الماء وتغيّر المناخ

سوف يشهد العالم تغيّر المناخ من خلال تأثيراته على المياه
مايك مولر
موقع الحكومة الأمريكية 29 مارس 2010

من الجدل إلى إجماع الآراء
تغيّر المناخ يجعل الناس يشعرون بالسخونة تحت ألبستهم أو الاستيقاظ من النوم وهم يتصببون عرقاً بارداً. أصبحت الحكومات في العالم الآن تقبل بأن تغيّر المناخ يشكل تهديداً خطيراً جسيما طويل الأمد على الصحة الاقتصادية والاجتماعية لبلدانها. ولكن من الذي سبب هذه المشكلة؟ ومن الذي يجب أن يعالجها، وكيف؟ ومن الذي يجب أن يدفع ثمن كل هذه الإجراءات اللازمة للحد من أثر تغيّر المناخ ومساعدة الناس على التكيّف مع تأثيراته؟
وافق الجميع تقريباً في المؤتمر الخامس عشر للشركاء في اتفاقية تغير المناخ 15 (COP-15) الذي عقد في كوبنهاغن في كانون الأول/ديسمبر 2009 على مسألة واحدة: وهي أنه سوف يتم الشعور بتأثيرات تغيّر المناخ من خلال المياه.
* خلال حفل الافتتاح، عرض المضيفون الدانمركيون فيلم فيديو مؤثر يظهر فتاة شابة تعاني بعض تأثيرات تغيّر المناخ مثل: الفيضانات، وذوبان الأنهار الجليدية، والأعاصير، والجفاف.
* واسترجع إيفو دي بوير، السكرتير التنفيذي لمعاهدة الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) ، بتأثر الشهادة التي أدلى بها نيي لاي، وهو صبي في السادسة من عمره فقد والديه وشقيقه الأصغر بعد أن جرفتهم مياه إعصار مدمر ضرب بورما في أيار/مايو 2008.
* وحذر راجيندرا باشوري، رئيس اللجنة الدولية للتغيرات المناخية التابعة للأمم المتحدة (IPCC) من أنه من المتوقع أن يتعرض، “في أفريقيا، بحلول العام 2010، ما بين 75 و250 مليون فرد لإجهاد المياه بسبب تغيّر المناخ، وأنه من المحتمل أن ينخفض الإنتاج الزراعي المعتمد على مياه الأمطار في بعض الدول في تلك القارة بنسبة تصل إلى 50 بالمئة.”
* وكما لخص الأمين ذلك العام للأمم المتحدة بان كي مون: “فالأدلة تهاجمنا: ذوبان القمم الجليدية القطبية، وزحف الصحاري، وارتفاع مستويات مياه البحر.”
إن الرسالة واضحة وجلية. فطريقة استعمالنا للطاقة قد تسبب حدوث تغيّر المناخ، ولكن العالم سوف يختبر النتائج من خلال المياه. إن طريقة إدارتنا للمياه سوف تشكل بعمق كيفية تكيفنا مع تغيّر المناخ. وسوف نكسب الكثير من المعرفة العملية من خلال دراسة وجهة نظر أولئك الذين يعملون في مجال المياه وينخرطون يومياً في مشاكل تقلبات المناخ.

