الأمن المائي هو أساس الأمن الغذائي

الأمن المائي هو أساس الأمن الغذائي
د. حمد بن عبدالله اللحيدان
جريدة الرياض 14 اغسطس 2009

(الجزء الأول)
منذ الأزل وإلى الأبد سيظل الأمن الغذائي مرتبطاً بالأمن المائي، مهما تغيرت الأحوال، ويصبح ذلك الارتباط اكثر وضوحاً وقت الازمات، وإذا كان ذلك بصفة العموم فإنه يصبح أوضح ما يمكن في الدول الشحيحة الموارد المائية، حيث يكتسب الماء أهمية عظمى، وذلك لتلبية الحاجات الأساسية للسكان. وإذا أخذنا دولة صحراوية ذات مساحة كبيرة جداً مثل المملكة، فإن الأمن المائي وبالتالي الأمن الغذائي يكتسب أهمية قصوى خصوصاً في ضوء احتدام الصراع العالمي على مناطق الوفرة المائية: وإذا أخذنا بعين الاعتبار وجود عدو متربص يسعى الليل والنهار من أجل إجهاض أي حراك يمكن هذه الأمة من الحراك والنهوض، فإن الأمن المائي يأتي في مقدمة الاهتمامات التي يجب أن نعمل من أجل تحقيقها، ذلك أن الماء هو أساس الحياة وسلسبيلها، فلا تنمية من دون ماء، ولا رفاه من دون ماء، بل ولا حياة من دون ماء.
إن الصراع على موارد المياه في منطقة الشرق الأوسط محتدم فعلاً، فهذه السدود في تركيا جففت نهر الفرات، والكل شاهد تحول ذلك الشريان الحيوي إلى قفار وملح بعد أن انخفض مستوى المياه فيه إلى مستويات متدنية، ما حدا بالناس إلى الهجرة إلى أماكن أخرى. وما حدث لنهر الفرات يمكن أن يحدث لنهر النيل، فالصراع المحتدم في جنوب السودان والدعم الخارجي له يأتي في مقدمة أسبابه العبث بمنابع ذلك النهر، الذي هو شريان الحياة في كل من السودان ومصر، ومن القول المأثور قولهم إن «مصر هبة النيل» لذلك يسعى المخربون إلى قتل تلك الهبة وسرقتها، ومن أجل جعل مشكلة المياه تتفاقم أدخل عليها عنصر جديد وهو رفع أسعار المواد الغذائية المستوردة ما جعل المشكلة مضاعفة بصورة جوهرية، خصوصاً على الدول الشحيحة الموارد المائية.
إن رفع أسعار المواد الغذائية، خصوصاً الحبوب، مثل القمح والأرز واستخدامها في إنتاج الوقود الحيوي على الرغم من ارتفاع تكلفة إنتاجه في الوقت الحالي، يثير كثيراً من التساؤلات عن المغزى، والسبب، والتوقيت، حتى وإن علق ذلك على ارتفاع
أسعار البترول الذي كان بدوره مفعتلاً، والدليل عدم تراجع أسعار المواد على الرغم من تراجع أسعار البترول. كما أن الدعوة إلى إنشاء منظمة للدول المنتجة للحبوب على غرار منظمة الدول المنتجة للبترول كانت تصب في الإطار نفسه.
نعم إن المملكة قد وعت إلى المخاطر المحدقة بها نتيجة شح المياه واستنزافها، لذلك أصدرت عددا من القرارات التي تصب في خانة ترشيد استهلاك المياه من جهة، وإتباع سياسات زراعية متقشفة على أن تفي بالحد الأدنى من الأمن الغذائي من جهة أخرى.
إن العمل على ترشيد استخدام المياه، والعمل على تعدد مصادر المياه، أمران توأمان متكاملان، أما ترشيد استهلاك المياه فإن من أهم وسائله ما يلي:
– استخدام أجهزة الترشيد الحديثة التي بدأ بالفعل تعميم استعمالها في المنازل والمرافق العامة، أو في السبيل إلى ذلك، من خلال حملة وزارة المياه والكهرباء، وكذلك من خلال التوعية إلى أهمية ذلك من خلال وسائل الإعلام، كما يمكن أن يتم ذلك من خلال مناهج التقديم المختلفة.
