المياه … المياه في كل مكان

المياه … المياه في كل مكان
د. علي نور الدين إسماعيل
صحيفة الاقتصادية 9 اغسطس 2007

المياه المياه في كل مكان، ونحن نموت من العطش.. صيحة أطلقها بحار في سفينة قراصنة توشك على الغرق في بحر الظلمات في العصور الوسطى، ولم يدرك صديقنا البحار اليائس أن هذه الصيحة مازالت مدوية وسيرددها معه ملايين من البشر حتى في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين.
إن قضية العطش – الحرمان من حق الحصول على المياه – لها وجهان: الوجه الأول يتعلق بوفرة المياه لتلبية الاحتياجات الأساسية، أما الوجه الآخر فيتعلق بعدم وجود خدمات المياه وضمان جودتها محسنة ومأمونة. وفي سياحة مائية نترك الأرقام المعلنة من المصادر الدولية تشرح أبعاد هذه القضية ومعاناة إنسان القرن الحادي والعشرين من العطش على هذا الكوكب المائي.
يتوافر في الوضع الراهن ما يزيد على 44 تريليون متر مكعب – 44 ألف مليار متر مكعب – من المياه العذبة المتجددة سنويا والصالحة للاستخدام سواء من الأمطار أو من المياه السطحية، وهذا يعني من الناحية الرياضية أن متوسط ما يتوافر للفرد على المستوى (العالمي) في حدود سبعة آلاف متر مكعب من المياه سنويا، أي سبعة أمثال حد الفقر المائي المقدر بألف متر مكعب للفرد سنويا.
وعلى الرغم من هذه الوفرة المائية، فإن هناك تباينا واضحا في التوزيع الجغرافي لحصص هذه الكمية الهائلة من المياه المتجددة على سطح الأرض، حيث توجد تسع دول فقط تستأثر بمفردها نحو ما يزيد على 26 تريليون متر مكعب سنويا، أي 60 في المائة على الأقل من إجمالي المياه العالمية المتجددة، وتقف على رأس تلك الدول البرازيل (5.4 تريليون متر مكعب سنويا)، روسيا (4.3 تريليون متر مكعب سنويا)، كندا (2.9 تريليون متر مكعب سنويا) مرورا بالولايات المتحدة، إندونيسيا، والصين، ولكل منهما (2.8 تريليون متر مكعب سنويا) وانتهاء ببيرو (1.6 تريليون متر مكعب سنويا)، والهند (1.3 تريليون متر مكعب سنويا).
أما على المستوى الإقليمي، فإن دول أمريكا اللاتينية والكاريبي تستأثر بمفردها نحو 13.4 تريليون متر مكعب من المياه المتجددة سنويا، أي نحو 30 في المائة من إجمالي المياه العالمية، تليها مجموعة الدول الواقعة شرق آسيا والباسفيك، وبحصة تصل إلى 9.5 تريليون متر مكعب من المياه المتجددة سنويا، أي نحو 21 في المائة من إجمالي المياه العالمية والباقي موزع على مجموعة دول أوروبا ووسط وجنوب آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء والدول الشرق أوسطية وشمال إفريقيا العربية.
أما فيما يتعلق بتأمين خدمات المياه وحصول الفرد على المياه محسنة صالحة للاستخدام الآدمي، فإن الأرقام الواردة من المصادر الدولية تؤكد وجود ما يزيد على 1.4 مليار فرد من المجتمع الدولي ليس لديهم أدنى فرصة للحصول على مياه مأمونة ومحسنة. وهذا الرقم يعادل 20 في المائة من إجمالي سكان الكرة الأرضية في الوضع الحالي، ويتركز أغلبهم في شرق وجنوب آسيا (840 مليون نسمة) خاصة في الصين، الهند، الفلبين، إندونيسيا، سريلانكا، وإفريقيا جنوب الصحراء (270 مليون نسمة) خاصة في غانا، الكاميرون، الجابون، والسودان، ومجموعة الدول العربية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، (40 مليون نسمة) خاصة في سورية، اليمن، الجزائر، وموريتانيا، والباقي موزعون في بعض دول أمريكا اللاتينية (البرازيل) وأوروبا الوسطى (رومانيا).