تاريخ من إدارة عدم اليقين
القول المأثور “المناخ هو ما تتوقعه، الطقس هو ما تحصل عليه”، الذي كثيراً ما يُعزى إلى علماء الطقس، وضعه روبرت هاينلاين، مؤلف الروايات العلمية الخيالية، عام 1973،. إننا نقلق بخصوص الطقس في كل يوم: ونتساءل هل ينبغي أن أرتدي معطفاَ؟ هل يجب أن أحمل مظلة؟ هل يجب ري الحقول هذا الأسبوع؟ ولكن المناخ هو الذي يحدد توقعاتنا: هل يجب أن نركب نظام تدفئة مركزي؟ هل هذا الوادي مكان آمن لبناء المنازل؟ هل ستتمكن البلاد من إطعام نفسها؟
لقد سبق الواقع العلمي الخيال العلمي. وأصبح تغيّر المناخ يقوّض ثقتنا في تلك التوقعات. إنسَ الطقس، فلم نعد متأكدين بعد اليوم من المناخ الذي يجب ان نتوقعه.
ولكن المياه كانت دائماً مؤشراً جيداً لحالة الطقس والمناخ على حد سواء. ففي مصر الفرعونية كان الكهنة يرصدون مستويات مياه نهر النيل ليس لمجرد التكهن بما إذا سيكون المحصول وفيراً، بل وأيضاً لغرض عملي جداً ألا وهو تحديد مستوى الضرائب.
تُشكِّل سجلاتهم، وهي من بين أطول القياسات المستدامة لظاهرة طبيعية في أي مكان من العالم، مصدراً ثميناً لتاريخ المناخ. تظهر هذه السجلات أن التغير كان العامل الثابت الوحيد، فلم يكن أي فصل أبداً كالفصل السابق، ولم يتوافق أي تسلسل للفيضانات وحالات القحط والجفاف مع أي تسلسل آخر. وبالفعل، يحلل علماء الرياضيات ما يبدو انه سلوك عشوائي بتقنيات استمدوها من سجلات منسوب المياه في نهر النيل.
من خلال خبراتهم الطويلة الأمد في رصد أنماط الطقس ومنسوب وتدفق مياه الأنهار، طوّر المسؤولون عن إدارة المياه حسن فهمهم لكيفية التعامل مع المناخ. ولكن تغير المناخ يجبرهم الآن على إعادة النظر في نهجهم.