– ولعل الاتجاه إلى أن تفرض وزارة البلديات نظاماً ملزماً يتم بموجبه – خصوصاً في المدن الكبيرة – إلزام الشركات والإفراد بحفر آبار ارتوازية في المنشآت التي تزيد مساحتها على ألف متر مربع، وذلك من أجل ري الحدائق، وكذلك استخدام تلك المياه في صناديق الطرد في الحمامات، فضلاً عن استخدامها في غسيل الأرضيات والمسارات والفرش وغيرها، ما يخفف من استهلاك مياه الشرب التي تذهب هدراً على الرغم من تكلفتها العالية في تلك الاستعمالات. فضلاً عن أن تقوم البلديات نفسها بسقيا الحدائق العامة والأشجار التي تزين الطرق بواسطة مياه الآبار، التي تحفر خصيصاً لذلك الغرض، خصوصاً أن المياه الجوفية السطحية في مدينة مثل الرياض تشكل مشكلة كبيرة؛ لما تسببه من طفح وتسربات.
– يمكن لأصحاب المشاريع الزراعية، خصوصاً الشركات استخدام مياه الري أكثر من مرة وذلك من خلال وضع طبقة عازلة على عمق معين تحت المزروعات يمنع تسرب المياه إلى باطن الأرض، وبالتالي يتم تجميعه مرة أخرى حسب طرائق هندسية زراعية لإعادة استخدامه أو جزء منه، فضلاً عن استخدام وسائل الري الحديثة، مثل التنقيط وغيره في حالة المزروعات التي تناسبه، على أن يكون ذلك إلزامياً في كلا الحالتين.
– أن يتم تركيب عدادات على الآبار ووضع تسعيرة لاستهلاك المياه طبقاً لشرائح محددة على أن يكون هناك حد أدنى يكون استهلاكه مجانياً، أو شبه مجاني، وذلك حتى لا يتضرر الأفراد محدودي الدخل، والمعتمدون على مزروعاتهم في معيشتهم،
أما الأسلوب الثاني فهو العمل على تعدد مصادر المياه حتى لا نكون حبيسي مصدر واحد، نصاب بالشلل في توقف إمداداته. ولعل من أهم السبل التي تضمن وفرة المياه وتعدد مصادرها ما يلي:
– أن يتشكل تحالف من الشركات الاستثمارية التي تعمل في مجال الزراعة وإنتاج الألبان والعصائر والمياه المعبأة، وكذلك تلك التي تعمل في مجال الثروة الحيوانية، مثل إنتاج الدجاج اللاحم والبيض، وتربية الماشية من أجل إنشاء شركة كبرى تعمل على تحلية مياه البحر على مرحلتين. المرحلة الأولى إنتاج مياه أقل تكلفة صالحة للزراعة، والثانية إنتاج مياه صالحة للشرب تباع على الدولة، فضلاً عن إنتاج الكهرباء – المرافقة.
كما أن تلك الشركة العملاقة يمكن أن يدخل في تأسيسها شركات وأفراد ورجال أعمال، وبعد نجاحها يمكن طرحها للاكتتاب العام مع علاوة إصدار يستفاد منها في توسيع أعمال تلك الشركة.
أن تقوم الدولة مشكورة بمنح أراضي زراعية على السواحل الشرقية والغربية من المملكة لكل شركة من الشركات الزراعية وشركات الثروة الحيوانية؛ من أجل استغلالها في الزراعة، وريها من مياه البحر المحلاة للأغراض الزراعية، على أن يكون ذلك باستخدام أحدث أساليب الري حتى تكون التكلفة الاقتصادية مقبولة، فضلاً عن منح كل شركة من تلك الشركات امتياز إقامة السدود، وحصر مياه الأمطار، وتخزينها في المناطق التي تعمل فيها، وذلك من أجل تشكيل رافد يساعد على تقليل الاعتماد على المياه المحلاة، أو خلطها معها أو بديلاً لها وقت الضرورة.
– منح امتياز إعادة تدوير مياه الصرف الصحي ومعالجتها في كل منطقة من مناطق المملكة؛ كتحالف استثاري يمثل الشركات الزراعية والمستثمرين في المجال الزراعي، في كل منطقة، وذلك مقابل استخدام تلك المياه في الزراعة بعد أن تصبح آمنة وصالحة، لذلك وهذا سيخفف من الأعباء التي تتحملها الدولة، في هذا الخصوص، وسوف يقلل من الضغط على المياه الجوفية، فضلاً عن أن معالجة مياه الصرف الصحي سوف يكون لها نواتج أخرى يمكن استغلالها والاستفادة منها.
