هل سنموت عطشاً؟.. نعم

هل سنموت عطشاً؟.. نعم
غسان عبد الهادى ابراهيم
الحوار المتمدن: 26\4\2006

ينشغل رجال السلطة فى العالم العربى بقضايا السياسة والحرب فى العراق والقضية الفلسطينية وتهديدات الولايات المتحدة الامريكية لمناصبهم بحجج الديمقراطية ومحاربة الارهاب، بالاضافة الى مشاكل اقتصادية تتمثل فى الانفتاح على العالم وتبنى سياسات السوق الحرة والى ما هنالك من القضايا الشائكة، بينما يواجه العالم العربى كارثة جفاف شديدة تحدق بمستقبل بقاء الامة العربية واجيالها.
والحال، فان مشكلة نقص المياه قضية لا تقل عن باقى المشاكل التى تشغل اذهان رجال السلطة وربما تزيد اهمية وخطورة عن أى مشكلة أخرى بسبب طابعها الذى يهدد، ما لم تتوفر العلاجات السريعة، كل وجه من وجوه الحياة، مما يجعلها تأتى فى سلم اولويات المشاغل.
ويقول “مركز التنمية للإقليم العربى الأوروبي” أن معظم الدول العربية تعانى من ندرة المياه وتعتمد الدول العربية بنسبة 65% على الموارد المائية من خارج حدودها، كما بلغ عدد الدول العربية التى تقع تحت خط الفقر المائى 19 دولة منذ بداية العام الحالى نتيجة لازدياد عدد السكان وقلة نصيب الفرد من الموارد المائية عن ألف متر مكعب، وهو المعدل الذى حددته الأمم المتحدة لقياس مستوى الفقر المائى للدول. كما بلغ عدد السكان العرب المحرومين من خدمات مياه الشرب النقية بنحو 50 مليون نسمة يضاف إليهم 80 مليون نسمة أخرى محرومون من خدمات الصرف الصحي.
كما لم تتجاوز سعة الموارد المائية المتاحة فى العالم العربى من مياه جوفية وسطحية 850.371 بليون متر مكعب يتم استخدام 82.208 بليون متر مكعب منها سنوياً، وتقع معظم الدول العربية تحت خط الفقر المائي. ففى عام 1960 كان استهلاك الفرد فى المنطقة للأغراض المختلفة يناهز 3300 متر مكعب سنوياً، أما اليوم فحصة الفرد لا تتجاوز 1250 متراً مكعباً فى السنة، وهى أدنى كمية متوافرة للفرد. وينتظر أن تصل هذه النسبة إلى 650 مترا مكعبا فى بداية العام المقبل بمعنى أن تكون معظم الدول العربية وربما جميعها “تحت خط الفقر المائي”.
وهذا يعنى أن هناك أزمة مياه عميقة وشديدة الخطر موجودة فى الدول العربية، وهى أكثر وضوحا فى دول الخليج العربي، وحسب الموارد المائية المتاحة لعام 2015 فإن المياه الجوفية ستشمل 7.2 بليون متر مكعب ومياه التحلية ثلاثة بلايين متر مكعب وإعادة استخدام مياه الصرف الصحى ثلاثة بلايين متر مكعب والمياه السطحية 8.3 بليون متر مكعب، وبالتالى كل هذه الموارد المائية لن تكون كافية لتلبية ادنى متطلبات الحياة اليومية من المياه.
ويتوقع تقرير صادر عن البنك الدولى أن يشهد مؤشر حصة الفرد مزيداً من الانخفاض إلى حوالى 50 مترا مكعبا عام 2025، وان المنطقة ستعانى من عجز مائى يصل الى 291 بليون متر مكعب بحلول عام 2030، مع العلم أن عددا من دول المنطقة دخل فعليًا فى مرحلة الندرة الشديدة، كما هو الحال فى اليمن والأردن والضفة الغربية وقطاع غزة وغيرها.
وأشارت دراسات حديثة للأمم المتحدة إلى أن دول مجلس التعاون الخليجى تحتل مراكز متقدمة من بين عشرين دولة -معظمها من الدول العربية- تعانى من نقص مزمن فى المياه.
وتشير هذه الدراسات إلى أن كمية المياه المستخدمة سنويًا من مختلف المصادر فى دول الخليج العربى فى تزايد مستمر؛ حيث تبلغ نسبتها للأغراض البشرية 11 بالمائة و 2 بالمائة للأغراض الصناعية. ويزيد من حدة أزمة نقص المياه، التى يمكن أن تواجهها منطقة الخليج، أن تلك المنطقة تعانى من جفاف فى أغلب فصول السنة، ومن قلة وعدم انتظام تساقط الأمطار، وانخفاض المناسيب.