ارتفاع درجات الحرارة العالمية يتضخم في دورة المياه
لا تبدو المستويات المتوقعة لارتفاع درجة الحرارة العالمية، من درجتين إلى أربع درجات مئوية سنوياً بحلول العام 2100، أمراً هائلاً. ولكن تأثير ارتفاع درجة الحرارة سوف يتضخم في دورة المياه وفقاً لعدد من الطرق. فمتوسط درجة حرارة الأرض (15 درجة مئوية) يتيح التواجد المشترك لأشكال مختلفة من المياه، أي الجليد الصلب، أو السائل، أو البخار. أما الطاقة الإضافية التي تسبب ارتفاع درجة الحرارة الآن سوف تخل بذلك التوازن.
سوف تصبح أحداث الطقس، كالأعاصير الاستوائية، أكثر تكراراً بينما من المتوقع أن يصبح هطول الأمطار اشد غزارة، رغم أن بعض الأماكن سوف تتلقى معدل أمطار أقل. ومن المحتمل ان تصبح الفيضانات في المستقبل أوسع نطاقا، وأشد تدميراً، وأكثر تكراراً مما هي عليه اليوم.
ومع ارتفاع درجات الحرارة سوف يزداد التبخر. فإذا تجاوز التبخر كميات الأمطار الهاطلة سوف تصبح الأرض أكثر جفافاً. وفي المناطق القاحلة، سوف تمتص الأرض الجافة كميات أكبر من مياه الأمطار بدلاً من أن تنساب هذه الأمطار لتغذية الجداول والأنهار. وسوف تمتص التربة الأكثر جفافاً المياه وهي تتسرّب نحو الأسفل، الأمر الذي يقلل من إعادة تغذية الطبقات المائية الجوفية، أي المخازن الطبيعية للمياه تحت الأرض، ومن تدفق مياه الينابيع الطبيعية التي تغذيها.
التغيّرات في الغطاء النباتي في مناخ أكثر سخونة سوف تحول مياه الأمطار عن الأنهار وعن الطبقات المائية الجوفية الحيوية الأخرى. فنقصان المياه من التربة (خسارة المياه الإجمالية من التربة، بما في ذلك التبخّر المباشر من الأرض وتبخر الرطوبة من أوراق الأشجار ومن الأسطح النباتية الأخرى) ومن الغطاء النباتي الأكثر كثافة والأكثر غزارة قد يسحب كمية أكبر من المياه من التربة ويطلقها في الجو.
سوف تلحق هذه التأثيرات الناجمة عن التغيرات في درجات الحرارة عواقب وخيمة على المجتمعات الأهلية في كافة أنحاء العالم:
* مع أن المفروض ان تؤدي الزيادة في ثاني أوكسيد الكربون إلى تعزيز النمو النباتي، فسوف يهبط إنتاج الغذاء في أماكن عديدة مع انخفاض هطول الأمطار وحين يصبح هطولها بصورة متفرقة أكثر. و تعني التدفقات الأقل لمياه الأنهار توفر كمية أقل من المياه للري. ففي معظم أنحاء المكسيك، مثلاً، من المتوقع ان تنحسر المياه المتدفقة في الأنهار، وبحلول العام 2080 قد تعاني مناطق الري الرئيسية من انخفاض في كميات المياه تتراوح نسبتها بين 25 و50 بالمئة. وفي دول عديدة سوف يعقب الجفاف مباشرة جوع وفقر.
* وسوف تتأثر الصحة أيضاً. فمع ركود المياه الناتجة عن الأمطار الأكثر غزارة من المعتاد في المناطق الحارة، سوف يتكاثر البعوض الناقل لجرثومة الملاريا في مواقع جديدة. وفي نفس الوقت، سوف تنتشر الأمراض المنتقلة عبر المياه بعد ان يصبح من الأصعب والأكثر كلفة تأمين أنظمة ملائمة لإمداد مياه الشرب وللصرف الصحي في الدول الفقيرة.
* وسوف تزداد كوارث الفيضانات، وتلحق الضرر بمئات الملايين من الناس الذين يعيشون بالقرب من أنهار معرضة للفيضانات، وعلى سهول المياه الفائضة أو على دلتا الأنهار. يحذر باشوري من اللجنة الدولية للتغيرات المناخية التابعة للأمم المتحدة (IPCC) قائلاً: “سوف يعيش بليونان من الناس في مناطق يمكن أن يزداد فيها احتمال فيضان الأنهار بحلول العام 2080”. وسوف يتفاقم انغمار السواحل بسبب ارتفاع مستوى مياه البحر وذوبان المخازن الثلجية القطبية في العالم، وذوبان الجليد. كما ستمتزج مياه البحر المالحة مع إمدادات المياه العذبة الناتجة عن الأمطار والمياه الجوفية وتجعلها غير صالحة للاستعمال.
* ارتفاع درجات الحرارة سوف يخفض أيضاً كمية المياه المخزونة في حقول الثلج والأنهار الجليدية في جبال الهملايا والانديز والسلاسل الجبلية الأخرى. ومن المتوقع حدوث فيضانات أكثر مع ذوبان الجليد والثلج في مستجمعات المياه الجبلية. ولكن بعد ان تختفي هذه الاحتياطات المائية، سوف تحل محل هذه التدفقات الثابتة المنتظمة من المياه فيضانات خاطفة خلال الفصول الممطرة، والتي تقل قدرة التكهن بحدوثها. وسبب ذلك هو الهطول المتزايد لمياه الأمطار بدلاً من الثلوج. وسوف تضطر المجتمعات الأهلية القاطنة في أسفل مجاري المياه إلى إيجاد طرق جديدة لتخزين المياه التي كانت تطلق في السابق بصورة أكثر تدرجاً طوال الفصل الجاف.
سوف تكون آثار التلوث المتزايد أقل وضوحاً. يقول مهندسو الصرف الصحي إن “حل التلوث يكمن في التخفيف” بما ان الكثير من المياه المهدورة من المدن والصناعات تزيلها الأنهار وليس من الضرورة أن تلحق أي ضرر ببيئة الأنهار في حال وجود تدفق كافٍ من المياه. لكن تدفقات المياه المنخفضة في الأنهار لن تكون قادرة بعد الآن على القيام بوظيفتها هذه. وسوف تضطر المجتمعات الأهلية إما دفع مبالغ أكبر لمعالجة مياههم المهدورة أو تحمل التلوث المتزايد.

