المياه… تلك القنبلة الموقوتة

عبيدلي العبيدلي
الوسط البحرينية 22\4\2010

الجزء الاول
فشل اجتماع دول حوض النيل الذي عقد قبل يومين في مدينة شرم الشيخ المصرية، في التوصل إلى قرار نهائي بشأن إعادة توزيع الحصص من مياه النهر، إثر تمسك الوفد المصري بحصة بلاده التقليدية من مياه نهر النيل، والتحذير الواضح الذي وجهه الوفد للمشاركين من مغبة « توقيع اتفاق لتقاسم مياه النهر لا تكون مصر طرفا فيه، وبأنها ستعتبر اعلان مبادرة دول حوض النيل وكأنه لم يكن». وتلتقي مجموعة دول حوض النيل، التي يقف وراء تمويلها البنك الدولي بشكل دوري من أجل معالجة المشكلات المتعلقة بحفظ وتوزيع مياه حوض نهر النيل. وتنطلق مصر في موقفها هذا من «الاتفاق الموقع العام 1929 بين مصر وبريطانيا ممثلة لمستعمراتها الافريقية والذي يعطي مصر حق الاعتراض على المشروعات التي تقام اعالي النهر والتي يمكن ان تؤثر على حصتها من المياه». وتنبع المخاوف المصرية من النقص الشديد في المياه المتوقع ان تواجهه القاهرة بحلول العام 2017، عندما تصل حاجتها إلى 86.2 مليار متر مكعب، لن تملك منها أكثر 71.4 مليار متر مكعب فقط.
لم تعد المياه اليوم مشكلة قطرية أو إقليمية، فحسب، بل تحولت إلى مشكلة عالمية متعددة الجوانب، تتشابك فيها الجوانب الصحية، مع تلك البيئية، دون استثناء تلك التنموية. كما اصبح الماء اليوم، كما تشير الكثير من الدراسات الاستراتيجية، سببا من أسباب النزاعات بين الدول، التي قد تصل، بسببه، إلى حروب بين البلدان المتجاورة، او تلك التي تتشارك في المصادر التي تمدها بالمياه.
ويرسم الصحافي بقناة الجزيرة القطرية نبيل الريحاني، في برنامج «وراء الخبر»، صورة سوداوية مرعبة للحالة التي عليها المياه اليوم في العالم، والأخطار التي باتت تشكلها شحته وسوء استخدامه، فنجده يحذر، معتمدا على معلومات استقاها من تقرير صدر مؤخرا عن «الصندوق الدولي للتنمية الزراعية» (إيفاد) من الضغوط التي يشهدها «رصيد الأرض من المياه العذبة والناجمة عن الاحتباس الحراري والانفجار الديموغرافي والاستهلاك المفرط للمياه والحاجات المتزايدة لإنتاج الطاقة». ويدلل الريحاني على تلك الضغوط بأرقام أوردها تقرير «إيفاد» جاء فيها أن هناك «ستة مليارات ونصف المليار نسمة يقفون وراء طلب على المياه يبلغ 64 مليارا مكعبا للمياه، وأن عددهم سيبلغ منتصف القرن الجاري أزيد من تسعة مليارات نسمة، وأن 70 في المئة منه تذهب إلى الأغراض الزراعية و20 في المئة إلى الصناعة أما الحاجات المنزلية فتستحوذ على 10 في المئة منه، مع إشارة مهمة تلفت الانتباه إلى أن أغلب الاستهلاك يقع في النصف الشمالي للكرة الأرضية أما النصف الجنوبي فقصته مختلفة، إذ إنه مع شح المياه عند سكانه فإن 80 في المئة من أمراضه ترتبط بشح المياه أو تلوثها حتى أن 9500 طفل يموتون سنويا لأحد السببين أو لكليهما».
