70% من المياه العذبة في العالم في الجليد والمتبقي منها في أحواض جوفية تحت الأرض

الدكتور حسن البراري
الاقتصادية 4\4\2010

ولو كنتُ المسؤول الأول للمياه في البلاد لوزعتُ عدد نيسان (أبريل) الخاص لِـ «الناشيونال جيوغرافِك» على كل من له علاقة مباشرة وغير مباشرة بالتعامل مع الماء في القطاع، ثم طلبتُ تقاريرَ مختصرة عن موادها، وعما يقترحونه من تطبيقاتٍ لإسعافِ حالتنا المائية. إن متابعة هذه التطورات، والتغطيات من مجلةٍ علميةٍ رصينةٍ تأتي بمعلوماتٍ في غاية الفائدة، لا تأتي بها المؤتمراتُ والندواتُ وآخر مراجع البحث الأكاديمية.. مجلةٌ تخصّصها: الاعتناء بواقع الحياة.. أليس هذا هو الهمُّ البشريُ الأول؟!
يقول سبحانه وتعالى: «وجعلنا من الماء كل شيء حي»، صدق الله العظيم. هذه الآية الكريمة هي أكثف وأعظم ما قيل في العلاقة بين الماء والحياة. ولأن الماء هو نعمة من خالق الكون، فإن من واجب الإنسان أن يبحث عن طرق للتعامل بحكمة مع مصدر الحياة الأول. والحقيقة الماثلة أمامنا أنه وبالرغم من أن ثلثي الكرة الأرضية مغطى تماما بالمياه إلا أن مشكلة المياه آخذة في الظهور بشكل لا يمكن الاستمرار في تغاضيها, لأنها تمس الحياة البشرية, وليس شخصا معينا أو قطرا معينا. فمشكلة المياه في طريقها لتكون مشكلة تهدد الأمن العالمي إن لم يحسن التصدي لها.
فالدراسات المختلفة تشير إلى أن زيادة عدد البشر هو القاعدة وأن استهلاك المياه في ارتفاع مستمر، ومن ثم لا بد من تذكر القاعدة الذهبية التي وضعها المفكر الاقتصادي الإنجليزي توماس مالتوس بشأن العلاقة بين التكاثر والإنتاج، إذ افترض أن سكان المعمورة يتزايدون حسب متوالية هندسية في حين يكون التزايد في الإنتاج, وفق متوالية حسابية. ويخلص مالتوس إلى أن العالم سيواجه أزمات خطيرة لاختلال في معادلة التكاثر والإنتاج. النظرية، وبالرغم من النقد الذي طالها، ما زالت تصلح لفهم ضرورة الموازنة بين التكاثر والإنتاج، وهذا أيضا ينطبق بطريقة أو بأخرى على الماء.
«المياه في عالمنا العاطش» هو العنوان الرئيس على غلاف مجلة ناشيونال جيوغرافيك لشهر نيسان (أبريل) من العام الجاري، والمجلة متخصصة في زيادة ونشر المعرفية الجغرافية. وفي العدد الأخير لها، خصصت المجلة كامل صفحات المجلة 180 صفحة لموضوع المياه على كوكب الكرة الأرضية مركزة على ما يسميه المحرر بالدراما التي تقف خلف الأرقام، وهو ما يعد بمنزلة التزام من المجلة ومن جمعية الناشيونال جيوغرافيك لبحث عالم المياه بشكل مستمر.
الموضوع الأهم هو أن نقص المياه مسألة لا تخص أمة بعينها دون سواها, وإنما هو أزمة عالمية. صحيح أن كثيرا من المقالات والتحليلات في الصحف ووسائل الإعلام تركز على التغيير في المناخ العالمي، غير أن هناك عديدا من دول العالم لم يعد لها مصادر للتزود بالمياه العذبة, ما يهدد صحة الإنسان, وما قد يخلق احتكاكات وصراعات, وربما حروب بين الدول.
