حـرب الميـاه

الجفاف والتلوث وسوء الإدارة والسياسة جعلت المياه سلعة ثمينة في معظم أنحاء العالم
كتب: ماري كارمايكل

لقد اعتمدت الحياة اليومية في البلدان المتقدمة إلى حد كبير، ولوقت طويل، على المياه النظيفة لدرجة أنه يسهل أحيانا نسيان كم هي المياه ثمينة. فمعظم سكان البلدان المتقدمة ليسوا بحاجة إلى العمل للحصول على الماء، فما عليهم إلا أن يفتحوا الصنبور. لكن في أنحاء كثيرة من بقية العالم، الأمر ليس بهذه السهولة. فأكثر من بليون شخص في العالم يفتقرون إلى المياه النظيفة، ومعظم هؤلاء يعيشون في بلدان نامية. والأقل منهم حظا قد يمضون أياما بأكملها في البحث عن قليل من الماء.
وعندما يفشلون في ذلك ــ وهم يفشلون أكثر الآن لأن مياه الأنهار في أفريقيا وآسيا تنضب شيئا فشيئا بعد عقود من سوء الإدارة والتغييرات المناخية ــ قد يلجأون
إلى العنف، ويتقاتلون للحصول على الكميات القليلة المتبقية منها. وكثيرا ما عرفت المياه بأنها المورد الأكثر تجددا. لكن، كما كتب فريد بيرس في كتابه When the Rivers Run Dry (عندما تجف الأنهار)، إن لم يتغير العالم، فإن هذه المقولة لن تنطبق بعد الآن.
على غرار المجاعات في ثمانينات القرن الماضي، فإن أزمة المياه العالمية لا تقتصر على ندرتها. فالأقدار الجغرافية والقوى الصناعية والمناورات السياسية قد تلعب كلها دورا في تحديد من يحصل على الماء» مثلما كان أمراء الحرب والجفاف مسؤولين عن المجاعة في إثيوبيا. ومن نواح عدة، ساهمت المجاعات في الجفاف الذي يتسبب به الإنسان اليوم: المحاصيل التي زرعت خلال “الثورة الخضراء” التي شهدها العالم في العقود الثلاثة الماضية سدت الجوع لكنها استنزفت المياه لتحقيق ذلك. تقول سوزان كازينز، أستاذة العلوم السياسية في معهد جورجيا للتكنولوجيا التي تدرس حاليا مشاكل المياه: “فيما يصبح الكوكب أكثر اكتظاظا، لم تعد التدابير القديمة تجدي نفعا”.
مازال الوقت متاحا أمام المنظمات غير الربحية والحكومات لإصلاح الأمور. يقول جون كيزر من واتر فور بيبول، وهي منظمة غير ربحية تعمل في العالم النامي: “استعمال الكلور، وأنظمة التوزيع التي تعتمد على الجاذبية، ووجود حنفيات في كل منزل، كل ذلك يمكن أن يحدث فرقا”. وتقدم الشركات الناشئة المراعية للبيئة في الولايات المتحدة وأوروبا بشكل متزايد طرقا جديدة لتعقيم المياه، بواسطة تقنيات تتراوح بين المصافي المتطورة (لكن الرخيصة) بالأشعة فوق البنفسجية والطرق البسيطة مثل وضع الماء في زجاجات شفافة وترك الشمس تقتل البكتيريا بداخلها.
لكن حتى الآن، لم تحدث “ثورة زرقاء” على نطاق عالمي. يقول بيرس إننا على الأرجح “لن نبدأ بالقلق بشأن الماء إلا عندما يصبح غير موجود”. وفيما يلي بعض المناطق التي ستعاني اضطرابات، وحيث سيكون مستقبل المياه موضع قلق.
مياه الصين السامة. بالنظر إلى نهر يانغتسي الهائل، قد يظن المرء أنه لا يمكن للصين أن تمر بأزمة مياه. فهو ثالث أطول نهر في العالم، ويصب في بحر الصين الشرقي بمعدل ثمانية ملايين غالون في الثانية. ويشغّل النهر سد الأجوان الثلاثة لتوليد الكهرباء بواسطة المياه. وهذا السد هو الأكبر في العالم وأحد دعائم الاقتصاد في الصين.
لكن عند التعمق في مخزون المياه الصيني، نجد أسبابا كثيرة تدعو للقلق. لطالما عرفت الحكومة أن نهر يانغتسي ملوث. وفي عام 2002، أعلنت بكين عن إطلاق جهود لتنظيف النهر بكلفة خمسة بلايين دولار، لكنها أقرت السنة الماضية بأن النهر لا يزال يعاني بسبب النفايات الزراعية والصناعية لدرجة أنه بحلول عام 2011، قد لا يصبح قادرا على توفير مستلزمات الحياة للكائنات المائية، فضلا عن البشر. وقد أظهر تقرير أصدره الصندوق العالمي للطبيعة ووكالتان صينيتان في أبريل الماضي أن الضرر الذي لحق بالنظام البيئي للنهر لا يمكن إصلاحه.
