المياه، الأزمة خطيرة والحلول شحيحة

المتوسط اونلاين 7\3\2010

توالت في الأشهر الأخيرة التحذيرات من التغيرات المناخية التي ستهز العالم في العقود المقبلة، وتأتي المنطقة العربية في صدارة الأقاليم المتضررة، وفضلا عن تعدد بؤر التوتر فيها، إلا أن كثيرا من القراءات الاستراتيجية ترجح أن تنفجر فيها أكثر من أزمة وحرب خلال الأربعين عاما المقبلة.
وفي الوقت الذي تتسارع فيه الجهود السياسية لحل النزاعات المزمنة، مثل المساعي الجارية لإحلال السلام في الشرق الأوسط عبر تسوية القضية الفلسطينية وإقامة دولتين، واحدة للفلسطينيين والثانية لليهود، يرجح كثير من المراقبين أن تندلع أكثر من حرب تدخل بالمنطقة إلى حقبة جديدة من الصراعات قد تكون أعنف من حروب فلسطين مجتمعة، ويأتي الصراع على مصادر المياه واحد من الفتائل الجاهزة للاشتعال في ثلاثة محاور على الأقل، الأول بين إسرائيل وجيرانها، والثاني في حوض النيل، والثالث بين الدول المطلة على الرافدين دجلة والفرات، وهذه الأنهار الكبيرة تنبع من خارج الوطن العربي مما يضاعف من حدة الأزمات مع دول الجوار.
وإلى الآن لا يبدو أن المجموعة العربية قد وضعت خطة مستقبلية للتعامل مع مفاجآت كهذه، كما لم توضع خطط طموحة للحد من انعاكاسات التغيرات المناخية التي بدأت تلوح في أفق المنطقة، على غرار العديد من المناطق في العالم.
وكانت دراسة قدمت إلى القمة العربية الاقتصادية الاجتماعية التي عقدت بالكويت في 19يناير 2009 قد حذرت من أن معظم الدول العربية، ستكون من أكثر دول العالم تأثرا بالتغيرات المناخية بسبب وقوع معظمها في المناطق القاحلة والمشاطئة للبحار والمحيطات، وافتقارها للمياه العذبة والتكنولوجيا الحديثة للأرصاد والوعي البيئي والكوادر المدربة.
واقترحت الدراسة إنشاء مركز إقليمي للتغيرات المناخية للتعامل مع تأثيرات التغيرات المناخية، وأشارت إلى مصر تعتبر واحدة من أكثر دول العالم تأثرا بسبب ارتفاع سطح البحر في العديد من المناطق المنخفضة في الدلتا.. وقد تؤثر التيارات البحرية على الإنتاج السمكي والشعاب المرجانية، كما تعاني السعودية من التصحر وندرة الموارد المائية (الأمطار) وتتأثر الزراعة والمناطق الساحلية التي تمتد 2450 كم على البحر الأحمر والخليج العربي وبارتفاع سطح البحر كما ستواجه الإمارات والبحرين ولبنان والمغرب والسودان نفس التحديات.
وحتى دول البحر المتوسط ليست بمنأى عن هذه المخاطر، إذ تواجه هذه الدول مخاطر متزايدة من ارتفاع مستوى البحر والتصحر، لعدة أسباب منها سنوات الجفاف المتلاحقة وغياب التنسيق بين بأقطار المغرب العربي بخصوص حماية البيئة، وحتى إن تم توقيع اتفاقيات ثنائية أو جماعية فقد بقيت حبرا على ورق ولم تر بعد طريق التنفيذ.
وكانت دراسة إسبانية قد حذرت العام الماضي من أن البحر المتوسط يتزايد بإضطراد وأنه قد يؤدي إلى “نتائج” كارثية إذا لم تتوقف تداعيات التغير المناخي في المنطقة.
وقالت دراسة لمعهد جغرافية المحيطات الأسباني إن مستوى المياه في البحر الأبيض المتوسط سيرتفع بمقدار نصف متر خلال الخمسين عاما المقبلة إذا لم يعالج العالم ظاهرة التغير المناخي، وأشارت إلى أن حوض البحر المتوسط قد شهد ارتفاعا في درجة حرارة الماء والهواء منذ بداية السبعينيات ثم طرأ ارتفاع سريع في مستوى سطح البحر خلال التسعينيات”.
كل هذه التحديات، لا تجد من الدول العربية أي تحركات فعلية لوقفها، بما يؤكد أن المعارك المتوقعة سواء للمحافظة على مواردهم الطبيعية أو ضد التغيرات المناخية، لن تأتي في صالحهم، وربما تضع وجودهم في موضع أخطر من الآن.
وتعتبر المناطق الحدودية الفاصلة بين الكيان الإسرائيلي ودول الطوق، خصوصا سوريا والأردن ولبنان، خط نار قابلا للاشتعال، وتلعب زيادة ندرة المياه والكثافة السكانية لدول المنطقة وحاجيات إسرائيل المتزايدة للموارد دورا كبيرا في اندلاع حرب وشيكة، حسب عديد المراقبين.