فكثير من الاستراتيجيين يؤكد أنه, وكما كان النفط سببا للحروب في القرن الـ 20, فإن المياه ستكون سببا للحروب في القرن الـ 21. وبالفعل أصبحت المياه سببا للصراع بين الدول وبخاصة الدول التي تشترك في أنهر. فالدولة التي تسيطر على أعالي الأنهر تستطيع أن تتحكم بكمية المياه التي تضخ في النهر وبالتالي التي تصل إلى الدولة الأخرى التي تشترك معها في مجرى النهر. ففي إفريقيا وحدها هناك 50 نهرا، كل واحد منها يمر في أكثر من دولة، وهو ما قد يكون مصدرا لنزاع مستقبلي.
من هنا يجب التذكير بحقيقة أنه وبالرغم من أن المناخ أصبح المشكلة البيئية الأولى على مستوى العالم, إلا أن مشكلة النقص في المياه هو في أهمية مماثلة, لأنه أصبح يشكل تهديدا مباشرا وآنيا. ففي العقد الماضي كان هناك اعتقاد واسع بأن ما يقارب من ثلث سكان العالم سيواجهون مشكلة نقص حاد في المياه العذبة بحلول عام 2005. وهذا ما تحقق بالفعل، فهناك ما يقارب من مليارين من سكان الأرض يعيشون في دول تعيش تحت ضغط متعلق بالمياه، وبحلول عام 2025, فإن ثلثي سكان العالم يمكن أن يعانوا من الضغط المتشكل نتيجة نقص المياه إلا إذا تم تغيير الاتجاه الحالي.
النقطة التي بحاجة إلى انتباه شديد هي حقيقة أن سكان العالم تزايدوا في القرن العشرين بمعدل ثلاث مرات، كما أن معدل استهلاك المياه في الفترة ذاتها تضاعفت سبع مرات، وبعد أن يضاف ثلاثة مليارات نسمة بحلول عام 2050، فإن البشر سيحتاجون إلى زيادة 80 في المائة في المياه لتكفي لتغذيتهم، واللافت أن لا أحد يعرف من أين ستأتي هذه الزيادة. فالمشكلة هي أن هناك طلبا زائدا ومتزايدا على المياه العذبة في حين أن العرض إما قليل أو في تناقص.
قضية تزويد المياه تعاني مشكلات متكررة مثل إزالة الغابات وانجراف التربة في الجبال والمرتفعات، كما أن هناك نفاذا خطيرا ونضوبا للمياه الجوفية لأن المياه تستخرج من هذه الأحواض المائية لأغراض الصناعة والزارعة. وطبعا تستهلك الزراعة ما يقارب 70 في المائة من استهلاك المياه لأن الزراعة الصناعية تتطلب كميات مياه كبيرة، فمثلا أنت بحاجة إلى ثلاثة أمتار مكعبة لإنتاج كيلو واحد من الكورنفلكس، و15 مترا مكعبا من المياه لإنتاج كيلو من لحم البقر وذلك لأن الأبقار تتغذى على الحبوب. وأكثر من ذلك، الكثير من المياه السطحية تتعرض للتلوث وهي بالتالي غير قابلة للاستهلاك البشري، فالمياه الملوثة تسبب مشكلات صحية لا حصر لها، فملايين البشر يموتون سنويا بسبب الأمراض التي تسببها المياه الملوثة.
كما أن كميات المياه المعروضة تتعرض لمشكلات نتيجة التغير في المناخ، فالاحتباس الحراري يؤدي إلى تسريع ذوبان الأنهار الجليدية ومن ثم لن يكون هناك الكثير من هذه الأنهار في المستقبل. فمثلا هناك أنهار جليدية في منطقة الهملايا تغذي الأنهر الكبيرة في الهند والصين وجنوب شرق آسيا. غير أن الانكماش في الأنهار الجليدية في هذه المنطقة سيفضي في نهاية الأمر إلى كارثة بيئية لا مناص منها.