وإن توجهنا شمالا، لاسيما إلى النظام المائي الكبير الآخر في البلد، وهو النهر الأصفر، نجد أن حاله أسوأ. فمنذ ثمانينات القرن الماضي، أدى الجفاف وفرط الاستعمال إلى استنزاف مياه النهر ليصبح شحيحا. وفي معظم أيام السنة، لا تكاد مياهه تصل إلى البحر، كما يقول بيرس. والمياه التي لا تزال تجري في النهر غالبا ما تكون غير صالحة للشرب أو لاصطياد الأسماك أو السباحة أو أي نوع من الاستعمالات البشرية. وكل يوم، يمتص النهر مليون طن من مياه المجاري غير المعالجة من مدينة جيان وحدها.
مشكلة التلوث في الصين ظاهرة جدا في “قرى السرطان” الصغيرة المنتشرة في داخل البلاد. شانغبا، وهي بلدة تضم 3000 نسمة، استقطبت الانتباه قبل بضع سنوات بعدما أظهرت الفحوص أن معدلات المعادن الثقيلة في نهرها تتعدى إلى حد كبير المعدلات المسموح بها، مما دفع المسؤولين عن منجم مجاور تملكه الدولة ــ يشتبه بأنه يتخلص من تلك المواد الكيميائية في المياه ــ إلى إقناع الحكومة بالدفع لقاء بناء خزان ونظام مائي جديدين أنشأهما السكان المحليون. لكن قرى سرطانية أصغر أخرى لا تزال تعاني هذه المشكلة. ففي قرية ليانغكياو الجنوبية، أصبح لون الأرز الذي يزرعه القرويون ويروونه من مياه نهر محلي يميل إلى الأحمر بسبب الملوثات نفسها المتسربة من منجم الحديد نفسه الذي أضر بشانغبا. ومنذ أواخر تسعينات القرن الماضي، تسبب مرض السرطان بنحو ثلثي الوفيات الـ26 في القرية. يقول هي شونجيانغ المقيم في ليانغكياو: “علينا أن نستعمل المياه الملوثة لري الحقول، لأنه لا خيارات أخرى لدينا. لا نملك المال لإنشاء مشروع مائي. نحن نعرف تماما أننا نتعرض للتسمم عندما نأكل الحبوب. ماذا يمكننا أن نفعل أكثر من ذلك؟ لا يمكننا أن ندع أنفسنا نموت من الجوع”.
لكن لم يفت الأوان بالنسبة إلى ليانغكياو. فالمحامية المختصة بالشؤون البيئية جانغ جينجينغ رفعت دعوى قضائية ضد المنجم باسم القرويين، ولديها استراتيجية تركز على خسارة المحاصيل بدلا من فقدان الحياة. (غالبا ما تتردد المحاكم الصينية في الربط بين السرطان والتلوث). لكن سواء ربحت أو خسرت، فإن ليانغكياو ليست سوى جزء صغير من المشكلة. إنها لا تضم سوى 320 نسمة، في حين أن نحو 400 مليون صيني، أي ثلث سكان البلاد، مازالوا لا يحظون بمياه نظيفة بما يكفي للاستعمال اليومي.
انتحار الهند “الهيدرولوجي”. في هذا البلد الذي يضم 1.1 بليون نسمة، يفتقر ثلثا السكان إلى المياه النظيفة. تقول سوزان إيغن كين من مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية: “إن المحافظة على نظافة مياه الشرب لا تحظى بأولوية سياسية هناك”. الأولوية للزراعة. في سبعينات ومطلع ثمانينات القرن الماضي، أوضحت الحكومة الهندية ذلك من خلال استثمار الأموال في سدود ضخمة تهدف إلى تجميع المياه للاستعمال الزراعي. تقول إيغن كين: “في الكثير من تلك البلدان النامية، معظم المياه العذبة مخصصة لري المحاصيل. صحيح أن الزراعة لا تشكل سوى 25 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي، غير أنها تستحوذ على نحو 90 بالمائة من المياه”.
