تحديات الندرة المائية في المنطقة العربية .. الحاضر والمستقبل

د. محمد سالمان طايع

لقد أخذ متغير ‘المياه’ يكتسب أهمية استثنائية خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وتحديدا منذ سبعينيات القرن المنصرم، حينما لفت مؤتمر الأمم المتحدة للمياه -الذي عقد في ماردل بلاتا بالأرجنتين في مارس 1977- أنظار المسئولين والخبراء في الشأن المائي إلى أهمية النظر إلى المياه بوصفها موردا استراتيجيا لا يقل أهمية عن النفط والغاز الطبيعي، بل وربما يزيد.
فالحديث عن أهمية ‘المياه’ أمر لا يحتاج إلى تدليل أو توكيد. فبالإضافة إلى كونها عنصرا أساسيا لازما لحياة جميع الكائنات الحية على سطح هذا الكوكب، فإنه يعتبر أيضا واحدا من أهم المدخلات الرئيسية لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إذ لا يمكن الحديث عن تنمية زراعية أو صناعية دونما توافر الكميات اللازمة من المياه، وبنوعية محددة. ولاسيما أن قضايا تأمين الإمدادات الغذائية للأمم والشعوب -والتي يصطلح على تسميتها ‘بالأمن الغذائي’- ترتبط ارتباطا وثيقا بالقدرة على توفير الإمدادات المناسبة من المياه النقية كما وكيفا، الأمر الذي يقود الكتابات الحديثة إلى الزعم بأن الأمن الغذائي دالة في الأمن المائي، انطلاقا من المقولة التي ترى أنه: ‘لا أمن عسكري لأمة من الأمم خارج أمنها الاقتصادي، وذروة الأمن الاقتصادي هو الغذاء، وجوهر الأمن الغذائي ومنتجه هو الماء’. ومن ثم، أصبح ‘الماء’ عنصرا من عناصر قوة الدولة. ولذلك، أخذت أدبيات التنمية -خلال العقود الثلاثة الأخيرة- تربط عضويا بين ‘المياه المتاحة’ -كما وكيفا- من ناحية، وبين التنمية المستدامة من ناحية أخرى.

تغير المناخ وأثره على الموارد المائية العربية
وفضلا عن أهمية متغير ‘المياه’ تنمويا، فقد تزايد دوره في السياسة الدولية المعاصرة، حيث صار ينظر إليه باعتباره أحد المتغيرات المهمة والمؤثرة على نمط التفاعلات السياسية بين الدول، بوصفه أحد العوامل الرئيسية التي باتت تهدد علاقات حسن الجوار والتعاون الإقليمي فيما بين الدول المشاطئة لأحواض الأنهار الدولية.
واليوم يعيش نحو 700 مليون شخص في 43 بلدا على مستوى العالم تحت حد الإجهاد المائي. ويعد الشرق الأوسط، الذي يتدنى المتوسط السنوي لنصيب الفرد من المياه فيه إلى نحو 1200 متر مكعب، أكثر مناطق العالم إجهادا، باستثناء كل من العراق وإيران ولبنان وتركيا، وهى البلدان التي تأتى فوق هذا الحد. ويعاني الفلسطينيون، خاصة قاطني غزة، من واحدة من أشد حالات ندرة المياه في العالم، حيث يتدنى نصيب الفرد السنوي إلى نحو 320 مترا مكعبا. ويتناول هذا التقرير إشكالية ندرة المياه في العالم العربي من خلال ثلاثة محاور، هي: الوضع المائي في المنطقة العربية، والموارد المائية العربية، وأخيرا النمو السكاني وتزايد الطلب على المياه عربيا.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*