الإحصاءات والأرقام التي أوردتها المجلة مثيرة للغاية، فمثلا، ما يقارب 70 في المائة من المياه العذبة في العالم هي في الجليد، في حين أن أغلبية المياه المتبقية موجودة في أحواض جوفية تحت الأرض، حيث نقوم باستهلاكها بمعدلات تتجاوز نسبة التعويض الطبيعية، ويستخدم ثلثا المياه في نمو الطعام والزراعة، كما أن هناك ما يقارب 83 مليون نسمة زيادة سنوية في عدد سكان العالم ما يعني أن الطلب على المياه سيستمر في الارتفاع إلا إذا غيّرنا من الطريقة التي نستخدم فيها المياه.
وتفيد الإحصاءات أن معدل استهلاك البيت الأمريكي من المياه 400 جالون من المياه يوميا، وهناك الملايين من السكان الفقراء يعيشون على أقل من خمسة جالونات في اليوم. كما تبين المجلة أن هناك ما يقارب 46 في المائة من سكان العالم لا توجد في بيوتهم مياه موصلة بالأنابيب، وأن النساء في العالم الثالث تمشي ما يقارب 3.7 أميال لجلب المياه، كما أنه في خلال 15 عاما فإن مليارا وثمانمائة مليون نسمة سيعيشون في مناطق تعاني نقصا حادا في المياه. واحد من كل ثمانية أشخاص ليس لهم فرصة الحصول على ماء نظيف، وفي كل عام يموت ما يقارب 3.3 مليون شخص بسبب مشكلات صحية تسببها المياه، وبالتالي غسل اليدين بالصابون يمكن أن يقلل بمعدل 45 في المائة من مرض الإسهال.
العدد الحالي للمجلة يتناول التحديات التي تواجه البشر فيما يتعلق بموضوع المياه. ويحتوي على عديد من المقالات التي تتناول مواضيع وجوانب مختلفة من موضوع المياه في العالم. وهناك مادة خاصة بالمياه في الشرق الأوسط حيث تبين المقالة الخاصة بهذا الموضوع أن نهر الأردن، على وجه التحديد، كان سبب نزاع دائم بين العرب والإسرائيليين خاصة في سنوات الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وهذا النهر تأثر كثيرا بسبب الجفاف والتلوث والاستخدام الزائد عن الحد، ويتساءل التقرير فيما إذا كان النضال من أجل إنقاذ النهر سيشكل طريقا نحو السلام!
طبعا في الشرق الأوسط كانت وما زالت المياه الموضوع الحيوي وذلك لأن طبيعة المنطقة صحراوية وقليلة الحظ بالنسبة للأمطار. فبعد سنوات من الجفاف الذي عانى منه النهر الذي رافقته زيادة كبيرة في أعداد السكان في كل من إسرائيل وفلسطين والأردن، يمكن القول إن هذه الدول ستتنافس فيما بينها على مياه النهر.
غير أن النزاع المائي في الشرق الأوسط ليس محصورا على نهر الأردن، ففي اليمن على سبيل المثال، وكما ذكرت صحيفة الجارديان البريطانية في السابع والعشرين من شباط (فبراير) الماضي، هناك توقعات بأن العاصمة صنعاء ستعاني نقصا شديدا في المياه وأنها قد تنضب منها المياه العذبة في عام 2017. فمعدل استهلاك المياه في تلك المنطقة يفوق معدل التعويض بأربع مرات. في اليمن هناك 21 حوضا مائيا، منها 19 لم تملأ بعد بسبب الجفاف وزيادة الطلب على المياه. وتضيف التقارير المختلفة أن الوضع أصبح حادا لدرجة أن الدولة تفكر في نقل العاصمة والبدء في مشروع تحلية المياه وضخه بارتفاع 2000 متر تجاه العاصمة صنعاء. الكثير من الخبراء يؤكدون أن الشرق الأوسط تنضب مياهه، وبالتالي فالأرضية مهيئة لمزيد من الصراعات في المستقبل. وفي كتابه الأخير عن المياه، يصف ستيفن سلمون التوتر المرتفع على مشاركة مصادر مياه نهر النيل بين مصر وإثيوبيا.
