تكلفتُها كل يوم، لماذا؟ لأنه بحرٌ صغيرٌ، ضحلٌ، وشبه مغلق، كلما غرفنا منه اشتدت ملوحته، وكلما زادت الملوحةُ زادتْ تكلفةُ فصل الملح عن المياه.. الدائرةُ مرّة أخرى.
إن بلادَنا يجب، وسبق أن دعونا إلى ذلك وسنبقى نعيد التكرار، أن تضع خطة منفصلة ومستقلة وديناميكية، وفي منتهى العناية والعلمية والعملية والانضباط، للمياه. ويجب أن تكون لدينا جامعة كبرى، لا كلية ولا معاهد بحوث، بل جامعة متطورة تضم الكليات المتخصصة ومعاهد البحوث لتطوير تقنية المياه، والبحث عن مكامنها، وتطوير تخفيض استهلاك المياه.. فنحن مهدّدون ليس غدا، ولا بعده..
بل في هذه اللحظةِ وأنت تقرأ هذا المقال!

الاقتصادية 27 مارس 2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*