ويشاطر موقع «إيلاف» الريحاني فيما يذهب إليه، ويورد أرقاما، هي الأخرى، صادرة عن الأمم المتحدة وعن صحيفة «التايمز» اللندنية أيضا، تؤكد «أن 5.3 مليارات انسان أو ثلثي سكان العالم في عام 2025 سيواجهون نقصا في المياه خلال أقل من عشرين سنة من الآن. وقد تشمل الأزمة مدنا مثل لندن رغم كثرة أمطارها. وتثير هذه التوقعات قلقا متزايدا لدى الحكومات، وعلى وجه الخصوص منها تلك التي لم تضع في برامجها احتمالات من شح الماء، سواء جراء أسباب طبيعية أو بشرية. وتجمع الدراسات على أن «عدد سكان العالم تضاعف ثلاث مرات في القرن العشرين في حين ازداد استهلاك الماء ستة اضعاف، وأن لنضوب الموارد المائية آثارا على الأمن الدولي والصحة ومتوسط عمر الانسان».
تقرير آخر صادر عن الأمم المتحدة يؤكد أن هناك 1.1 مليار شخص لا يحصلون على الماء الصالح للشرب حاليا، ويلقى ما لا يقل عن 3.1 مليون إنسان حتفه سنويا بسبب الملاريا والأمراض المعوية. لكن بوسع العالم، أن يقلص «عدد الضحايا إلى المنتصف إذا تحسنت الظروف البيئية وتم توفير مياه نظيفة صالحة للشرب».
هذه الصورة القاتمة لمستقبل المياه في العالم تحذر منها جميع الجهات المهتمة بهذا الموضوع، إذ سيصبح النقص حادا ويقترب من حالة العطش. وتسوق تلك الجهات أمثلة على ذلك تتعلق بنضوب بعض الأنهار والبحيرات، على سبيل المثال «نضوب النهر الأصفر في الصين ونهر كولورادو في الولايات المتحدة الذي باتت تفصله 60 كيلومترا عن البحر حيث تحول مجراه على طول هذه المسافة إلى واد جاف. وفي إفريقيا تبخرت نسبة 70 في المئة من بحيرة تشاد».
والاحتمالات الديموغرافية تتوقع أن يصل عدد سكان العالم في العام 2050 (حسب منظمة الأمم المتحدة) إلى «تسعة مليارات نسمة»، سيترافق معه «ازدياد الاحتياجات المائية العالمية بما يقدر بأربعة وستين مليار متر مكعب سنويا». بل إن الأمم المتحدة في تقارير أخرى لها تتوقع ما هو أسوأ بذلك بكثير، إذ ترى تلك التقارير «أن متوسط إمدادات المياه للفرد الواحد حول العالم ستكون بحلول العام 2020 أقل بمعدل الثلث عما هي عليه حاليا». الأخطر من كل ذلك أن بعض أسباب تلك المشكلة يكمن في «انعدام العمل والوعي على حد سواء».
لكن ما هو أسوأ من ذلك أن «النقص في المياه ليس مرتبطا فقط بالتلوث البيئي أو الظواهر الطبيعية وزيادة عدد السكان، وإنما في الاستخدام المتخلف في معظم دول العالم بطرق فاسدة، كما أن استخدامها متأثرا باعتبارات سياسية طبيعية تمنع استغلال المياه بصورة مثالية».
بقي أن نعرف أيضا، وبناء على أرقام الأمم المتحدة، أن:
• استهلاك المياه في العالم ازداد بمعدل يربو على الضعف منذ العام 1950.
• هناك شخص من بين كل ستة أشخاص لا تتوفر له بانتظام موارد مائية أمينة.
• المياه الملوثة تتسبب بأمراض تصيب نحو 200 مليون شخص في السنة بأمراض ذات صلة بالمياه.
• الزراعة تستهلك نحو 75 في المئة من الاستهلاك العالمي للمياه والصناعة 20 في المئة، ومعظم ذلك يتم تبديده.