– دراسة جدوى التنقيب عن المياه تحت مياه البحر، خصوصاً أننا نعلم أن المياه الصالحة للشرب تتوافر تحت سطح البحر، مثل ما تتوافر تحت سطح اليابسة، والدليل على ذلك وجود ينابيع من المياه العذبة في وسط البحر، كما أن استنزاف المياه العذبة من تحت سطح البحر أقل خطورة من نضوب المياه من تحت سطح اليابسة.
– دراسة جدوى جلب المياه العذبة بواسطة ناقلات البترول من الدول ذات الوفرة المائية، أو من مناطق القطب المتجمد الشمالي والجنوبي، خصوصاً أن تلك الناقلات تذهب وهي محملة بالبترول، وعند عودتها نقوم بملء خزاناتها بمياه البحر، حتى تحافظ على توازنها، فإن تحميلها بالمياه العذبة سوف يكون أكثر جدوى، حتى وإن دفع مقابل رمزي لذلك.
– دراسة جدوى جلب المياه العذبة بواسطة الأنابيب على الرغم مما يكشف ذلك من صعوبات نتيجة للتقلبات السياسية غير المتوقعة في الدول التي تمر فيها تلك الأنايبب، ولكن يمكن القول إن جلب المياه بواسط الأنابيب سوف يكون أقل تكلفة وأقل مشكلات من مد أنابيب نقل البترول والغار، التي تعبر دولاً متعددة، وأثبت نجاحه واستمراره على الرغم مما ينتابه من مشكلات مؤقتة.
على أن يؤخذ في الحسبان أن ذلك المصدر للمياه يكون تكميلياً، وأنه سيكون عرضة للتوقف بين الحين والآخر، على أن ذلك النوع من الاستثمار يجب أن يحمى من خلال إيجاد مصالح مشتركة مع الدولة المصدرة للمياه، والدول التي يمر بها أنبوب نقله، بحيث إذا تم اللجوء إلى تعطيله يتضرر الجانب الآخر، وبالتالي لا يعمد إلى مثل تلك الممارسات.
– في هذه الايام يتم الحديث عن قيام رجال أعمال وشركات ومستثمرين سعوديين بإنشاء مشروعات زراعية في بعض الدول ذات الوفرة المائية، مثل: مصر، والسودان، وتركيا، وأستراليا، وغيرها من الدول، وهذا توجه جيد يجب أن يحسب حسابه من حيث الفوائد والمخاطر، وهو يصب في خانة التكامل العربي الذي تتم المناداة به ليل نهار، على وجود الأرضية التي تضمن استمراره، وفي الحقيقة إن سلبياته لا تختلف كثيراً عن سلبيات جلب الماء من المناطق ذات الوفرة المائية، مثل مصر، والسودان، بواسطة الأنابيب، أما إيجابيات كل من الأسلوبين فهي كثيرة، وتدخل ضمن برنامج الأمن المائي والغذائي العربي، كما أنه يفتح فرص عمل يستفيد منها الجانبان، وهما الدولة المستثمرة، والدولة المضيفة.
– وضع خطة وطنية لإعادة مستوى المياه الجوفي إلى ما كان عليه قبل الاستنزاف، وذلك من خلال العمل على تجميع الأمطار في برك أو بحيرات صناعية، ثم استخدام الوسائل الحديثة لتغويرها، وذلك في المناطق القريبة من الآبار التي تأثرت بالاستنزاف، إن الأمطار التي تهطل على المملكة على قلتها يمكن حصرها وتخزينها في طبقات الأرض بصورة مدروسة بدلاً من أن تذهب أدراج الرياح.
إن الاستخدام السلمي للطاقة النووية أصبح خياراً إستراتيجياً، وذلك للحاجة الماسة إليه، وذلك في المجالات الطبية، والزراعية، والصناعية، وأبعد من ذلك في مجال تحلية مياه البحر، وإنتاج الكهرباء اللذين نحن في أمس الحاجة إليهما.
يتبع والله المستعان.

(الجزء الثاني) جريدة الرياض 21 اغسطس 2009

نعم إن الاستخدام السلمي للطاقة النووية في مجال تحلية مياه البحر وإنتاج الكهرباء أصبح خياراً استراتيجياً لا يمكن الحيود عنه، لذلك جاء قرار حكومتنا الرشيدة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز – حفظه الله – بالاتجاه إلى هذا الخيار وأخذه بعين الاعتبار في محله.
إن الاستخدام السلمي للطاقة النووية متعدد الجوانب ويشمل المجالات الطبية والزراعية والصناعية بالإضافة إلى تحلية مياه البحر وإنتاج الكهرباء. وكل تلك المجالات تدعو الحاجة إلى أن يتم التعامل مع تقنياتها النووية محلياً؛ لأنها تكلف الدولة حالياً مليارات الريالات سنوياً.