ولا يمنع اتفاق السلام المبرم بين الأردن واسرائيل من اندلاع نزاع بين الجانبين حول مياه نهر الاردن، الذي تحذر جماعات لانصار البيئة من أن هذا النهر يواجه خطر الموت بسبب برامج تحويل المياه، إذ أن 90 بالمئة من مياهه يتم تحويلها سنويا إلى اسرائيل والأردن وسورية.
وفي الشمال تبدو الجبهة بين إسرائيل ولبنان مرشحة بدورها للانفجار بسبب المياه، ويتداول الجيش الإسرائيلي منذ اندحاره عن جنوب لبنان عام 2000 سيناريوات محتملة للعودة والسيطرة على منابع نهر الليطاني والحاصباني الذين يعدان من رافد نهر الأردن.
ومن جانب آخر، بدأت في الفترة الأخيرة تتصاعد في حوض النيل، أزمة مياه حادة بين دول حوض النيل الأفريقية الـ 10 يضاف إليها إسرائيل أيضا، بسبب مطالب قديمة لدول منابع النيل السبع بإعادة توزيع أنصبة مياه النيل المقسمة في اتفاقية عام 1929 والتي تعطي لمصر بموجبها 55.5 مليار متر مكعب من المياه، الأمر الذي يهدد باندلاع حرب وشيكة، مع توالي التصعيد مع إعلان مصر رفضها توقيع “الاطار القانونى والمؤسسى لمياه النيل” لأن الدول الأفريقية الأخري رفضت الاعتراف بحقها القديم في حصتها من مياه النيل .
وتؤكد مصر أنه ليس في وارد سياستها القبول بأي تعديل للاتفاقيات السابقة، وفي هذا السياق يقول خالد حجازي المستشار الاعلامي لوزير الري والموارد المائية المصري إن مبادرة حوض النيل التي طرحتها مصر مرات عدة في أعوام 1984 و 1989 هي عبارة عن رؤية متكاملة للتعاون مع الدول العشر في حوض النيل تتضمن مشروعات مائية واستثمارية وتنموية وكهرومائية تخدم شعوب هذه الدول وتقلل من نسب الفاقد والمهدر من مياه النيل لافتاً إلى أن الإيراد السنوي لنهر النيل يصل الي 1665 مليار متر مكعب تستخدم مصر منها 4% فقط.
وفي الشرق توجد جبهة ثالثة وتتعلق بصراع محتمل حول مياه الرافدين دجلة والفرات، ورغم المحاولات الدبلوماسية للتسوية، إلا أن  الخلافات القانونية والسياسية بين دول الحوض ما تزال عالقة، وتتهم سوريا والعراق تركيا باتخاذ مواقف متعنتة تتعارض مع القانون الدولي ومعاييره الخاصة بقضية المياه.
وتعطي اتفاقيات تاريخية بين الدول الثلاث الحق النصيب الأكبر من المياه لسورية والعراق، إذ تبلغ حصتهما (%16.20 و%47.17) على التوالي من مساحة الحوض، مع الإشارة إلى أن سورية والعراق لا يوجد بينهما أي تنسيق بخصوص مياه الفرات أحد الرافدين.
وانعدام التنسيق بين سورية والعراق ينسحب على بقية الدول العربية، وعلى الرغم من توالي الدعوات إلى التنبه للمخاطر المحدقة جراء ندرة المياه، فإن شيئا من ذلك لا يبدو قيد الدرس على الأقل في الوقت الحاضر.
وقبل أيام أوصت دراسة حول التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة، الحكومات في منطقة الشرق الأوسط بضرورة توليد فهم أفضل للاستراتيجيات الكيفية الناجحة محليا وإقليميا، بهدف تنفيذ خطط نموذجية للتكيف مع التغيرات المناخية والحد من تأثيراتها السلبية قدر الإمكان.
وفي موضوع المياه، يقدر خبراء الاقتصاد أن الدول العربية تحتاج إلى استثمارات لا تقل عن 40 مليار دولار لتوفير المياه خلال السنوات العشر المقبلة، ومن المرجح ان تنفق الدول العربية واحدا بالمئة من اجمالي ناتجها المحلي سنويا لتأمين موارد كافية من المياه، وخاصة في المدن حيث التجمعات السكانية الكبرى.
ويعيش في الوطن العربي نحو 45 مليون شخص لا يحصلون على مصادر مياه نظيفة بسبب عدم كفاية الامدادات، وهم في معظمهم من الفقراء الذين يعيشون في المناطق النائية، أو في تجمعات سكانية حول المناطق الحضرية وهم الأكثر عرضة لانتشار الأمراض التي تنتقل عبر المياه.
وتساهم هذه المعطيات بشكل كبير في خلق أجواء من عدم الاستقرار حتى على المستوى المحلي داخل الدولة الواحدة، في حين أن الصراعات المحتملة مع أطراف من خارج الوطن العربي تكاد تكون شبه مؤكدة، ورغم ذلك لا يظهر ما يطمئن على حل المشكلة الأولى أو الاستعداد لمواجهة أي تهديدات يمكن أن تقطع شرايين المياه إلى الوطن العربي سواء بالحرب أو عن طريق اتفاقيات لا تأخذ بالحسبان التغيرات الاقتصادية والبشرية لبلاد يتوقع أن يبلغ عدد سكانها عام 2025 نحو 490 مليون نسمة.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*