ويتناول التقرير مشهدا عاشه كاتب التقرير حدث في تموز (يوليو) الماضي في نهر الأردن، فقد رأى ثلاثة علماء مياه من الأردن وفلسطين وإسرائيل غاطسين في النهر حتى ركبهم غير آبهين باحتمال تعرضهم لضربة شمس حيث الحرارة في تموز (يوليو) تكون مرتفعة جدا. وكان العلماء الثلاثة يقومون بمسح النهر أمام عدد من أصدقاء أرض الشرق الأوسط، وهي منظمة مجتمع مدني غير ربحية تكرس وقتها وجهدها لبناء السلام من خلال مشروع قيادة البيئة.
غير أن كاتب التقرير يعرج على قصة معروفة عن نهر الأردن وهي أن إسرائيل قامت بتحويل الجزء الأكبر من المياه إلى مدن إسرائيلية في حين قامت سوريا والأردن ببناء السدود، ولهذا السبب فإن الجزء السفلي من نهر الأردن محروم من المياه النظيفة وتحول إلى مكان استقبال النفايات. والنزاع حول نهر الأردن يوضح أن هناك إمكانات لتفجر الصراع على المياه في جميع مناطق العالم، فنحن نعيش على كرة أرضية اعتاد الناس على ضرب بعضهم البعض حول الأنهار لسنوات، ومن هنا فإن كلمة منافس بالإنجليزية (rival) هي مأخوذة من نهر بمعنى (river) أي التنافس على نهر أو مجرى مياه.
ومع أن التنافس على المياه هو أمر طبيعي يحدث بين الهند وباكستان وبين تركيا وسورية على نهر الفرات ومصر والحبشة على منابع نهر النيل .. إلخ، إلا أن هناك دراسة عن جامعة أروغين تفيد أن هناك 37 نزاعا مسلحا في العالم منذ عام 1950 على موضوع المياه فإن 32 من هذه النزاعات حدث في منطقة الشرق الأوسط، وهناك 30 نزاعا مائيا حدث بين إسرائيل وجيرانها العرب. ومن الطبيعي أن نقول إن النزاعات جرت على نهر الأردن ومنابعه وروافده وهي التي تزود الملايين من الناس ماء للشرب والزراعة.
والواقع يشير إلى أن المواجهات المسلحة على نهر الأردن تعود إلى إقامة دولة إسرائيل في عام 1948، فبقاء دولة إسرائيل كان يعتمد إلى درجة كبيرة على ضمان الحصول على مياه نهر الأردن الذي تقع روافده في سورية ولبنان ومياه مخزنة في بحيرة طبريا. كما أن الدول العربية المحيطة بنهر الأردن كانت تنظر لمياه النهر بالطريقة نفسها وبالتالي شكل موضوع المياه حد الحرب والسلم في المنطقة. وهناك من يشير إلى أن جذور حرب عام 1967 كانت في محاولة إسرائيل تحويل مياه نهر الأردن وعندما قامت سورية بالتدخل في مجرى نهر بانياس.
اللافت أن الخلاف والصراع على مياه نهر الأردن قد أدى إلى حوار، وهنا يشير جدعون برومبيرغ، أحد مديري جمعية أصدقاء الأرض في الشرق الأوسط، إلى أن ضرورة التشارك في مصادر مياه نهر الأردن هي أحد الطرق لتحقيق السلام لأنه يجبر الناس على أن يعملوا معا. وقد نسق الأردن مع إسرائيل في سبعينيات القرن الماضي بشأن مياه نهر الأردن حتى عندما لم يكن هناك معاهدة سلام بين البلدين. وما إن احتلت إسرائيل الضفة الغربية من الأردن في عام 1967 حتى قامت حكومة العمل الإسرائيلية ببناء عدد من المستوطنات في وادي الأردن، وقامت إسرائيل بحفر 42 بئرا ارتوازية عميقة في الضفة الغربية حتى تزود مدن إسرائيل بالمياه حسبما ورد في تقرير البنك الدولي لعام 2009.
