الفقر المائي العربي والحاجة إلى المزيد من المياه

بقلم : أ.د نادر نور الدين محمد
مجلة المياه 2008

يقع العالم العربي في منطقة من أشد مناطق العالم قحطا وجفافا وندرة مائية حيث يتراوح مناخه ما بين الشديد الجفاف Hyper Arid والجاف Arid والقليل جدا يقع في المنطقة شبه الرطبة، ولا تمثل موارده المائية أكثر من 1% من الموارد المائية العالمية لعدد سكان يقدر بثلاثمائة مليون نسمة يمثل نسبة 5% من عدد سكان العالم، في حين تمتلك دولة واحدة مثل كندا 20 % من الموارد المائية العالمية. وتتميز المنطقة العربية بتسجيلها أعلى نسبة تزايد سكاني في العالم بمتوسط 2.3% بما يمثل ضعف متوسط نسبة الزيادة السكانية العالمية ، بل أنها تتجاوز في بعض دولها نسبة 3.5%.
وتعتمد جميع البلدان العربية على توفير مياها الإقليمية من أحواض سطحية أو جوفية مشتركة بما لا يوفر لها الأمن المائي المستقر ويتطلب منها متابعة يقظة لكل ما يدور في هذه الأحواض المائية مثل أحواض نهر النيل والفرات ودجلة والعاصي والأردن واليرموك وتهامة وجوبا، وجميعها أحواض عابرة للحدود وتأتي دائما من دولا خارجية وغالبا غير عربية. وبالمثل أيضا أحواض المياه الجوفية المشتركة مثل الحوض الرملي النوبي لمصر وليبيا والسودان وتشاد، وحوض شمال الصحراء لدول الجزائر وتونس وليبيا، والخزانات الجوفية لشبه الجزيرة العربية لدول السعودية والأردن والإمارات والبحرين والكويت وقطر واليمن والعراق ثم أخيرا الأحواض الجوفية الكلسية التي تمتد عبر لبنان وسوريا والأردن.
وتقع أغلب الدول العربية تحت خط الفقر المائي Water scarcity بمعدل أقل من 1000 متر مكعب للفرد سنويا ومن المتوقع خلال العقدين القادمين أن تكون جميع الدول العربي تحت خط الفقر المائي والبعض الآخر تحت خط الفقر المدقع Acute water scarcity بحصة أقل من 500 متر مكعب للفرد سنويا. وعلى الرغم من أن القطاع الزراعي يعد المستهلك الأعظم للمياه في الدول العربية حيث يستحوذ وحدة على 80% من إجمالي الموارد المائية المتاحة، ومع زيادة طلب قطاعي الاستخدام الصناعي والمحليات (منزلي ومدارس وجامعات ومستشفيات ودواوين حكومية وحدائق عامة) على المياه العذبة نتيجة للتقدم الحضري والحضاري المستمر، إلا أن الدلائل المستقبلية تشير إلى حاجة الدول العربية إلى المزيد من المياه في القطاع الزراعي لمواجهة الأخطار المستقبلية الناجمة عن إنتاج الوقود الحيوي من الحاصلات الزراعية الغذائية والتي تسببت في ارتفاع كبير في أسعار السلع الغذائية في البورصات العالمية بما سيؤدي إلى اتساع الفجوة الغذائية في العالم العربي والذي يستورد أكثر من 50% من غذائه من الخارج.
ويمكن بنظرة فاحصة على أهم السلع الغذائية التي تستوردها الدول العربية من خارج أراضيها يمكن تبين الخطر الداهم الذي ينتظرنا نتيجة لمنافسه الوقود الحيوي لنا في استخدام هذه السلع لرغبة الدول الغربية في التحرر من عبودية الذهب الأسود (النفط) والذي تسيطر دول الشرق الأوسط على 75% من إنتاجه العالمي وتسيطر جهة واحدة على تحديد أسعاره وهي منظمة الدول المنتجة للنفط OPEC بما يجعل أسعاره غير تنافسيه وأقرب إلى أسعار الإذعان. تبلغ متوسط نسبة الاكتفاء الذاتي في الدول العربية من الدقيق والقمح 51%، والشعير 33.1%، والحبوب والذرة 51%، والزيوت النباتية والشحوم 28%، والسكر 35%، البقوليات 64%، والألبان ومنتجاتها 70%.
فإذا علمنا أن البرازيل والهند ودول الاتحاد الأوروبي تنتج حاليا الإيثانول الحيوي من حاصلات قصب وبنجر السكر والبطاطس، وتنتجه الولايات المتحدة الأمريكية والصين من الذرة، وافتتحت كل من إنجلترا والسويد وعددا من دول الاتحاد الأوروبي لعدد من المصانع لإنتاج الإيثانول من القمح. ومن جهة أخرى تنتج إندونيسيا حاليا الديزل الحيوي من زيت النخيل وتنتجه الولايات المتحدة والبرازيل من عباد الشمس وفول الصويا ودول الاتحاد الأوروبي من بذور اللفت (زيت الكانيولا)، وجميعها تمثل أهم السلع الغذائية التي تستوردها الدول العربية من خارج أراضيها وبعضها حيوي واستراتيجي مثل القمح والزيوت والشحوم والسكر، وبالتالي فإن حاجة الدول العربية أصبحت ماسة