الجزء الثاني
بعض المقاربات التي تناولت مشكلة المياه، من نمط تلك التي نشرها موقع الوحدة العربية لأستاذ الهندسة البيئية في كلية الهندسة والعلوم التطبيقية بجامعة هارفارد الأميركية بيتر روجرز، وترجمتها مايسة كامل، حاولت ان تتناول القضية من منطلقات نظرية، كما فعل روجرز عندما استعان بكتابات مجموعة من فلاسفة الاقتصاد الكلاسيكيين من أمثال آدم سميث، وإدوارد جيبون، وتوماس مالثوس، وديفيد ريكاردو، وكارل ماركس، التي تناولت «الدور الذي تلعبه عوامل مثل السكان والغذاء وموارد الطاقة»، في خلق الأزمات أو حلها. ينطلق روجرز من تلك الطروحات كي يحذر من أن «التلوث، وتغير المناخ، وتسرب مياه البحر إلى المياه الجوفية، من العوامل التي أدت إلى تضاؤل الإمدادات المتاحة من المياه العذبة بمعدلات مماثلة لتزايد الطلب».
في كلمة مختصرة، عندما يتعلق الأمر بالمياه ليس هناك ما يدعو للتفاؤل على الصعيد العالمي، فبالإضافة إلى الأرقام التي أوردناها في حلقة الأمس، تؤكد الأمم المتحدة أيضا أن عدد من يعانون من شحة المياه، سوف « يزداد من 132 مليون نسمة العام 1990 إلى نحو 904 مليون نسمة العام 2025 ، وسوف يتركز معظمهم في إفريقيا وأجزاء من غربي آسيا، و يتوقع أن يتراوح نصيب الفرد، في مصر، من المياه المتجددة بين 398 و 644 مترا مكعبا سنويا في العام 2050». ما هو واضح هنا هو أن مشكلة المياه، تنمو على الصعيد العالمي بشكل سريع ومخيف، وتتطلب، بالتالي وقفة جادة قادرة على أن تحد من ذلك النمو، وتحول دون تطوره إلى ما يشبه القنبلة الموقوتة، التي يصعب التكهن، متى ما انفجرت، وفي غياب أية تحصينات ضدها، بحجم الدمار الذي يمكن أن يخلفه انفجارها.
ولا يقتصر الأمر على الأمم المتحدة، فها هو البنك الدولي يحذر العرب علانية من أن «دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ستواجه أزمة مياه خانقة ما لم تخصص الاستثمارات الكافية لهذا القطاع بصورة عاجلة». ويضيف البنك في تقرير خاص بوضع المياه في الوطن العربي أن «حصة الفرد من المياه ستتراجع الي النصف في العام 2050، وأن التغيرات المناخية والنمو السكاني سيفاقمان من حدة هذه المشكلة. ودعا البنك الدولي دول المنطقة الي معالجة مياه الصرف واقامة شبكات مياه أكثر وكفاءة وترشيد استخدام المياه».
ما تقوله أرقام الأمم المتحدة أن العرب لايقفون بعيدين عن تلك القنبلة، أو في مأمن من شظاياها المتناثرة في المحيط الذي يغطيه ذلك الانفجار، وهو أمر يعترف به المسئولون العرب قبل سواهم. وتعبر كلمة الأمين العام للجامعة العربية السابق عصمت عبد المجيد أمام مؤتمر الأمن المائي الذي عقد في القاهرة عن عمق هذه المشكلة، حين يقول «إن قضية المياه في الوطن العربي تكتسب أهمية خاصة نظرا لطبيعة الموقع الاستراتيجي للامة العربية، حيث تقع منابع حوالي 60 في المئة من الموارد المائية خارج الأراضي العربية، مما يجعلها خاضعة لسيطرة دول غير عربية، وما يزيد الأمر تعقيدا يكمن فيما يعانيه الوطن العربي من فقر مائي يصل في وقت قريب الى حد الخطر مع تزايد الكثافة السكانية وعمليات التنمية المتواصلة». يشاطر عبدالمجيد هذه المخاوف، بعد مضي ما يزيد على ربع قرن على تلك الكلمة، مسئول عربي آخر هو الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية الدكتور أحمد جويلي يعترف، في أكثر من مناسبة، بأن «هناك ندرة حقيقية في مياه العالم العربي ، وأن نصيب الفرد العربي من المياه لا يتخطى 800 متر مكعب، تمثل 10 في المئة من المتوسط العالمي البالغ 8 آلاف متر مكعب، وبأن عدد الدول العربية التي تقع تحت خط الفقر المائي حاليا يتجاوز 19 دولة مشيرا إلى أن جميع الدول العربية ستقع تحت خط الفقر العام 2025».