ثم لا بد للإشارة إلى أن معدل استهلاك الفرد الإسرائيلي من المياه يفوق بأربع مرات الفرد الفلسطيني حيث يستخدم أغلبها لأغراض الزراعة. وبالرغم من ادعاء إسرائيل أن المستوطنين يستخدمون المياه أكثر من الفلسطينيين بمرتين فقط إلا أن المستوطنين يحصلون على مياه تكفي لملء برك السباحة وسقاية حدائقهم وري أميال كثيرة من الأرض الزراعية. في المقابل قامت إسرائيل بمنع الفلسطينيين من حفر آبار ارتوازية في أرضهم، لذلك يضطر الفلسطينيون لشراء ماء من إسرائيل بمعدل دولار واحد لكل يارد مربع.
تينا روزينبرغ كتبت مقالة بعنوان «عبء العطش» تتناول فيها قصة فتاة في إثيوبيا تساعد أمها على جلب الماء للمنزل واضطرت لترك المدرسة وهي في سن الثامنة من عمرها فقط لتساعد على عملية تدبير عملية تزويد المنزل بالمياه. ومع ذلك فإن الماء الذي تأتي به هو قذر وغير آمن للشرب.
وعملية نقل الماء من النهر إلى المنزل تحدد الكثير من مناحي الحياة لقطاع واسع من النساء في تلك المنطقة. وتذكر تينا روزنبرغ قصة بينايو التي تحمل على ظهرها الماء وتتسلق جبل لتصل إلى قريتها وتقوم بهذه الرحلة ثلاث مرات يوميا. المفارقة هي أنه في المناطق الغنية من العالم، كل ما يحتاج إليه المرء هو فتح الحنفية وعندها يتم الحصول على ماء نظيف صالح للشرب. غير أن هناك ما يقارب 900 مليون نسمة يعيشون على هذا الكوكب ليس لديهم فرصة الحصول على ماء نظيف، كما أن هناك ما يقارب 2.5 مليار نسمة يعيشون على كوكب الأرض وليس في جعبتهم طريقة آمنة للتخلص من الفضلات البشرية. وغياب الماء النظيف وعدم توافر الحمامات المناسبة وغياب الشروط الصحية في حدودها الدنيا يقتل ما يقارب من 3.3 مليون نسمة سنويا من سكان العالم وهم في أغلبيتهم أطفال أقل من خمس سنوات.
في إثيوبيا وفي كينيا لم ينزل المطر لسنوات متواصلة، وبالتالي الماء النظيف قليل جدا ومع ذلك تبقى مسؤولية جلب هذا الماء على عاتق النساء. وفي بعض المناطق لا يقوم الرجال بجلب الماء إلا عندما تلد نساؤهم ولمدة أسابيع قليلة، عندها ترى شبابا صغارا يجلبون الماء، وهؤلاء الأطفال لا يتجاوز عمرهم سبع سنوات أو ثماني سنوات، أما إذا قام الطفل بعد ذلك السن بجلب الماء عندها تكثر الشائعات في القرية تفيد بأن الأم كسولة! فسمعة المرأة تعتمد على العمل الشاق الذي تقوم به، وإذا جلست المرأة في البيت دون عمل فإن الناس لن يحبوها، لكن إذا ما قامت المرأة بالذهاب للنهر لجلب الماء وبشكل لا يخلو من العمل الشاق عندها تصبح المرأة ذكية وتقوم بعمل مضن.
وتصف كاتبة المقال رحلة لها شاهدت بأم عينيها كيف تجلب النساء الماء من الأنهر الملوثة وكيف ينعكس ذلك على الوضع الصحي للعائلات. وتروي في أحد فصول المقال عن امرأة لا تستحم إلا مرات معدودة في العام ولا تغسل ملابسها وملابس أطفالها إلا مرة واحدة في العام، وهذا الوضع ينعكس على صحة العائلة التي تصرف أكثر ما تحصل عليه من نقود على شراء أدوية لطفليها نتيجة تعرضهما للإصابة بأمراض مرتبطة بنقص المياه وتلوثها.