ويقول الدكتور صالح بكر الطيار رئيس “مركز الدراسات العربية” أن قضية المياه لها شق سياسى يتعلق بدول الجوار وخاصة تركيا وإسرائيل وبعض الدول الأفريقية. فإسرائيل تسيطر على الينابيع المتجددة فى الاراضى المحتلة والجولان وجنوب لبنان وقد سحبت مياه بحيرة طبريا كما سيطرت على مياه نهرى الليطانى والحصباني، ومدت أنابيب بطول 2 كم لنقل المياه لإسرائيل، وكذلك هناك أزمة مائية بين دول العراق وسوريا، وتركيا التى تسعى إلى استغلال مياه دجلة والفرات واستهلاك قدر أكبر من حصتها، من خلال تنفيذ مشروع “غاب” الذى يتضمن بناء 21 سداً سعة تخزينها حوالى 186 بليون متر مكعب وذلك على حساب حصة سوريا والعراق”.
ويقول أحمد السيد النجار الخبير الاقتصادى بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية: إن الماء أصبح ضرورة استراتيجية وأنها منذ القدم تشكل مصدرا من مصادر الصراع والنزاعات ومن بين هذه الصراعات إقامة حدود مائية تعتمد فى المقام الأول على الحد المائى وليس على الأرض، واستخدمت فى ذلك مختلف السبل ومنها احتلال الأرض وسحب المياه من أنهار اليرموك ونهر الأُردن وبحيرة طبريا كما أدخلت مياه نهر الليطانى فى حساباتها، واحتلت جنوب لبنان واستولت على أكثر من 1290 مليون متر مكعب من مياه حوض الأُردن والليطاني”. ويضيف “أن قضية المياه مازالت محل صراع بين دول المصب العربية ودول المنابع، وتلك الصراعات تهدد الدول العربية بالوقوع تحت خط الفقر المائى وذلك نتيجة لخضوعها لمحاولات الاستحواذ التركية والإسرائيلية، وهو ما يتطلب مزيدا من التعاون العربى وتكوين استراتيجية عربية للمياه”.
لماذا علينا ان نصحو لهذه الازمة؟ وما الذى يحدث فى العالم العربى بحيث يسهم فى تفاقم المشكلة؟ وما هى مقترحات الحلول او على الاقل تخفيض وقع الكارثة؟
الكثير من التساؤلات قد يطرح عندما نرى خطورة اهمال هذا الموضوع، بالاضافة الى ما يترافق من مشاكل تسهم فى تعميق الازمة. ولعل من اهم هذه المشاكل هو عدد السكان وتزايدهم بنسب نمو تزيد عن باقى الامم على سطح الارض. فعدد السكان فى العالم العربى حوالى 310 مليون نسمة ونسبة النمو اكثر من 3% ومن غير المتوقع ان تحافظ هذه النسبة على مستواها بل ستزيد ومما سيترتب عليه زيادة عدد السكان الى حوالى 400 مليون نسمة عام 2015 ثم الى 500 مليون نسمة عام 2020. ولا يجب ان ننسى ان نسب الوفيات منخفضة وان معدل متوسط العمر ارتفع الى حوالى 66 سنة بعد ان كان 45 فى عام 1960. مما سيسهم فى زيادة مضاعفة فى عدد السكان فى العالم العربى الذى يعتبر من الامم الناشئة لان نسبة جيل الشباب عالية جداً. وبالتالى فان زيادة السكان تعنى زيادة الطلب على الماء ومن المعروف ان الموارد المائية محدودة جداً وهى فى طريقها الى النضوب.
ومن العوامل الاخرى التى ستسهم فى تفاقم الكارثة، هو عدم الاكتراث الشامل، بكل مستوياته، فالحكومات قد تنفق الكثير من الأموال على شراء أسلحة او اقامة استثمارات غير موثوقة العائد الا انها تتجاهل الاستثمار فى توفير المياه، او فى البحث عن “مصادر بديلة” للمصادر التقليدية. والمواطن العادى لا يدرك خطورة هذه الازمة طالما انه يرى ان بامكانه ان يشرب ويغتسل وان الماء متوفر فى بيته ومكتبه وعمله، وبالتالى فلن يبالى فى هدره باستخدامه بشكل غير عقلاني.
والمشكلة هنا، فى واحد من أوجهها على الأقل، هى مشكلة ثقافة يومية يجب ان تتحمل الحكومات ومؤسساتها مسؤولية اعادة توجيهها للتنبيه الى خطورة ما سنؤول اليه، وما هو الثمن الذى سيدفعه ابناؤنا لقاء هدرنا لهذه الثروة.
ويقول خبراء انه لابد من خلق هذه الثقافة لتكون جزءا من يوميات الانسان العربى تسهم فى تطويرها المدارس والجامعات والبلديات والمراكز الاجتماعية وغيرها ليصبح الاقتصاد فى استخدام المياه عادة اجتماعية تدفع الى احترام الاشخاص الذين يوفرون فى استخدام واستهلاك الماء من جهة، وعدم تقبل الذين يهدرون الماء والعمل على ايقافهم عند حدهم من جهة أخري. كما أنه من الضرورى أن تقوم الحكومات العربية بإعادة النظر فى طرق استخدام المياه، خاصة فى الزراعة، التى تستهلك حوالى 87 فى المائة من المياه العذبة المتاحة؛ وذلك بغية ترشيد الاستعمالات، والحد من الهدر والتصحر والملوحة، ومن التلوث الذى يصل فى بعض الحالات إلى حوالى 50 فى المائة.