وتتفاقم أزمة المياه وتزداد حضورا في دول مجلس التعاون، أكثر من سواها من البلدان العربية الأخرى، جراء، كما يقول موقع «مكتوب» النقص «الكبير في مصادر الطبيعية للمياه في دول مجلس التعاون الخليجي بالإضافة إلي التصحر وقلة معدلات الأمطار وعدم وجود أنهار وتزايد حجم الطلب علي المياه بشكل مطرد وبمعدل متضاعف من سنة إلي أخري نتيجة زيادة السكان».
وينشر الموقع إحصائيات رسمية مرعبة تؤكد «زيادة الطلب علي المياه في منطقة الخليج من 6 مليارات متر مكعب في العام 1980 إلي 70 مليار متر مكعب في العام 2006 ويتوقع أن يرتفع بحلول العام 2020 إلي أكثر من 50 مليار متر مكعب يستهلك قطاع الزراعة منها أكثر من 85 في المئة مقابل 13 في المئة لمياه الشرب في حين لا يزيد نصيب قطاع الصناعة منها علي 2 في المئة تقريبا».
لكن أخطر ما في الأمر فيما يتعلق بهذه المشكلة، هو كما يقول عضو جمعية المهندسين الكويتية سلمان القلاف، افتقاد دول مجلس التعاون لأية «سياسة مائية واحدة رغم أن المشكلة العامة بين دول الخليج وأسبابها مشتركة فإن التعامل معها فردي وليس جماعيا ويتفاوت من دولة إلي أخرى وفقا لاعتبارات كثيرة أهمها مدي تأثر كل دولة بالعجز المائي ومدي مساهمة الموارد المتاحة لها في تغطية هذا العجز». وهذا ما يحاول بيتر روجرز أن يبشر له حين قال «رغم أن تجنب أزمة المياه العالمية لن يكون بالمهمة السهلة، إلا أننا نمتلك بين أيدينا الآن السياسات والتقنيات التي إذا ما تم تطبيقها على النحو اللائق فقد تعبر بنا إلى بر الأمان في غضون العقود المقبلة، وحتى في مواجهة تزايد السكان وتعاظم ثرواتهم».
في ضوء كل ما تقدم، ليس هناك من بوسعه إنكار أن هناك مشكلة تتربص بالمجتمع البشري، لكنها بخلاف المشكلات الأخرى شبيهة بتلك القنبلة الموقوتة التي يدرك الجميع أنها قابلة للانفجار، لكن ما لايعرفه أي منهم، هو موعد انفجارها، والآثار المباشرة او غير المباشرة الناجمة عن ذلك الانفجار، على المستويين الأفقي الجغرافي، والعمودي العمراني. والمطلوب هنا ليس معالجة الأعراض، بمعنى شحة المياه، وإنما تشخيص الأسباب التي ولدت تلك الأعراض.