القرية الآن بصدد إقامة مضخة تضخ الماء من النهر إلى أعلى الجبل وعندها ينساب الماء إلى القرية بشكل طبيعي، وهذا العمل يشكل تحديا فنيا كبيرا لكن الأهم من وجهة نظر كاتبة المقال هو أنه هناك ثقافة سائدة وبالتالي التحدي الأكبر هو كيف يمكن تشجيع أن يحافظ الناس على النظافة وشروط الصحة ولو في حدودها الدنيا. ومع ذلك هناك عدد من المنظمات التي تعمل حديثا على مساعدة السكان للتغلب على تحدي المياه في القرية، وهناك منظمة حارس المياه التي بدأت تعلم الناس ضرورة غليان الماء قبل استخدامه وضرورة الاستحمام مرتين في الأسبوع على الأقل، وبالفعل بدأ الناس يتعلمون ضرورة تطبيق ذلك. ونتيجة لجهد هذه المنظمة ارتفعت نسبة من يستعملون مراحيض من 6 إلى 25 في المائة في المنطقة التي بدأت منظمة حارس الماء العمل بها في شهر كانون الأول (ديسمبر) من عام 2007.
ومع ذلك تشير كاتبة المقال إلى أن هناك عددا من التحديات من أهمها توفير المال اللازم لتمكين المنظمات المختلفة من مساعدة سكان القرية، أما في حال توفير المياه لتنفيذ عدد من المشاريع فهناك صعوبة في ضمان استدامة التمويل لهذه المشاريع الناجحة. فحتى مشاريع بناء مضخات للماء لسكان قرية ما بحاجة إلى أموال للصيانة، والمفارقة أن سكان القرية في إثيوبيا يشعرون بأن الماء هو هبة وهدية من الله وأن هناك شخصا آخر عليه أن يدفع تكاليف الصيانة وقطع الغيار.
وفي مكان آخر في العدد المخصص لموضوع المياه في مجلة «ناشيونال جيوغرافيك» لشهر نيسان (أبريل)، تناولت إليزابيث رويت مقالا بعنوان «آخر قطرة». فهي تروي قصة استخدام المياه في صحراء شمال نيو مكسيكو، وتقول إن لويس بيب تستحم فقط ثلاث مرات في الأسبوع وتقول باستخدام أكواب الشاي مرات عديدة دون غسلها، وتقول أنها تستخدم المياه بشكل قليل لأن الكرة الأرضية تموت وتجف وهي لا تريد أن تكون جزءا من الخراب. لكن هناك ما يشير إلى أن أيام الحصول على ماء وفير ورخيص في طريقها لأن تصبح ماضيا، لكن هذا لا يعني أن الكرة الأرضية في طريقها للنضوب، فهناك ما زال كثير من مصادر المياه غير أن هناك حاجة ماسة لحل المشاكل المائية، كما يقول بيتر غليك، رئيس معهد الباسيفيك، وهو معهد غير ربحي معني بقضايا البيئة. وحسب بيتر غليك المشكلة تتمثل بكم من الألم يمكننا تجنبه في طريقنا لأن نكون ما نريد أن نكون. ويقول غليك إن هناك طريقتين للوصول إلى ذلك: فهناك طرق صعبة يمكن أن توصلنا إلى حل وهي طريق تركز وبشكل مقصور على طرق لتطوير المصادر المائية مثل توسيع السدود والقنوات الناقلة للمياه مسافات طويلة. غير أن هناك طريقا أنعم يميل إليها غلين، فهو يقول إن هناك مقاربة أعم وأشمل تستند إلى حفظ الماء والفعالية والكفاءة وبناء بنى تحتية تخدم المجتمع .. إلخ. ويشير المقال إلى أن الصناعة هي أيضا تتأقلم مع حقيقة أنه لا يوجد يقين متعلق بتزويد أو لنقل بعرض المياه. فشركة فريتو لي في ولاية أريزونا تقوم بإعادة تدوير كل الماء في محطتهم في كسا غراند، كما أن كوكا كولا تقوم بتنظيف الغبار من الحوايات باستخدام ضغط الهواء بدلا من الماء كما كان معهودا، كما