لإنتاج هذه السلع الاستراتيجية من أراضيها لتحقيق أقصى قدر من الاكتفاء الذاتي يقلل من اعتمادنا على الخارج في غذائنا. تحقيق هذا الأمر لن يكون بالسهولة بمكان لأنه سيتطلب توفير المزيد من الموارد المائية المتاحة في ظل ظروف الندرة والقحط المائي الذي تعيش فيه بلدان العالم العربي خاصة وأن بعض هذه الحاصلات الغذائية من الأنواع المستنزفة والشرهة للمياه مثل قصب وبنجر السكر، وكما سبق الإشارة إليه فإن غالبية مواردنا المائية في الدول العربية من النوع العابر للحدود والمعرض للصراعات والمنازعات المستقبلية بسبب التدخلات الخارجية والرغبة في تطويق بعض الدول العربية بالشكل الذي يمثل ضغوطا سياسية واستراتيجية مستقبلية على بعض القرارات والمواقف العربية. هذا الوضع الحرج لدول العالم العربي يتطلب وضع سياسات مائية جديدة تتناسب مع الرغبة في تحقيق أقصى قدر من الاكتفاء الذاتي من السلع الغذائية تتضمن:-
1. رفع كفاءة استخدام المياه في القطاع الزراعي والتي تتراوح حاليا بين 40 – 50% فقط والوصول بها إلى نسبة 60 – 70% بما يحقق وفرا مائيا يقدر بنحو 20 مليار متر مكعب سنويا تكفي لإنتاج 20 مليون طن من الحبوب والقمح.
2. تنمية الموارد المائية التقليدية والمستحدثة والتوسع في إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والصناعي والصحي المعالجة وغير المعالجة، والتوسع في إنشاء واستخدام مصايد مياه الأمطار ودراسة استخدام أنواع الهامشية ومياه البرك والآبار نصف المالحة في تنمية الحاصلات الغذائية المتحملة للأملاح.
3. حماية الموارد المائية من التدهور والتلوث.
4. تشجيع أبحاث تربية النبات لاستباط أصناف جديدة من الحاصلات الزراعية عالية الإنتاج ومتحملة للجفاف والعطش وزيادة نسبة الأملاح في التربة وماء الري والعمل على الحصول على أقصى محصول من أقل كمية مياه.
5. رفع إنتاجية الحاصلات الغذائية المهمة لتقارب متوسط الإنتاج العالمي فعلى سبيل المثال يقدر إنتاجية الهكتار في الحبوب في الترب العربية بحوالي 1.7 طن في حين يبلغ 5.6 طن للهكتار في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية.
6. عدم المبالغة في زراعة الحاصلات المستنزفة للمياه والاكتفاء بالحد المناسب منها والذي يحقق الاكتفاء الذاتي فقط دون فائض للتصدير خاصة زراعات الأرز والموز والعمل على التوسع في الزراعات عالية الكفاءة في استخدام المياه مثل القمح والقطن والبطاطس والطماطم والخضر والفاكهة للاكتفاء الذاتي والتصدير من أجل استيراد الحاصلات المستنزفة للمياه من بلاد الوفرة المائية والبلاد الغزيرة الأمطار.
7. إدخال التقنيات الحديثة في الزراعة والحصاد وميكنة العمليات الزراعية بما يزيد من متوسط إنتاجية وحدة المساحة من التربة والماء.
8. محاربة التفتيت الزراعي والاتجاه إلى زراعة المستوطنات الزراعية أي زراعة محصول واحد في مساحات كبيرة من الترب قد تصل إلى عشرة آلاف فدان للمحصول الواحد كما هو متبع في دول غرب أفريقيا والولايات المتحدة والدول الأوروبية (مزارع القطن والموز والكاكاو والشاي والقمح وقصب وبنجر السكر) لتوحيد العمليات الزراعية وتحقيق أقصى اقتصاديات للزراعة.
9. وضع التشريعات القوية التي تجرم البناء على الأراضي الزراعية حتى لا نفقد القدرة الإنتاجية الغذائية ونقع في براثن الدول المصدرة للغذاء.
10. حماية الأراضي الزراعية من التصحر والذي يهدد 80% من الترب الزراعية في الوطن العربي وإتباع الإجراءات الدولية الخاصة بمجابهة التصحر.
وفي النهاية بقى إلى أن نشير إلى الأخطار المستقبلية التي ستواجه الأقطار العربية في مواردها المائية وسلعها الغذائية الاستراتيجية اليومية ولا بد من الانتباه إلى ذلك والبدء في اتخاذ الإجراءات الفورية لتحقيق التكامل الغذائي والزراعي والمائي العربي وتشجيع التعاون البيني لاستثمار الأراضي الزراعية الزائدة في بعض البلدان العربية.

أ.د نادر نور الدين محمد
أستاذ التربة والمياه بكلية الزراعة جامعة القاهرة
الخبير السابق بهيئة السلع التموينية بمصر
المستشار الثقافي السابق بالسفارة المصرية بالكويت

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*