الجزء الثالث
تخلص معظم الدراسات التي تحذر من شحة المياه إلى نتيجة رئيسية مفادها «أن المياه ستكون سبباً غالباً في الحروب خلال القرن الحالي». صحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية، على سبيل المثال، تستشهد في عددها رقم 8296، الصادر بتاريخ 15 أغسطس/ آب 2001، بدراستين، الأولى تلك التي أعدت للرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، وتجد «أن 70 دولة على الأقل في أربع قارات ربما تدخل في حروب حول المياه»، والثانية التي كانت من نصيب الأمم المتحدة، وترى أن «احتمالات أن يصبح العطش خطراً يهدد العالم بالإضافة إلى تدني مستويات المعيشة لدى ثلث البشرية تقريباً».
في السياق ذاته ينقل موقع صحيفة «الشعب» الصينية مقاطع من تقرير أصدره في منتصف مارس/ آذار 2009 «الاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة» يؤكد أن «تحسين التعاون بشأن المشاركة في الأنهار يمكن أن يساعد الحكومات على تجنب نزاعات المياه». ثم يعود للتحذير من أن «زيادة الطلب على المياه قد يؤدي إلى نشوب نزاعات بشأن الموارد المشتركة».
موقع السعودية تحت المجهر، ينقل مقالة مطولة لأحمد الشاطر، يستشهد فيها بما أوردته ماودري بارلو (Maude Barlow) في كتابها «الوثيقة الزرقاء» (Blue Covenant)، التي تعتبر «نقص المياه، وعدم المساواة في الحصول عليها، والتحكم في مصادر المياه من أخطر المشكلات التي تواجه كوكب الأرض». وتدعو باولو، تأسيساً على ذلك، ومن أجل تحاشي أية حروب إلى «ضرورة وضع ميثاق دولي يهدف إلى التعاون للتصدي لهذه الأزمة لأن قضية أزمة المياه العالمية تعد مسألة حياة أو موت بالنسبة للعالم الذي يتوقع أن يشهد العديد من الصراعات والحروب في سبيل الحصول على المياه». ويعلل الشاطر تحول المياه إلى قنبلة موقوتة يمكن أن يدمر انفجارها العالم إلى أن «أكثر من 215 نهراً رئيسياً و300 حوض للمياه الجوفية مشتركة بين دولتين على الأقل مما يخلق نزاعات بشأن ملكية هذه المصادر أو آلية استخدامها».
مسألة مهمة لابد وأن نشير لها هنا وهي عدم عدالة توزيع المياه على الصعيد العالمي، وهو أمر يشير له المدير العام لليونسكو السابق كويشيرو ماتسورا حين يقول «إن التناقص القائم في هذه الموارد (يقصد المياه) والتنافس المتزايد الذي يثيره، يهددان السلم ومهمة القضاء على الفقر، ولذلك ينبغي التأكيد على ضرورة العمل على أن يصبح هذا المورد الحيوي موزعاً بشكل أكثر نجاعة وإنصافاً». وعدم العدالة في التوزيع تؤكدها أيضاً مقالة صحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية التي أشرنا لها سابقاً حيث يرد فيها « إذا افترضنا أن أي شخص في هذا العالم يستخدم نفس كمية المياه التي يستخدمها المواطن الأميركي العادي، فإن مصادر المياه الحالية يمكن أن تخدم 4 مليارات شخص فقط. ومع ذلك فإن عدد سكان العالم سيصل حسب التوقعات إلى 8 مليارات نسمة بنهاية العام 2020».