القضية هنا تحتاج إلى أكثر من وقفة:
الوقفة الأولى:
إن حصة الفرد من المياه المتجددة في دولة ما لا علاقة لها بوفرة المياه، بل بنصيب الفرد من هذه الوفرة سنويا وهي تتباين من دولة إلى أخرى.. فقد تصل هذه الحصة إلى 139 ألف متر مكعب/ فرد/ سنة، كما هو الحال في نيوغيانا أو إلى 120 ألف متر مكعب/ فرد/ سنة في الجابون، وتصل إلى ما يزيد على 80 ألف متر مكعب/ فرد/ سنة في دولة مثل كندا، النرويج، ونيوزيلندا.. ومع ذلك فهي تقل عن 30 ألفا/ فرد/ سنة في دول رائدة ذات وفرة مائية مثل البرازيل وروسيا.
في الجانب المقابل، هناك على الخريطة المائية 36 دولة أخرى يقل فيها نصيب الفرد عن مستوى حد الفقر المائي (ألف متر مكعب/ فرد/ سنة)، وهي تضم مجموعة الدول العربية باستثناء لبنان والعراق، وثلاث دول من الاتحاد السوفياتي السابق (أذربيجان، تركمانستان، وأوزبكستان) وثلاث دول أوروبية (المجر، هولندا، ومولدفيا)، إضافة إلى تسع دول إفريقية وآسيوية أخرى.
كما يتوقع أن تدخل 20 دولة أخرى على الأقل في نطاق الفقر المائي خلال السنوات العشر القادمة.
الوقفة الثانية:
أن تكون وفرة المياه المتجددة على أرض الدولة غير حقيقية – افتراضية – بمعنى أن يكون المصدر الذي تتحصل عليه من المياه المتجددة من أنهار خارج حدودها الجغرافية وليس من داخل أرضها، وفي هذه الحالة يتجاوز ما يتم سحبه لتلبية الطلب بصورة كبيرة مصادرها الداخلية المحدودة… وتوجد على الأقل 17 دولة تتعرض لهذا الموقف من أبرزها مصر، تركمانستان، باكستان، والمجر.
الوقفة الثالثة:
أن هناك بعض الدول لا تتوافر لديها مصادر داخلية أو خارجية للمياه المتجددة، وتتعرض لضغوط مائية ربما تفوق قدرتها الاستيعابية وحاجتها لتلبية الطلب المتزايد على المياه، ما يجعلها تلجأ إلى التركيز على المياه الجوفية – غير المتجددة – والمستخرجة من باطن الأرض أو إنتاج مياه صناعية من موارد مياه غير تقليدية كمياه البحر المحلاة أو المياه المعاد استخدامها بعد المعالجة، ومن أبرز الأمثلة على ذلك دول مجلس التعاون الخليجي الست، وليبيا والأردن، وجميعها من مجموعة الدول العربية.
الوقفة الأخيرة
من الأهمية التأكيد على أن وجود “الوفرة المائية” لا يعني بالضرورة توفير “الخدمة المائية”، وبالتالي فإن من الصعوبة بمكان وضع معادلة رياضية للربط بين عناصر كل منهما. فهناك العديد من الدول تعاني توفير الخدمة المائية، على الرغم من وفرتها المائية (البرازيل، الصين، والجابون)، وعلى النقيض من ذلك، فإن هناك دولا أخرى تتمتع بخدمة مائية مميزة على الرغم من ندرتها المائية (دول مجلس التعاون الخليجي الست).
وختام القول إن موضوع العطش قد تحول من مجرد (مشكلة) تواجه حفنة من البحارة المطاردين في بحر الظلمات في العصور الوسطى إلى (قضية) رأي عام تشغل بال خُمس سكان الكرة الأرضية في وقتنا الحاضر يفتقرون إلى نقطة مياه مأمونة. وللأسف فإن الجهود التي تبذل من قبل الحكومات والمنظمات الدولية وغيرها مازالت دون المستوى المطلوب ولا يتوقع أن يتم تخفيف معاناتهم من العطش في المستقبل المنظور!!

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*