كيف دفن الخليج رأسه في الرمل على حساب المياه!

كيف دفن الخليج رأسه في الرمل على حساب المياه!
دجبي ليدستون
الاقتصادية 23 يناير 2010

إذا وقفت في إحدى المزارع الكثيرة التي تكسو الساحل الشمالي للبحرين، يسهل عليك أن تنسى أن هذه الأرض جزيرة صحراوية من الناحية الفنية، فبين صفوف أشجار النخيل والرمان نمت حقول السبانخ والأعشاب والبطاطا – وهو منظر يناسب جزيرة في بحر الكاريبي، أكثر مما يناسب منطقة الخليج القاحلة.
غير أن هذه النعمة جاءت بثمن عال، فقد دفع سوء الإدارة والنمو السكاني وتشجيع أساليب حياة قوامها الاستهلاك المكثف للطاقة والمياه، دولَ الخليج إلى أزمة، كما يقول تقرير حديث صدر عن البنك الأهلي التجاري – كابيتال NCB Capital الاستثماري الإقليمي. تم استنزاف احتياطيات المياه الجوفية بصورة قاسية، وأصبحت مدن كثيرة، كمدينة جدة، تعاني بشكل روتيني نقص المياه في أشهر الصيف.
ويقول جارمو كوتيلاين رئيس الاقتصاديين في البنك المذكور ومعد التقرير: بدأت ترى في منطقة الخليج ظهور قيود سياسية على النمو في الأجل الطويل وعدداً من الأنماط غير القابلة للاستمرار، وذلك من الاستخدام المكثف للطاقة إلى هدر موارد المياه وتشجيع الزراعة.
لقد بدأت الحكومات تصحو على هذه المشكلات، ولكن الخوف يتمثل في عمل القليل جداً في هذا الشأن بعد فوات الأوان.
ومما ضاعف المشكلة ظهور طبقة متوسطة كبيرة معتادة على أساليب الحياة الغربية خلال العقد الماضي. ويبلغ حجم موارد المياه المتجددة المتاحة للشخص الواحد في منطقة الخليج، في أحسن الحالات 550 متراً مكعباً في العام، كما يقول البنك الأهلي – وذلك مقارنة بـ 89 ألف متر مكعب لكل مواطن كندي، ومع ذلك فإن مستويات الاستهلاك في الخليج تعتبر من بين الأعلى في العالم.
تستهلك السعودية والإمارات نحو ألف متر مكعب للشخص الواحد في السنة، وهما تقتربان بسرعة من مستويات الاستهلاك الأمريكية البالغة 1648 متراً مكعباً، حسبما تقوله منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة.
يقع جزء من اللوم في هذا الشأن على سرعة النمو في عدد سكان المدن. ويفوق معدل استخدام المياه البلدية في البحرين وقطر معدله في الولايات المتحدة، ولا يفوقه إلا معدل الاستهلاك في كندا، لكن المتهم الرئيسي هو الزراعة.
منذ سبعينيات القرن الماضي، فإن الدفع نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في المواد الغذائية الأساسية كالقمح ثبت أنه يستنزف احتياطيات المياه الجوفية، وخاصة في السعودية التي تعتبر أكبر منتج للمواد الغذائية في منطقة الخليج.
تستهلك الزراعة نحو 80 في المائة من الموارد المائية في المنطقة، ولكنها تسهم بأقل من 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
بدأت الحكومات تستوعب المشكلة، فقد قلصت عمان عمليات حفر الآبار وسنت قانوناً يحظر توسعة الأراضي المروية. وبصورة أكثر حدة، تعهدت السعودية في عام 2008 بوقف كافة أعمال إنتاج القمح على مراحل خلال ثماني سنوات.
وعلى أثر ذلك، تم تسجيل تحسن في مستويات المياه الجوفية في المنطقة الشرقية، التي توجد فيها الأحواض المائية الرئيسية.
غير أن هذه الانعطافة الحادة ما كانت ضرورية، لو أن السلطات كانت قد حدت من الاستخدام غير الفاعل للمياه، كما يقول جون لوتون، وهو استشاري زراعي بريطاني يوجد مقره في الرياض. إذ يقول: يمكن أن تكون لديك صناعة زراعية ذات نطاق أصغر، لكنها أكثر استدامة لو طبقت التقنيات الصحيحة، كالزراعة في الماء أو الري بالتنقيط. ولكن يبدو أنهم لا يريدون.
ويقدر البنك الأهلي التجاري – كابيتال NCB Capital أن السعودية بحاجة لإنفاق 33 مليار دولار، كي تضمن توافر خدمات المياه والمجاري لجميع مواطنيها.
لقد عملت الإعانات الكبيرة على تشجيع هدر المياه، ذلك أن تعرفات المياه المطبقة في منطقة الخليج تعتبر من أخفض التعرفات في العالم. ويقول عبد المجيد علي العوض، الرئيس التنفيذي لشركة الكهرباء والماء البحرينية: إن مراجعة التعرفات هي أسهل طريقة لخفض الاستهلاك، ولكن ذلك يتطلب إرادة سياسية. وليس هذا بالقرار الذي يمكننا اتخاذه.
ترتبط التعرفات كغيرها من الإعانات بالثقافة السياسية لمعظم الدول الخليجية، حيث الحفاظ على أنظمة الرعاية. ويقول كوتلاين: أكبر قيد سياسي هو إحساس معظم المواطنين بأن لهم الحق في المشاركة في الثروة النفطية. وفي البحرين، فإن مجرد اقتراح رفع الأسعار يمكن أن يثير المظاهرات.
وانطلاقاً من عدم رغبتها في معالجة مشكلة الطلب على المياه، ركزت معظم الحكومات بدلاً من ذلك على محاولة تعزيز الإمدادات، وهو ما يعني بصورة رئيسية إنشاء محطات التحلية. وتشكل بلدان مجلس التعاون الخليجي نحو 46 في المائة من الطاقة العالمية لإنتاج المياه المحلاة، وتبني السعودية وحدها محطات تبلغ تكلفتها نحو 12 مليار ريال سعودي (3.2 مليار دولار) لمواجهة الطلب المتوقع على المياه بحلول عام 2015.
لكن هذا سوف يسبب مشكلات أخرى. إذ إن محطات التحلية تستهلك قدراً كبيراً من الطاقة، كما أن هناك نقصاً في إمدادات الغاز الطبيعي الذي يغذيها في معظم الدول الخليجية بسبب التزاماتها التصديرية، وزيادة الطلب على الكهرباء ونمو الصناعات.
يقول كوتلاين: نموذج النمو هذا لم يعد قابلاً للاستدامة، ولذلك ينبغي التضحية بشيء ما. إن كثيراً من هذه الموارد سوف ينفد خلال بضعة عقود.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*