تقوم شركة محرك البحث جوجل باعادة تدوير مياهها لتبريد مراكز البيانات الضخمة. هذا التأقلم الصناعي هو في غاية الأهمية ومطمئن لكنه علينا أن نتذكر أن الزراعة التي تعتمد على الري تستحوذ على 70 في المائة من المياه العذبة التي يستخدمها الإنسان. وبسبب هذه الوضع التناسبي يمكن القول إن قطاع الزراعة وليس غيره يمتلك الإمكانات الأكبر للحفاظ على المياه. العدد المخصص للمياه هو ممتع للقراءة وبخاصة وهو مملوء بالقصص الشخصية التي تسلط الضوء على حال وواقع قطاع الماء على مستوى المعمورة. غير أن هناك حقائق تتعلق بقطاع المياه على مستوى الكون لا بد من دراستها جيدا حتى يتكون وعي كبير بهذه القضية التي قد تؤسس لصراعات مستقبلية ليس فيها رابح أو خاسر. فالحقيقة الأولى كما تراها منظمة الصحة العالمية هي أن نقص المياه وإن كان متفاوتا من إقليم لآخر إلا أنه أيضا يحدث في أكثر الأقاليم تعرضا لسقوط الأمطار، وبالتالي فإن الأهم هو معرفة الطريقة التي يحفظ بها الماء والطريقة التي يتوزع بها الماء في المجتمعات ولعل الأهم هو أن نعرف نوعية الماء المتوافر، عندها فقط يمكن تحديد كم من المياه متوافر وفيما إذا كان يكفي لمواجهة احتياجات ومتطلبات البيوت والمصانع والمزارع والبيئة. والحقيقة الثانية هي أن النقص في المياه يؤثر في واحد من كل ثلاثة أشخاص في كل قارة على سطح المعمورة، وهذا الوضع يتفاقم سوءا بسبب ارتفاع الاستهلاك والحاجة للماء المتوافق مع الزيادة السكانية وارتفاع استهلاك البيتي والصناعي. حقيقة ثالثة تتعلق بوجود خمس سكان العالم يقطنون في أماكن يكون فيها الماء قليلا، فربع سكان العالم يسكنون في دول نامية تعاني وتواجه نقصا حادا في المياه بسبب النقص في البنى التحتية لجلب الماء من الأنهر ومن الأحواض المائية.
باختصار، النقص في المياه يجبر الناس على الاعتماد على مصادر غير آمنة لتوفير ماء الشرب، وهو ما يعني استحالة القيام بالتنظيف اللازم لبيوتهم وملابسهم وما يترتب على ذلك من مشكلات صحية تضعف من قدرة المجتمع بشكل عام على مواجهة الأزمات فالنقص الحاد في المياه يعني من جملة ما يعني انتشار الأمراض مثل الإسهال والكوليرا والتايفويد والدوسنتاريا وكثير من الأمراض الأخرى. كما أن النقص في المياه يدفع الناس إلى تخزين الماء في بيوتهم وما يترتب على ذلك من تسمم في المياه وكثرة الحشرات مثل الناموس وغيره.
لكن أيضا ما يجب أن يركز عليه, إضافة لإيجاد مصادر جديدة للمياه العذبة وكيفية حفظ الماء هو نمط جديد من استخدام الماء العذب، وهذا يعني أن هناك نمطا من الاستهلاك المنزلي فيه كثير من الهدر والقليل من الفعالية وهذا لا يتم إلا ببرامج توعية تستهدف فئات من الناس وبخاصة في الغرب, التي تستهلك معدلات قياسية من الماء يوميا، فلا يعقل أن تستمر عائلة أمريكية باستخدام ما يقارب 400 جالون يوميا على الاستخدام المنزلي لأن في ذلك كثيرا من الهدر وهذا له علاقة بالثقافة السائدة أكثر من الحاجة الفعلية لهذا الكم الزائد على الحد لقضاء احتياجات البيوت.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*