أما وقد وضعت الدولة – حفظها الله – هذه الأهداف نصب عينيها وأدخلتها ضمن خططها الاستراتيجية فإنه من المؤمل أن تكون الاستفادة منها وافية كافية، بمعنى أن يكون مشروع الاستخدام السلمي للطاقة النووية عاما وشاملا ويغطي جميع متطلبات الدولة من التقنيات النووية السلمية، بما في ذلك تحلية مياه البحر وتوليد الكهرباء. لذلك فإن هذا المشروع يجب أن لا يتجزأ كما يجب أن يكون متكاملا وعملاقا بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى، ذلك أن من يبدأ قوياً يستمر قوياً. كما أن تعزيز ذلك البرنامج وحتى قبل أن يبدأ أو متزامناً معه بإنشاء مركز ومعهد علمي متخصص بأبحاث الطاقة النووية السلمية، يعد من أهم أولويات ذلك المشروع الطموح. لأن مثل ذلك المركز أو المعهد سوف يكون له دور محوري في تأهيل العاملين في ذلك المجال من فنيين ومتخصصين على اختلاف قطاعاتهم وتدريبهم أو إعادة تدريبهم.
إن توطين التقنية يبدأ بالاستعمال مقروناً بفهم أبجديات التشغيل والصيانة ثم يتبع ذلك بالتدريب المحلي، يلي ذلك الإعداد والبحث والتطوير وإنتاج التقنية والأجهزة محلياً. أما استيراد الأجهزة واللهاث خلف المستجدات فلا يعدو أن يشكل سوقا استهلاكية لهذا المنتج أو ذاك واستمرار مكانك سر. فعلى سبيل المثال في الدول المتقدمة تتم صيانة السيارات، وكذلك الأجهزة الأخرى بصورة جيدة، أما الصيانة في الدول النامية فلا تعدو تبديل قطع غيار بأخرى أو الاستغناء عن الجهاز بآخر جديد لأن تكلفة الصيانة تقارب تكلفة الجهاز الجديد، وهذا شيء متعمد من قبل الشركات المنتجة لضمان استمرار تدفق منتجاتها.
أما الوسيلة الأخرى لتحلية مياه البحر فهي استخدام الطاقة الشمسية التي تعد المملكة واحدة من أغنى دول العالم فيها. لذلك نحن مندوبون اليوم لاستغلال تلك الطاقة المهدرة في تشغيل عدة أشياء مثل إنارة الشوارع والبيوت وتسخين المياه وغير ذلك من التطبيقات التي لا يمكن حصرها في مقال. وإذا أخذنا الولايات المتحدة كمثال نجد أنها تسابق الزمن من أجل تطوير آليات استغلال الطاقة الشمسية كمصدر بديل للطاقة. هذا وقد قطعوا شوطاً كبيراً في هذا الاتجاه خصوصاً في الولايات المشمسة منها. وفي منطقة الشرق الأوسط نجد إن إسرائيل من أكبر الدول اهتماماً باستغلال الطاقة الشمسية حيث يوجد فيها مركز وطني متخصص في أبحاث الطاقة الشمسية واستغلالها ويحدوهم في ذلك حرصهم على أمنهم وعدم اعتماده على استيراد الوقود إضافة إلى أنهم يسعون إلى أن يكونوا ممن يملك ناصية الطاقة الشمسية وربما العمل على تصدير الفائض منها في المستقبل. هذا وقد كتبت مقالا مستقلا عن أهمية استغلال الطاقة الشمسية. وفي هذا الخصوص وردتني رسالة بالبريد الإلكتروني من أحد طلاب الدراسات العليا في أمريكا يشير فيها إلى المركز الوطني لأبحاث الطاقة الشمسية في إسرائيل، بيَّن فيها الجهود المبذولة هناك لتطوير الاستفادة من الطاقة الشمسية كما بين عمق التعاون القائم بين إسرائيل وأمريكا في هذا الخصوص.