تحديات مائية أشد إلحاحاً؟
ورغم هذه المشاكل المتكررة، فإن مدراء وخبراء المياه في العالم لم يولوها في بادئ الأمر أولوية قصوى. ففي العام 2003، استنتج تقرير الأمم المتحدة حول تنمية المياه في العالم أن “تغيّر المناخ سوف يكون سبباً في حدوث نسبة 20 بالمئة تقريباً من الزيادة في ندرة المياه عالمياً.”
وأي شخص ملم بالقاعدة الإدارية 80/20 سوف يفهم الرسالة: لم تكن معالجة تغيّر المناخ رأس أولويات قوائم “الأعمال الواجب تنفيذها” لدى مدراء المياه. ويعود سبب ذلك إلى أنهم كانوا يواجهون عدداً أكبر من المشاكل الفورية. ففي مناطق واسعة من العالم يزداد استعمال المياه وفق مستويات أسرع من قابلية استدامتها، مدفوعة بالنمو السكاني والتنمية الاقتصادية. في نفس الوقت، فإن تلوث المياه يحد من صلاحية استعمال المياه الموجودة لدينا.
عندما تؤخذ المياه مباشرة من الأنهار، تصبح حالات النقص واضحة بسرعة مع شكاوى القاطنين في أسفل مجاري الأنهار بأنهم لم يعد لديهم كمية كافية من المياه. ولكن عندما تسحب المياه من الطبقات الجوفية، لا يدرك المستعملون بأنهم يسحبون من “الرصيد المصرفي” لمياههم. فتهبط طبقات المياه الجوفية بدرجة أسرع من إمكانية إعادة تغذيتها، وذلك بدءاً من غرب الولايات المتحدة وصولاً إلى الهند والى الشرق الأوسط.
يشكل التوسع الحضري تهديداً آخر، ليس فقط لأن سكان المدن المتوسعة بسرعة يطلبون كميات أكبر من المياه لعائلاتهم. ففي أحيان كثيرة، ولا سيما في الدول النامية، تلّوث مياه المجاري من المدن الموارد المائية على حساب المستخدمين القاطنين في أسفل مجاري الأنهار الذين يتوجب عليهم إما إنفاق مبالغ كبيرة لمعالجة الأمر، أو إيجاد مصادر أخرى، أو المخاطرة باستعمال هذه المياه الملوثة.
كما تطرح التنمية الاقتصادية تحديات إضافية. الرخاء يغير الأنظمة الغذائية ويتطلب كميات أكبر من الأغذية والمياه لإنتاجها. والتكنولوجيات الجديدة تولد أنواعاً أخرى من التلوث.