لكن هذا لا يعني أن مزارعي الهند يحظون بما يكفي من المياه. فالمزارع تفتقر في الحقيقة إلى المياه. لقد بنت الحكومة السدود لكنها لم تنشئ البنى التحتية الإضافية اللازمة لجر المياه في أنحاء الأرياف. وفي الوقت نفسه، تستعمل المصانع مياه الأنهار والمياه الجوفية بشكل مكثف. في كيرلا، اضطر مصنع كوكا كولا إلى التوقف عن العمل عام 2004، لأنه استهلك الكثير من المياه الجوفية، لدرجة أنه لم يتبق إلا القليل من المياه لسكان القرى المجاورة.
بعض المزارعين واجهوا تضاؤل مستويات المياه بحكمة وانتقلوا لزراعة محاصيل لا تتطلب الكثير من المياه. يقول كانتيباي باتيل إنه توقف عن زراعة القمح في مزرعته في غوجارات، التي تقع في وسط المنطقة التي تعاني نقصا في المياه، بعدما شهد تضاؤل محاصيله ودخله على مدى ثماني سنوات. الآن يزرع الرمان الذي يتطلب كميات أقل بكثير من المياه. ويأمل الخبراء أن يحذو المزيد من المزارعين حذو باتيل. وحتى الآن، لا تزال معظم المزارع تركز على المحاصيل التي تستهلك الكثير من المياه مثل القمح والقطن وقصب السكر. ويزرع أصحاب مزارع تربية البقر الهنود أيضا البرسيم، وهي نبتة شديدة الظمأ، لإطعام أبقارهم، وهذه عملية يسميها بيرس بـ”الانتحار الهيدرولوجي”. فمقابل كل لتر من الحليب الذي ينتجه المزارعون في الصحراء، يستهلكون 300 لتر من المياه، كما يقول سانيف بانسالكار، وهو عالم في معهد إدارة المياه الدولي. “لكن من سيطلب منهم أن يكفوا عن ذلك”، إن كان ذلك يؤمن قوتهم؟
ولتغذية نباتاتهم وأبقارهم، لجأ معظم المزارعين الهنود إلى استخراج المياه الجوفية من أراضيهم بواسطة مضخات رخيصة الثمن. عندما لاتستخرج المضخات كمية كافية من المياه، يأتي المزارعون باختصاصيين يحفرون لمسافة أعمق في الأرض. فالمنافسة بين المزارعين دائمة. يقول كوبانان بالانيسامي، الذي يدرس هذه المشكلة في جامعة تاميل نادو الزراعية: “إن حفر أحد المزارعين حتى عمق 400 قدم في الأرض، فسيحفر جاره المزارع حتى عمق 600 قدم على الأقل”، مضيفا أن مستوى المياه الجوفية ينخفض بين 6 و10 أقدام كل سنة.
حروب المياه في الضفة الغربية. على غرار الصينيين، فإن سكان الضفة الغربية ما كانوا سيعانون مشكلة نقص كبير في المياه لو كانت الطبيعة العامل المؤثر الوحيد. فالأمطار تتساقط بشكل منتظم على تلالهم وتتسرب إلى الصخور، مشكلة خزانات جوفية. لكن لسوء حظ سكان الضفة الغربية، فإن تلك المياه تجري بعد ذلك غربا نحو إسرائيل. ويحظر على الفلسطينيين بشكل عام حفر آبار جديدة لجمع المياه، ويدفعون أسعارا يعتبرونها باهظة لشرائها. في غضون ذلك، ينخفض مستوى المياه الجوفية، والفلسطينيون يتهمون الإسرائيليين بأنهم يفرطون في استعمالها. يقول بيرس: “يجلس [الفلسطينيون] في قراهم وهم يعانون نقص المياه، وينظرون إلى جيرانهم ويشاهدونهم يروون حدائق منازلهم بالمياه”.
غير أن حروب المياه ليست بالأمر الجديد في هذه المنطقة، حرب الأيام الستة [في يونيو عام 1967] بدأت بسبب خلاف على مياه نهر الأردن. وفي الآونة الأخيرة، ينخفض معدل المياه الجوفية ويشتد التوتر في الضفة الغربية. وقد تم اتهام الجنود الإسرائيليين بأنهم يطلقون النار على خزانات المياه في الضفة الغربية انتقاما للأعمال الإرهابية، في حين قُبض على فلسطينيين يسرقون المياه من آبار إسرائيلية.
من المستحيل فصل مشكلة المياه عن العداوة القائمة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية عموما. ومن ناحية أخرى، “لا يمكن حل المشكلة الكبرى بين الفلسطينيين والإسرائيليين قبل حل مشكلة المياه”، كما يقول بيرس. في الضفة الغربية، يدورون في حلقة مفرغة، والمياه والأرواح على المحك.

بمشاركة سارة شيفر في بكين
وسوديب مازومدار في نيودلهي
المصدر: النيوزويك 2007

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*