أقول هذا لأن المراقب يرى أن جميع الدول العربية بلا استثناء من أكبر الدول غنى في الطاقة الشمسية لكن العمل على استغلالها والاهتمام بها مازال من الثانويات وربما أقل من ذلك. فياليتهم يقلدون أو يغارون مما تقوم به دولة صغيرة بحجم إسرائيل، وإذا أخذنا المملكة نموذجاً محتملا لاستغلال الطاقة الشمسية نجد أنها تطل على الخليج العربي والبحر الأحمر بسواحل تمتد لمئات الكيلومترات إن لم نقل آلاف الكيلومترات. وهذه تتعرض لكميات هائلة من الطاقة الشمسية تستحق أن تستغل في تحلية مياه البحر التي نحن في أمس الحاجة إليها خصوصاً أن ذلك يكون وسيلة لتوليد الكهرباء أيضاً.
إن العمل على المزاوجة بين استخدام الطاقة الشمسية والطاقة النووية في تحلية مياه البحر إضافة إلى ما نقوم به حالياً من استخدام الطاقة الأحفورية في هذا الخصوص يعد أثراً اقتصادياً وعلمياً وتوطيناً للتقنية وفتح فرص عمل للشباب المتخصص والأقل تخصصاً، فضلاً عن أن ذلك يضمن الأمن المائي وينتج كميات وفيرة من الكهرباء. ليس هذا فحسب بل إن مثل تلك المشايع سوف تضع المملكة في قائمة الدول الأكثر نمواً ويضمن دخولها منتدى الدول المتقدمة. إن نجاح المملكة في تحقيق الأمن المائي سوف يحقق الأمن الغذائي؛ لأن الأخير رديف للأول ويعتمد عليه. كما أن ذلك يجعل المملكة مركز خبرة عالمية في مجال إنتاج المياه المحلاة من البحر.
إن توطين تلك التقنيات لا يعني مجرد استخدامها ولكن يعني القدرة على البحث فيها وتطويرها والقدرة على تصنيع الأجهزة والمعدات وقطع الغيار الخاصة بها. وكل هذا ليس بمستحيل إذا صح العزم وصدقت النوايا. ولذلك فإن من أهم الأمور المساندة لتحقيق ذلك ما يلي:
* إن شح المياه في المملكة وأهمية توفيرها يحتم إنشاء معاهد ومراكز بحث وتطوير مستقلة إضافة إلى أن الجامعات يجب أن تلتفت إلى هذه الحيثية وجعلها في مقدمة اهتماماتها، وذلك من أجل وضع جميع الخيارات على المحك والأخذ بأفضلها والعمل على خلق خيارات بديلة تكون أنجح وأفضل والعمل على تطويرها حسب ما تقتضيه الحاجة.
إن الخبرة في البداية يمكن أن تجلب من جميع أنحاء العالم وفي نفس الوقت يتم العمل على إعداد الكوادر الوطنية المؤهلة جنباً إلى جنب مع الاستفادة من المنظمات الدولية مثل منظمة الطاقة الدولية ووكالة الطاقة الذرية وغيرها من المنظمات الفاعلية والمفيدة، وكذلك مراكز الخبرة والبحث العالمية المرموقة.
نعم إن الاستفادة من الخبراء والعلماء الأجانب شيء متعارف عليه عالمياً في كل من الجامعات ومراكز الأبحاث المتقدمة. فهناك كثير من العلماء المبرزين في شتى أنواع العلوم يعملون في الجامعات الأمريكية على وجه الخصوص والجامعات الأوروبية على وجه العموم. حيث يتم استقطابهم للعمل هناك ليس هذا فحسب، بل إن أكثرهم قد منح الجنسية الأمريكية؛ تقديراً لعملهم وجهودهم وتأليفاً لقلوبهم وضماناً لإخلاصهم. وهؤلاء منهم العرب ومنهم الهنود والصينيون واليابانيون وغيرهم من الجنسيات التي انصرهت في المجتمع الأمريكي، وأصبح لهم ما للأمريكيين وعليهم ما عليهم.
* الوفرة المادية والمركز الاقتصادي القوي للمملكة وانتشار التعليم وتوسع قاعدة التعليم العالي والقدرة على رؤية المستقبل ببصيرة مدركة فضلاً عن وجود قيادة حكيمة تضع في حسبانها كل الاحتمالات والمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية، كل هذه تعد دعائم وركائز تمكن المملكة من أن تشق طريقها لتحقيق تلك الرؤى وتلك التوجهات بعيداً عن المزايدة والتهريج والصخب الإعلامي الأجوف.
* إن توجيه القطاعات الاستشارية والبحثية والعلمية لدراسة جميع الخيارات المطروحة يعد أمراً في غاية الأهمية ويأتي في مقدمة ذلك مجلس الشورى والمجلس الاقتصادي الأعلى والجامعات ومراكزها البحثية ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية ودور الخبرة الاستشارية على أن يوجد جهاز متخصص للمتابعة والمناقشة والتقويم والتحفيز من أجل سرعة الإنجاز ووضع جميع الخيارات الناضجة أمام القيادة الحكيمة من أجل التنفيذ.