على مستوى الشرق الأوسط، يكتسب موضوع النزاع على المياه بعداً إستراتيجياً نظراً لطبيعة النزاع العربي – الإسرئيليي أولاً، وللسياسة العدوانية التي تنتهجها «إسرائيل» في استيلائها القسري على المياه العربية، وتحويل مصادرها لصالحها ثانياً. هذا الموضوع كان محور حلقة «وراء الخبر» التي تبثها قناة «الجزيرة» من قطر، والتي شارك فيها في فبراير/ شباط 1999، بالإضافة إلى معدِّها محمد كريشان، وزير المياه الأردني الأسبق منذر حدادين، والكاتب والمحلل السياسي «الإسرائيلي» شاؤول منشية، ووزير الري السوداني الأسبق يحيى عبد المجيد، وأحمد الشولي، والتي كان سبب عقدها كما يقول كريشان «إعلان إسرائيل (حينها) عن احتمال تخفيض كمية المياه المخصصة للأردن وفقاً لاتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية»، والتي تعبر عن «أزمة تمس الأمن القومي العربي في الصميم، فأزمة المياه تؤكد كل الدراسات بأنها ستكون محور الصراعات في المنطقة خلال العقد الأول من القرن المقبل». يستهل الشولي الحلقة بالقول بأن الدراسات والتقارير التي نشرت حتى الآن ترى «أن مسألة المياه ستكون مفتاح الحرب والسلام في الشرق الأوسط خلال العقد القادم، فالتزايد المستمر في عدد سكان المنطقة، يواكبه تناقص مستمر في موارد المياه، ونتيجة للمواسم المتعاقبة أصبح الماء شحيحاً بدرجة لا مثيل لها في أي مكان آخر في العالم، فمتوسط نصيب الفرد من المياه بالمعايير الدولية يبلغ نحو ألف لتر مكعب سنوياً، ولكن 53 في المئة من السكان العرب لا يحصلون على هذه النسبة، وتشير الدراسات إلى أن هذه الأزمة سوف تزداد تفاقماً بحيث يصل العجز المائي العربي إلى ما يزيد عن 171 مليار متر مكعب بحلول العام 2030، مما يزيد من خطورة هذه القضية الاستراتيجية على الأمن القومي العربي».
ويعزز كريشان ما ذهب إليه الشولي قائلاً «يعني الإحصائيات تشير إلى أن بلدان الشرق الأوسط تحتاج مع نهاية هذا القرن الآن، إلى ضعفي كمية المياه المتوفرة حالياً، وإلى أنه بحلول العام 2025 تحتاج إلى أربعة أضعاف هذه الكمية، وأنه في الشرق الأوسط لا توجد سوى تركيا ولبنان يمتلكان مصادر مائية تلبي احتياجات الحاضر والمستقبل بينما، دول أخرى مثل مصر أو إسرائيل بحاجة إلى ضعفي المتاح حالياً سواء كان مياهاً سطحية أو مياهاً جوفية». وينهي الشويكان مقدمته بسؤال مرعب يقول فيه «إذن يبدو أن هناك أزمة حقيقية، ولكن هل يمكن أن تصل هذه الأزمة إلى حد التصادم أو حروب الماء كما يروج من حين إلى آخر»؟ ولا يخرج المشاركون في الندوة هذا التصور الذي يحول المياه هنا أيضاً إلى قنبلة موقوتة أشد نفجاراً من تلك الدولية، مصدرها كما ذكرنا طبيعة الصراع الشرق أوسطي.
ما يضاعف من خطورة القضية في الشرق الأوسط، هي كون الحلول المطروحة، كما يقول البعض «في الأساس مبادرات أوروبية ودولية وليست نابعة من دول المنطقة؛ وهو ما يفتح الباب أمام التدخلات الدولية في المنطقة».
كل ذلك لا يعني أن ليس أمام العالم سوى طريق واحدة هي الحرب من أجل حل مشكلات المياه، فهناك الكثير من الجهود أجل تجنيب البشرية هذا الخيار، فهناك إعلان لاهاي 2000 الصادر عن اجتماع دولي «شارك فيه أكثر من 150 وزيراً من وزراء المياه والموارد المائية والبيئة من القارات الست‏، سوية مع مجموعة أخرى وعدد من القيادات والشخصيات القيادية الدولية منهم رؤساء دول وحكومات سابقون»‏.
ويبقى السؤال قائماً من ذا الذي بوسعه نزع فتيل هذه القنبلة قبل انفجارها المدمر للجميع؟

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*