لم يعد المستقبل كما كان عليه
أعاد مدراء قطاع المياه دراسة أولوياتهم. وأحد الأسباب لذلك ان بعض الأعمال الهادفة إلى تخفيف تأثير تغيّر المناخ كانت بحد ذاتها تهدد الدورة المائية ومستخدمي المياه. شكَّل التوسع في إنتاج الوقود البيولوجي مثالاً جيداً. وقد حدد خبراء المياه بالفعل مسألة توفير “المياه الكافية لإنتاج الغذاء” على أنه يشكل تحدياً رئيسياً في القرن الحادي والعشرين. فإذا بالغذاء، قد بات عليه أن يتنافس مع محاصيل الطاقة على المياه النادرة.
توفر الطاقة المائية بصورة مماثلة فوائداً حقيقية ولكنها تفاقم حدة التنافس على موارد المياه. وكمصدر لا يثمن للطاقة المتجددة، تستطيع عملية إعادة توجيه المياه عبر توربينات ومن ثم إرجاعها إلى البحر ان تساعد أيضاً في الكفاح ضد تغيّر المناخ. ولكن تدفقات الأنهار غير المؤكدة تهدد مدى الاعتماد على الطاقة المائية حتى عندما تفرض  الأسعار العالية للطاقة المتجددة تحويل الموارد المائية المحدودة عن الاستعمالات الأخرى.
لكن التحدي الأشد خطورة يتمثّل بفقدان القدرة على توقع المناخ. لم يعد بإمكان مدراء المياه استعمال أحداث الماضي للتكهن بالمستقبل. وهذا أمر حاسم لأن إدارة المياه تتطلب تاريخياً اتخاذ قرارات طويلة الأمد حول البنية التحتية الرئيسية التي بُنيت نموذجياً لتدوم خمسين أو حتى مئة سنة.  كانت التصاميم السابقة تفترض ان أحوال المناخ ستكون ثابتة وان العواصف سوف تحدث بنفس التكرار والقوة وتسبب نفس أشكال الفيضانات. كما تمَّ التصور بأن حالات الجفاف سوف تنتج أنماطاً مماثلة لما سبقها. وقد تم تصميم كافة أشكال البنية التحتية، من السدود الكبيرة إلى محطات توليد الطاقة الكهربائية المائية، ومن أنظمة إمداد المياه إلى مدارج المطارات ومصارف المياه في شوارع المدن، استناداً إلى هذه الافتراضات.
كانت التصاميم تستهدف تحقيق مستويات مخاطر مقبولة لدى مستعمليها. فقد يتمكن المزارعون من العيش اعتماداً على ما يزرعونه من محاصيل سنوية ومواجهة حالة فشل واحدة كل خمس سنوات، ولكن بساتين أشجار الفاكهة الدائمة تفرض ان تكون إمكانية الاعتماد عليها أكبر. ومن المحتمل ان يقبل المستخدمون المحليون في المجتمعات الأهلية المزدهرة القيود المفروضة على استعمال المياه لري بساتينهم ولكن لن يقبلوا القيود المفروضة على إمدادات المياه الأساسية إلى منازلهم. فيما يخص الصناعات الاستراتيجية مثل إمدادات طاقة إلى شبكة الكهرباء القومية لا يمكن قبول حالات الفشل التي تحصل أكثر من مرة واحدة كل 200 سنة.
وقد ساعد المهندسون وعلماء المياه، على سبيل المثال، في تحديد قوة حواجز الفيضانات المطلوبة للصمود أمام كافة الأعاصير، ما عدا الإعصار الذي يحدث مرة كل “100 سنة”، وذلك من خلال تطوير نماذج معقدة للتوقعات تستند إلى سجلات تاريخية لهطول الأمطار وتدفقات الأنهار. ولكن هذه التقنيات لن تنجح في حال لم يتبع الطقس في المستقبل الأنماط السابقة. إذ يتطلب التصميم الأحوال المناخية “غير الثابتة” تقنيات جديدة، والتخطيط لسيناريوهات جديدة، بحيث تطرح أسئلة مثل “ماذا لو”، وتبني أنظمة صامدة تستطيع أن تتأقلم مع التغيرات غير المتوقعة.