* كما سبق وأشرت فإن الخيارات المطروحة تتمثل في استخدام الطاقة الشمسية والطاقة النووية في تحلية مياه البحر وجلب المياه من مناطق الوفرة المائية بواسطة الأنابيب وفقاً لاتفاقات ملزمة وعلى أن يكون ذلك مصدراً اضافياً يحتمل توقفه بين فترة وأخرى إضافة إلى العمل على إنشاء شركة ضخمة لإنتاج المياه المحلاة يملكها تحالف من الشركات الزراعية وشركات تعبئة المياه وشركات الثروة الحيوانية وكذلك شركات إنتاج العصائر وغيرها ممن يتعامل مع الماء، على أن تمنح تلك الشركات مناطق زراعية قريبة جداً من السواحل وإعطائها امتياز إنشاء السدود وحصر مياه الأمطار وتخزينها في مناطق الامتياز الممنوحة لكل منها، ليس هذا فحسب بل إن تقنية مياه المجاري وإعادة تدويرها يمكن أن تصبح من مهمة بعض الشركات الزراعية التي تضمن في مقابل ذلك رعاية حدائق المدن وتشجير الشوارع والميادين والعناية بها واستخدام الفائض في الزراعة بعد ضمان جودته وصلاحيته.
* إن الخزن الاستراتيجي للمياه والعمل على ضمان امداداتها من أهم الاستراتيجيات التي يمكن أن تتبعها دولة صحراوية شحيحة الموارد المائية مثل المملكة، وخزن المياه يبنى على إنشاء خزانات استراتيجية في كل مدينة وقرية وجعل المخزون فيها يكفي لامداد السكان لمدة لا تقل عن ستة أشهر إلى سنة على أن تكون تلك الخزانات في مناطق آمنة تحت الأرض كما يجب أن توجد آبار ارتوازية متصلة بتلك الخزانات على أن لا تستخدم تلك الآبار إلا عند الضرورة القصوى لضمان الامدادات وقت الحاجة. كما أن العمل على اكتشاف احتياطيات المياه تحت الربع الخالي وتحت المياه الإقليمية يعد خياراً استراتيجياً، يجب العمل على تحقيقه، ليس هذا فقط بل إن ضمان امدادات المياه المحلاة إلى جميع المدن يجب أن يكون أكثر أماناً مما هو عليه الحال حالياً، حيث تصل المياه المحلاة إلى مدينة الرياض على سبيل المثال عبر خطين من الأنابيب، وهذا قليل، والواجب أن تصل المياه المحلاة إلى مدينة الرياض عبر عشرة خطوط متفرقة وكل منها يجب أن يصب في خزان استراتيجي يكفي لمدة لا تقل عن شهر وأكثر وذلك لضمان عدم انقطاع خط الأنابيب ولضمان إمكانية إصلاحه إذا تعرض لضرر من دون أن ينعكس ذلك على شكل انقطاع المياه عن السكان كما هو حاصل حالياً. وإذا كان ذلك مطلوباً في الظروف العادية فإنه في الظروف الاستثنائية يصبح أهم وواجباً.
إن الأمن المائي وبالتالي الأمن الغذائي بالنسبة إلى جميع الشعوب أمر مطلوباً لكنه بالنسبة إلى دولة مثل المملكة يعد أمراً استراتيجياً؛ وذلك لأن المملكة دولة صحراوية شحيحة الموارد المائية قليلة الأمطار وتخوض غمار تنمية صناعية وعمرانية كبرى، ويزداد عدد سكانها بصورة لافتة للنظر فضلاً عن احتدام الصراع في المنطقة على الموارد الطبيعية والمنافذ الاستراتيجية، وتعاظم التوتر المشوب بسباق تسلح ونزعة نحو التوسع، ووجود المحرض والممول والمشجع لظاهرة الإرهاب ومفرداته التي تتمثل في التطرف والطائفية والمناطقية وغيرها مما يتم العمل على زرعه في منطقة الشرق بصورة منهجية محددة الأهداف والوسائل والغايات حمانا الله منها وأعز الله وحدة دولتنا الفتية بقيادتها الرشيدة وشعبها المخلص والواعي والقادر على تفويت الفرصة على الأعداء.
والله المستعان.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*