ولابد ان تسعى الدول العربية الى تطوير وسائل الرى الزراعية لاستخدام تقنيات توفر هدر الماء فى اساليب الرى التقليدية بتبنى وسائل الرى بالتنقيط والرذاذ، والامتناع عن الزراعات التى تستهلك كميات كبيرة من الماء اذا امكن توفيرها من خلال الاستيراد بعد النظر الى سلم ومصفوفة الاولويات، اى معرفة ما اذا كانت تكلفة استخدام الماء لانتاج ذلك المحصول الزراعى اكبر من استيراده ام العكس؟ وهل الاهمية الاستراتيجية لهذا المحصول تستحق التضحية بالمياه المستهلكة لانتاجه؟ بناء على الجواب ربما يكون مفيدا اتخاذ قرارات بعدم زراعة بعض المحاصيل. ولا سيما ان استيراد بعض المحاصيل خير من استيراد المياه.
وقد ادى النمو الاقتصادى وتحسين الحالة المعيشية الى زيادة استعمال المياه وحتى الافراط فى استعمالها وانعكس تأثيرها أكثر فى 70% من المناطق التى تعانى من مشاكل المياه. تستعمل فى الدول المتحضرة حوالى 70% من المياه فى مجال الزراعة وحوالى 20% للصناعة وحوالى 10% للحياة المنزلية، بينما تستعمل المياه فى دول الشرق الاوسط مابين 85% والى اكثر من 95% للزراعة من مجموع المياه الموجودة والباقى منها مابين 5% ـ 15% تستعمل لأغراض الصناعة والحياة المنزلية.
ويقول خبراء انه لا بد من الاسراع باقامة محطات لتحلية مياه البحر والمياه غيرالعذبة لاستخدامها فى قطاعات الزراعة والصناعة على الاقل، بدلا من هدر الموارد المائية العذبة. ولا بد أيضا من الاسراع باقامة محطات تعتمد الطاقة النووية لتحلية المياه نظراً لرخص استخدامها على المدى الطويل ولاستقرار هذا المصدر للموارد المائية بشكل عام.
وقدرت كلفة مشاريع التحلية من عام 2000 ولغاية 2006- بحوالى 7.56 مليار دولار على الأقل؛ حيث تبلغ فى السعودية 2.9 مليار دولار، وفى الإمارات بنحو 2.2 مليار، فيما تتوزع المشاريع الباقية على كل من البحريين ومصر والكويت وعمان وقطر.
ويدفع التفاقم المتسارع لمشكلة نقص المياه الى الاسراع الى تبنى استراتيجية وطنية تراعى معطيات هذه الازمة وتبحث سبل حلها من خلال اقامة مراكز للابحاث ومعاهد وكليات جامعية لدراستها والتنبؤ بمستقبل الاحتياطات المائية من خلال أبحاث ميدانية تتبنى حلولا ومقترحات تتناسب وحال كل دولة عربية على حدة، وتستشرف مستقبل الموارد المائية فى حال تم استخدام الوسائل الحديثة التى تبنتها الدول المتقدمة.
الضرورة تتطلب ان ننظر بامعان لبرامج استخدام وتقنين المياه فى الدول الاوروبية التى تتعامل مع قضايا المياه بحذر بالرغم من كونها تعتبر من الدول الغنية بالموارد المائية الا انها مع ذلك تعقد المؤتمرات والندوات الدولية لمناقشة المخاطر الناجمة عن نقص المياه، وما هى المقترحات والبدائل المتاحة لمعالجتها؟ وكيف يمكن استخدام موارد مائية فى دول اخري؟ وهل من الضرورى عقد اتفاقات من الآن بخصوص توفير هذه الثروة المائية؟ ومتي..؟ واين..؟
ومن الواضح ان الدول ذات المياه الغزيرة تولى اهتماما كبيرا بالموارد المائية، وهى أقل حاجة لها، بينما لم يبدر الكثير من الاهتمام من الدول الفقرة بالموارد المائية بالرغم من انها تقف على اعتاب كارثة تصحر.
وربما تراهن بعض الحكومات العربية على ما لديها من ثروات، الا ان اتجاه هذه الثروات المحتوم نحو النضوب يضاعف أهمية المياه ويجعل أهميتها الاستراتيجية أكثر خطورة بما لا يقاس مع أى خطر استراتيجى آخر.
وقد تجعلنا الحاجة الى المياه من بين افقر الدول فى العالم، لنكون “صومال” واسعة تنتظر المساعدات.
كل المؤشرات تقول: اذا لم نتحرك الآن ونغير هذه المعطيات فاننا…”نعم”، سنموت عطشاً.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*