في الواقع، بدأ المستقبل في الوصول
توقعت اللجنة الدولية لتغيّر المناخ التابعة للأمم المتحدة (IPCC) بثقة عالية أنه يمكن “تصور معاناة العديد من المناطق القاحلة وشبه القاحلة (مثلاً، حوض البحر المتوسط، وغرب الولايات المتحدة، وأفريقيا الجنوبية، وشمال شرق البرازيل) بسبب الانخفاض في عدد الموارد المائية الناتجة عن تغيّر المناخ.”
يشرح مارتن دي ويت وجاسيك ستانكيوفيتز، وهما عالمان يعملان في “شبكة مراصد الأرض الأفريقية” الموجودة في كيب تاون، كيف انه في حال حصول انخفاضات متوقعة في كميات هطول الأمطار، سوف تتوقف الأنهار الدائمة عن التدفق لجزء من السنة عبر نسبة 25 بالمئة من أفريقيا.
وقد بدأت هذه التوقعات المستقبلية تتحقق في بعض الأماكن.
* استنتجت مؤخراً منظمة المياه التابعة للأمم المتحدة، وهي اتحاد يضم 26 وكالة دولية منخرطة في المسائل المائية، أن “تأثيرات تغيّر المناخ المتعلقة بالمياه قد بدأت تظهر على شكل حالات جفاف وفيضانات أكثر شدة وتكراراً.”
* لقد تغيّر سلوك الأنهار التي تغذيها حقول الثلج والأنهار الجليدية الموجودة على امتداد جبال الانديز في أميركا الجنوبية وجبال الهملايا في آسيا. وقد أبلغت دول تقع في أسفل مجرى الأنهار كبنغلادش عن حصول مجموعة مؤتلفة من الفيضانات وحالات الجفاف التي تضر باستقرار اقتصادها.
* كانت حكومة ولاية كاليفورنيا قد حذرت من أن: “تغيّر المناخ بدأ يؤثر على كاليفورنيا؛ حيث ارتفعت مستويات مياه البحر بمقدار سبع بوصات على طول ساحل كاليفورنيا خلال القرن الماضي، الأمر الذي زاد من انجراف التربة والضغط على البنية التحتية للولاية، وعلى إمداداتها المائية، ومواردها الطبيعية. كما شهدت الولاية أيضاً ارتفاعاً في متوسط درجات الحرارة، وحصول أيام حارة للغاية أكثر، وليالي باردة أقل، وإطالة في الموسم الزراعي، وتحولات في الدورة المائية مع انخفاض في تساقط المياه خلال فصل الشتاء على شكل الثلوج، والذوبان في مياه الثلوج، وانصراف مياه الأمطار في وقت مبكر من السنة.”

وجهات نظر عملية واستجابات مبتكرة
تختلف الموارد المائية واستعمالات المياه بدرجة كبيرة بين البلدان وحتى ضمنها. لا تستطيع أية مقاربة فردية ترمي إلى إيجاد حلول سريعة أن تساعد كل دولة على التكيّف مع المستقبل. ولكن بدأ يظهر نمط مشجع من الابتكار المحلي والإقليمي.
* تُشكِّل استراليا التي اكتسحتها مؤخراً الفيضانات، وحالات من الجفاف، وحرائق الغابات والتي تواجه حالات حرجة من النقص في إمدادات المياه إلى المدن، مثالاً وثيق الصلة بتغيّر المناخ. وقد قامت مدينة بيرث بزيادة إمدادات المياه لديها باستعمال محطات لتحلية المياه تعمل بطاقة الرياح، وفي نفس الوقت يسعى قانون إصلاح المياه الذي أصدرته الحكومة الفدرالية إلى تغيير العادات وجعل استعمال المياه متماشياً مع انخفاض توفرها في البلاد.
* أصبحت الصناعات، بدءاً من قطاع الأغذية والمشروبات وصولاً إلى قطاع الطاقة والمناجم، تجد طرقاً لتخفيض استعمال المياه ودرجة التعرض لأخطار تغيّر المناخ. ويتم تبريد محطات توليد الطاقة الحرارية الجديدة في جنوب أفريقيا بطريقة جافة من خلال استعمال كمية 0.1 ليتر من الماء فقط لإنتاج كل كيلو واط/ساعة من الكهرباء بالمقارنة مع استعمال المحطات المبردة بالمياه التي تستخدم كمية 1.9 لتر لإنتاج نفس الكمية.
* كتب توماس لوستر، من دائرة المخاطر الجغرافية في شركة إعادة التأمين في ميونخ، ان صناعة التأمين تعمل على فهم الاوضاع المستقبلية للمناخ وقال، “بالنسبة للشركات التي تتموضع بمهارة، من المحتمل ان توفر تأثيرات تغيّر المناخ أيضاً فرصاً جديدة لها نظرا لأن الطلب على التأمين ضد المخاطر الطبيعية الجديدة سوف يزداد”. وفي نفس الوقت، تختبر دول فقيرة كإثيوبيا مشاريع تأمين ضد الجفاف من أجل ضمان استطاعة المجتمعات الأهلية على إطعام نفسها خلال حالات القحط الكبرى.
* تبين الولايات المتحدة كيف يجب ان تأتي الاستجابات من كافة المستويات والمجموعات ذات المصلحة:
(1) تقوم مجموعة عمل ضمن “فريق المهمة للتكيّف مع تغيّر المناخ”، المشكل بين وكالات الحكومة الفيدرالية، بإعداد توصيات لتخطيط وتطبيق أعمال التكيف لمواجهة تأثيرات المناخ على الموارد المائية. وتركز مجموعة عمل ثانية اهتمامها على “الصمود الدولي” وكيف تستطيع الحكومة الأميركية ان تدعم جهود التكيّف الدولية.
(2) وضعت ولاية كاليفورنيا أهدافاً مائية محددة في استراتيجية العام 2009 للتكيف مع المناخ: “يتوجب على كاليفورنيا تغيير طريقة إدارتها للمياه ولاستعمالاتها لأن تغير المناخ من المحتمل أن يخلق تنافساً أكبر للحصول على إمدادات المياه المتجددة التي تحتاج إليها البيئة، والزراعة، والمدن. …يتوجب على الوكالات التابعة للولاية أن تطبق استراتيجيات لتخفيض استعمال المياه للفرد الواحد بنسبة 20 بالمئة بحلول العام 2020، والتوسع في تخزين مياه الأمطار والمياه الجوفية، ودعم الكفاءة في استعمال المياه الزراعية.”
(3) تدعم الجمعية الأميركية للمنشآت المائية، التي تمثل مرافق المياه الأميركية العامة، “تطوير نماذج عالمية للمناخ والأدوات المترافقة معها تكون مهذبة بدرجة أفضل من أجل تحسين فهم هذه التأثيرات وعلاجها على نطاق وثيق الصلة بالمرافق المائية العامة، وتطوير بصمات التأثير على المياه من أجل مساعدة المرافق العامة على تحديد الأولويات للتكيف والتخفيف المتعلقين بتغيّر المناخ.”

