الماء.. أزمة العالم المتجددة

الاقتصادية السعودية 15 ابريل 2010

لا يوجد شيء في هذه الحياة إلا والماء هو أساس خلقه ووجوده, «وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون», (سورة الأنبياء 30), فمن الماء خلقنا ومن الماء خلق كل شيء من حولنا. فالماء يغطي نحو ثلاثة أرباع سطح الكرة الأرضية، وبالماء تعمل خلايا جسمنا، ولولا الماء لا نستطيع أن نزرع الأرض ونأكل من محاصيلها, ومن دون الماء لا نستطيع أن نعيش إلا أياما معدودة. فالماء هو نعمة لا تقدر بثمن وهذه النعمة قد تتحول إلى نقمة على الإنسان, فالماء الملوث وراء أكثر من 50 في المائة من الأمراض التي قد تصيب الإنسان, فالإسهال الناتج عن تلوث المياه هو سبب وفاة أكثر من 3 في المائة سنويا في العالم.
المشكلة التي يواجهها العالم اليوم هي تفاقم أزمة توافر المياه النقية والصالحة للشرب. فالتقديرات العالمية تشير إلى أن ما يقارب ثلث سكان العالم سيكونون تحت تهديد حقيقي لنقص حاد ومزمن في المياه خلال العقود القليلة المقبلة. فهذا الخوف هو الذي دفع العالم إلى تخصيص عقد كامل من الزمن لموضوع المياه (2005/2015م), فأزمة المياه تستحق أن يخصص لها عقد كامل لاستنهاض همم الأمم والدول لزيادة وعيها بأهمية ترشيد استهلاكنا لمواردنا المائية. وهناك من ينظر إلى أزمة المياه على أنها أخطر من أزمة الغذاء، بل يرى أن مشكلة المياه هي أحد الأسباب الرئيسة وراء أزمة الغذاء والجوع في العالم.
صحيح أن ما هو متاح من مياه نقية لا يتجاوز 1 في المائة من مجموع المياه النقية، ولكن ليس هناك مشكلة في كفاية هذه المياه لكل حاجاتنا الحيوية ولكن المشكلة في إدارتنا لهذه المياه وكيفية تطوير قدراتنا العلمية والفنية والإدارية للانتفاع بأكبر قدر ممكن مما هو متاح للإنسان من مياه, فهناك إسراف في استخدام المياه والأخذ بمبدأ الترشيد بات ضرورة ملحة في كثير من مجتمعات العالم, وهناك مشكلة استنزاف للمياه الجوفية بما يفوق طاقة تجديدها وهو تهديد لهذا المصدر الحيوي المهم, وهناك عدم إجادة في استثمار ما هو متاح من مياه في بعض المناطق من مياه أمطار وأنهار ومياه جوفية، وهذا يتطلب تقديم دعم لمثل هذه المناطق لتحسين استغلالها للمياه الموجودة عندها, وهناك مشكلة تلويث مياه الأنهار والبحيرات والمياه الجوفية كما هو الحال في كثير من الدول الفقيرة، وبهذا تحرم هذه الدول من الاستفادة من هذه المياه. فهناك اليوم أنهار كثيرة وفي مختلف دول العالم باتت ملوثة وبشكل كبير جعلها غير صالحة للاستخدام بسبب ما يرمى فيها من مخلفات بشرية ومخلفات مصانع. وهناك أيضا وحسب بعض التقديرات ما يقارب 1500 كيلومتر مكعب من المياه المستخدمة التي يمكن إعادة استخدامها بتقنيات بسيطة جدا، وهكذا كمية كبيرة يمكن أن تسهم في معالجة أزمة المياه في مناطق عدة في العالم.
نحن في المملكة وإن كنا نفتقر للأنهار والبحيرات وكثرة الأمطار بسبب أمور جغرافية ومناخية ولكننا والحمد لله عندنا وفرة من المياه الجوفية وعندنا استثمارات ممتازة في تحلية مياه البحار جعلت المملكة في المرتبة الأولى عالميا في كمية المياه المحلاة من البحر, ولكن في المقابل نحن اليوم نواجه أزمة نقص في المياه وستتفاقم هذه الأزمة في المستقبل إذا لم نطور من إدارتنا لمواردنا المائية.
فنحن اليوم في حاجة إلى استراتيجية وطنية لحماية أمننا المائي, ولعل المحور الأول والأهم في هذه الاستراتيجية هو الترشيد في استخدامنا لهذا المورد الحيوي, فاستخدامنا للمياه في بيوتنا والأماكن العامة في حاجة إلى ترشيد وهنا يجب ألا نضع اللوم كله على المواطن فقط، ولكن إضافة إلى توعية الناس فنحن في حاجة إلى توفير الأنظمة والتصاميم المناسبة التي تساعدنا على الترشيد. وتعد الزراعة أكثر القطاعات في استهلاك المياه، وهنا نحن في حاجة إلى نوع من التوازن وأن يعطى لشأن المياه اهتماما خاصا. والقطاع الصناعي هو الآخر في حاجة إلى ترشيد في استهلاكه للمياه, فهناك صناعات لسنا في حاجة إليها وهي تستهلك مياها كثيرة، وهي بالتالي غير مجدية اقتصاديا لنا. وهناك محور مهم وهو تطوير قدراتنا لاستخدام تقنيات جديدة ومتطورة لتحلية المياه. فنحن أكثر دول العالم إنتاجا للمياه المحلاة من البحار وعلينا أن نكون من الدول المتقدمة في تطوير العلوم والتقنيات في هذا المجال.
فموضوع المياه هو بحق تحد وعلينا أن نستثمر كل طاقاتنا للحفاظ على هذا المورد الحيوي وتأمين أمننا المائي وعلينا ألا نستثني أي جهد في هذا المجال, فالمياه والحفاظ عليها يجب أن يكونا في صلب خططنا التنموية.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*