الأمن المائي أهم من الأمن الغذائي

الأمن المائي أهم من الأمن الغذائي
فواز العلمي
الوطن 16 فبراير 2010

نحن في أمس الحاجة إلى خطة وطنية للأمن المائي، وتوفير الحلول الجذرية لمشاكل المياه في وطننا يجب أن تكون على قائمة أولوياتنا الملحّة. فالمياه العذبة في المعمورة لا تمثل سوى 3% من مجمل المياه بكافة أنواعها، منها 77% على هيئة جليد، و22% مياه جوفية، و1% فقط صالحة لاستخدام كافة شعوب العالم في الشرب والزراعة والصناعة.
وعلى الرغم من أن مساحة الوطن العربي تساوي 10% من مساحة اليابسة، إلا أن نسبة المياه العذبة المتوفرة لديه لا تزيد عن 1% من كافة المياه العذبة في العالم، ونسبة الأمطار التي تهطل عليه لا تزيد عن 2% مما تتمتع به مختلف أرجاء المعمورة. ومع ذلك فإن الوطن العربي يهدر 50% من موارده المائية وتتعرض 30% من أراضيه للتصحر الجائر، مما أدى إلى تصنيف 19 دولة من هذا الوطن، منها كافة الدول الخليجية، بأنها دول تقع تحت خط الفقر المائي.
وفي الوقت الذي تعتبر المياه الجوفية النابضة ومحطات التحلية المستوردة المصدر الرئيس للمياه العذبة في دول الخليج العربية، يستهلك القطاع الزراعي فيها 85% من هذه المياه، والصناعي 9%، ويذهب 6% فقط للاستخدام البشري. كما أنه في الوقت الذي لا تمتلك الدول الخليجية لمخزون استراتيجي آمن للمياه لمواجهة الأزمات المستقبلية، فإن الطلب على المياه فيها سوف يرتفع إلى 47 مليار متر مكعب في عام 2015 وهو ضعف المتوفر لدى هذه الدول في ذلك الوقت. هذا عدا عن أن دول الخليج العربية التي استهلكت في العام الماضي حوالي مليوني برميل من النفط لتحلية 55% من احتياجاتها من المياه العذبة، سوف تستنزف نصف دخلها السنوي من النفط في عام 2020 لتشغيل محطات التحلية فقط.
علينا البدء فوراً في تنفيذ خطة وطنية للأمن المائي تشمل العناصر التالية:
أولاً: إعداد خارطة المياه الوطنية وإنشاء بنك للمعلومات المائية لحصر وتقييم كميات الأمطار التي تستقبلها السعودية والتي تصل في المتوسط إلى 225 مليار متر مكعب سنوياً، أي حوالي عشرة أضعاف احتياجاتنا السنوية من المياه العذبة. يتسرب من كمية هذه الأمطار 40% لباطن الأرض، و50% يذهب للبحر، والباقي 10% يتم تخزينه عند السدود ليتبخر نصفه. هذه الخارطة يجب أن تشمل على دراسة ميدانية لمكامن المياه الجوفية ونوعيتها وعمقها، للتأكد من نوعيتها وطبوغرافية مسطحاتها الأرضية تمهيداً لاختيار المكامن الصخرية العميقة والآمنة اللازمة لتوجيه مياه الأمطار إليها وإثرائها بالمخزون المائي.
ثانياً: معالجة وتنقية مياه الصرف الصحي في كافة المناطق السعودية، والتي فاقت كمياتها السنوية حوالي 3 مليار متر مكعب في 2009، وسوف تزداد سنوياً بنسبة 9%. ويتم تنفيذ مثل هذه المشاريع وتمويلها من خلال الشركات العالمية الكبرى التي تمتلك تقنيات عالمية لمعالجة هذه المياه وتدويرها وتنقيتها لاستخدامها مجدداً في الصناعة وخدمات النظافة والري والاستخدام البشري، مع ضمان شراء المياه العذبة المنتجة من قبل شركات المياه السعودية. وقد تطالب هذه الشركات بتوطين تقنيات المعالجة والتحلية وتشجيع القطاع الأهلي على تصنيع قطع غيار محطاتها ورفع كفاءة الاستفادة منها، حيث تعتبر السعودية أكبر دولة في العالم في تحلية المياه المالحة.
ثالثاً: استبدال أنابيب توزيع المياه الحالية المتهالكة بأنابيب من البولي إثلين عالي الكثافة لمنع تسرب 30%-40% من المياه العذبة خلال توزيعها في المدن والقرى السعودية.
رابعاً: تكثيف المياه من الغلاف الجوي المشبع بالرطوبة التي تصل نسبتها إلى 75% عندما تزيد حرارة الجو عن 20 درجة مئوية، ويصبح كل كيلوغرام من الهواء محتوياً على 16 غرام من بخار المياه العذبة. في السعودية يوفر البحر الأحمر والخليج العربي حوالي 90% من الرطوبة الموجودة في الغلاف الجوي عن طريق التبخر، في حين تأتي النسبة المتبقية 10% من ارتشاح النباتات.
والأمن الغذائي ليس بأفضل حال من الأمن المائي في الدول العربية. فالأراضي الزراعية لا تشكل سوى 5% من مساحة الوطن العربي الإجمالية، بينما تشكل الأراضي المخصصة للرعي 22% من مساحة الوطن العربي الإجمالي، ولا تزيد مساهمة الزراعة عن 13% في الناتج المحلي العربي للوطن العربي، وذلك على الرغم من أن معظم اليد العاملة العربية تعمل في المجال الزراعي.
خلال العقدين الماضيين نشأت الفجوة الغذائية في العالم العربي نتيجة تراجع الإنتاج الزراعي من 3% إلى 1,5% سنوياً، وصاحب ذلك نمو في الاستهلاك الغذائي العربي بمعدل يزيد عن 5% سنوياً.
ويعتبر الوطن العربي من أكثر مناطق العالم اعتماداً على استيراد المواد الغذائية الأساسية، حيث فاقت وارداته من الدول الأجنبية في العام الماضي ما قيمته 27 مليار دولار، لتشكل 16% من قيمة الواردات العربية، مما يؤكد سوء وضع الأمن الغذائي العربي، حيث يتراوح عمق الفجوة الغذائية بين 50% في القمح، و45% في الذرة، و86% في الشعير، و35% في الأرز، و34% في اللحوم والألبان.
نحن في حاجة إلى الأمن الغذائي ولكننا في أمس الحاجة إلى الأمن المائي.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*