الخلاصة: من دون ندم
هناك إجماع في الرأي بارز بين مدراء وخبراء المياه يفيد بأنه بينما لا نستطيع اليوم توقع تأثيرات المناخ التي سوف تحصل خلال القرن التالي، فإننا متأكدون بأن العديد من هذه التأثيرات سوف تمر من خلال الدورة المائية. ولذلك يتعين أن تدار إدارة المياه على أفضل وجعل أنظمة المياه أكثر صموداً.
“الشراكة العالمية للمياه”، وهي شبكة دولية تضم أفراداً ومنظمات يعملون على تحسين إدارة الموارد المائية، أوجزت المسألة بالقول: “الإدارة الأفضل للمياه اليوم سوف تبني عالماً أكثر صموداً غداً. يجب اعتبار استثمارات اليوم في أمن المياه كجزء واضح من استراتيجية التكيف الطويلة الأمد.”

مايك موللر هو الرئيس المشارك لمجموعة خبراء المؤشرات، وعمليات الرصد، وقواعد البيانات لبرنامج  تقييم الماء في عالم الماء التابع للأمم المتحدة، وهو عضو في اللجنة الاستشارية الفنية لدى شبكة “الشراكة العالمية للمياه.”كما أنه مهندس محترف مسجَّل، وقد ساهم مؤخراً في تحرير كتاب “الإدارة المتكاملة للموارد المائية في الممارسة: إدارة أفضل للمياه من اجل التنمية” (ايرثسكان 2009).

2 Comments

  1. Mohamed Bashir

    دور الإعلام في زيادة التوعية بالمخاطر المستقبلية للمياه
    وضع آلية جيدة لصرف كل قطرة من المياه

    Reply
  2. Maria

    شكرا افدتمونا

    Reply

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*