الأزمة المائية العربية … قادمة

الأزمة المائية العربية … قادمة
د. علي نور الدين إسماعيل
صحيفة الاقتصادية 9 مايو 2009

سؤال مطروح على الساحة العربية!
هل يمكن أن تؤدي الأزمة المالية التي يشهدها العالم حالياً إلى تداعيات سلبية على الأوضاع المائية السائدة في الدول العربية مما يتوقع معه أن تبرز على السطح أزمة مائية عربية خلال السنوات القليلة القادمة؟
بداية نشير إلى أن الأزمة المالية العالمية هي أزمة نظام مالي عالمي تعيشها جميع اقتصاديات العالم، بما في ذلك الاقتصاديات العربية، أو بمعنى آخر هي مجموعة أزمات متفاوتة التأثير تغذي بعضها البعض وفقاً لدرجة الانفتاح الدولي والترابط المشترك مع الأسواق المالية الدولية، وسيسفر عن هذه الأزمة طبقاً لتقديرات الخبراء الاقتصاديين بالضرورة مزيد من المعاناة في ميزان المدفوعات وانخفاض الناتج القومي في مركز الأزمة (الولايات المتحدة الأمريكية) وبعض الدول الأخرى ذات الانكشاف الكبير على الاقتصاد الأمريكي بشكل عام ومنها بالقطع الدول العربية، مما يتوقع معه أن يكون لها تأثير واضح في نمو القطاعات الحيوية بها وعلى رأسها قطاع المياه.
ونشير إلى أن تأثير الأزمة في قطاع المياه يتباين من دولة عربية إلى أخرى، إلا أنه من الناحية المائية يمكن تصنيف الدول العربية إلى مجموعتين مميزتين:
المجموعة الأولى: مجموعة الدول العربية التي تعتمد بصورة أساسية على موارد مائية خارجية من أنهار دائمة السريان تنبع من دول غير عربية وهي تحديداً مصر والسودان (نهر النيل)، العراق وسوريا (نهري دجلة والفرات)، الأردن وفلسطين المحتلة (نهر الأردن) وموريتانيا (نهر السنغال). ويمكن تصنيف هذه المجموعة اقتصادياً بكونها دولا ذات دخل منخفض إلى متوسطLow-Middle income حيث يتراوح فيها الناتج المحلي الإجمالي من ألف إلى ثلاثة آلاف دولار / فرد / سنة، مع زيادة ملحوظة في نسبة البطالة ومعدلات الفقر النسبي يقابله زيادة في النمو السكاني. وتشير التقديرات الديموجرافية لعام 2006م إلى أن إجمالي السكان بدول هذه المجموعة السبع نحو (170) مليون نسمة أو ما يعادل 55 في المائة من إجمالي سكان الدول العربية مجتمعة.
وفي ظل هذه الظروف المائية والاقتصادية فإنه يتوقع أن يكون للأزمة المالية تأثير – غير مباشر – على المشاريع المائية في تلك الدول مع انخفاض في حصة المواطن من المياه المتاحة ولكن التأثير الأكبر والخطير سيكون بالقطع من دول المنبع للأنهار الخمس المغذية، حيث يتوقع أن يكون لها دور في زيادة معاناة الدول العربية السبع، ووضع فاتورة استحقاقات قد تصل إلى المفاوضة لعرض مياه الأنهار للبيع من قبل دول المنبع الفقيرة (أثيوبيا والسنغال) أو تقييد سريان مياه الأنهار من قبل دول المنبع الغنية (تركيا وإسرائيل). وهنا تكمن المشكلة.
المجموعة الثانية: مجموعة الدول العربية التي يتوافر بها قدر (مناسب) من الموارد المائية المحلية سواء كانت موارد مائية من مصادر طبيعية تقليدية (مياه سطحية أو جوفية) أو يكون لهذه الدول القدرة على إنتاج موارد مائية أخرى غير تقليدية (خاصة مياه البحر المحلاة)، ويندرج تحت هذه المجموعة (15) دولة عربية منها دول ذات دخل مرتفع High income ) تضم دول مجلس التعاون الخليجي الست الذي يتراوح فيها دخل الفرد بين (12) ألف دولار / فرد / سنة (عمان )، إلى ما يزيد على (26) ألف دولار /فرد/ سنة (الإمارات العربية المتحدة) حسب تقديرات عام 2006م، وهناك خمس دول عربية ذات دخل متوسط (3-5 آلاف دولار / فرد / سنة) تضم لبنان ودول الشمال الأفريقي الأربع (ليبيا – تونس – المغرب – الجزائر). أما باقي دول المجموعة فهي دول منخفضة الدخل بدرجة ملحوظة (الصومال – جزر القمر – جيبوتي – اليمن). وتختلف حدة انعكاسات الأزمة من دولة إلى أخرى في هذه المجموعة وهي ستعمل جاهدة على تلافي الوقوع في أزمة مائية محققة، فالدول التي تعتمد على المياه الجوفية القابلة للنضوب كمورد رئيس والتي يتوافر لها قدرة على مواجهة الأزمة اقتصادياً مثل دول مجلس التعاون الخليجي الست وليبيا ستركز على تأمين المياه من المصادر غير التقليدية – خاصة مياه التحلية – لتلبية الطلب للأغراض البلدية وتحقيق الأمن المائي من خلال اللجوء إلى المياه الافتراضية التي يتم استيرادها على هيئة منتج زراعي أو صناعي بديل يغطي الاحتياجات الزراعية والصناعية من أجل الهروب من محاذير الفقر المائي والحفاظ على مخزونها الاحتياطي من مياهها الجوفية .. أما باقي دول المجموعة المتوسطة والمنخفضة الدخل فقد يكون الحل الأمثل لها للخروج من أزمتها المالية المرتقبة أن تعيد النظر في مشاريع التنمية المائية بها بصورة أكثر موضوعية وقد يتمحور الحل الأمثل في ثلاثة خيارات محددة: أما تأجيل تنفيذ تلك المشاريع لحين توافر ظروف مالية أكثر ملاءمة، أو إطالة مدة تنفيذ المشاريع القائمة وإعادة ترتيب الأولويات لعناصر المشروع أو إلغاء تنفيذ هذه المشاريع نهائياً من خططها الموضوعة، وكلها خيارات مطروحة للنقاش. وقد تفكر جدياً في تسعير المياه حسب استخداماتها وقيمتها الاقتصادية.
وخلاصة القول إن الخروج بسلام من شباك الأزمة المائية العربية المرتفعة والحد من تداعياتها السلبية يتطلب وضع استراتيجية وطنية لكل دولة عربية تتناسب مع ظروفها المائية والاقتصادية تتسم بالشفافية التامة، وتأخذ في اعتبارها مبدأ المشاركة الفاعلة بين جميع القطاعات الحكومية والخاصة والأهلية المعنية بالمياه، وكذلك مبدأ استدامة المورد المائي لمصلحة الأجيال الحالية والمقبلة. ولن يتحقق ذلك إلا من خلال مراجعة شاملة للهياكل المؤسسية والنظم التشريعية المتعلقة بإدارة قطاعات المياه بها، ومواجهة التحديات المائية التي تواجه الدول العربية والمتمثلة أساساً في ندرة المياه مع النمو السكاني المتزايد، والعمل على رفع معدلات الأداء والكفاءة والفعالية الاقتصادية لمشاريع المياه ومرافقها، وإيجاد وسائل تمويلية دائمة للاستثمار في الخدمات المائية على أن يتكامل ذلك بزيادة حصيلة المعرفة المائية والاهتمام بالجوانب الخاصة بالبيئة والبحث العلمي والتطوير التقني.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*