النقص في المياه خطر يلوح

النقص في المياه خطر يلوح
الدكتور يوسف ابراهيم
موقع أخبار البيئة 29 اكتوبر 2005

من الصعب على الكثيرين من البسطاء التصديق بأن الكارثة قادمة لا محالة، ويحبذون غرس رؤوسهم في الرمال حتى أعناقهم كي يفقدوا كل المنبهات. ولذلك فانه لمن المستحيل القيام بأي شئ لتخفيف الصدمة، لأن نجاح الإنسان في صنع شئ ما في الحياة يتوقف على مدى إدراكه لهذا الشيء. وان عدم إدراك الأمور المصيرية بشكل مبكر، مثل اقتراب نضوب الطاقة وندرة المياه وتملح وتعرية الأراضي الزراعية عالميا، يؤدي إلى السقوط الحر وسط كم من المشاكل والصعوبات التي لايمكن حلها ولا حتى التعامل معها.
فكميات المياه في عالمنا هذا محدودة ونحن نتزايد بسرعة واستخداماتنا للمياه تتزايد بشكل أسرع أيضا. وقد ورد في تقارير هيئة الأمم المتحدة بأن أكثر من ثلث سكان العالم يعيش الآن في دول تعاني صعوبات كبيرة لتأمين حاجاتها المائية. وتقدر هذه الهيئة أنه بقدوم عام 2025 سوف ترتفع هذه النسبة لتصبح الثلثين أو أكثر. وجاء في تقاريرها أيضا أن الإنسان يحتاج إلى 50 لترا من الماء يوميا كحد أدنى للشرب والطهي والغسل وسواه. وورد في إحصائياتها أنه حتى في عام1990 لم يستطع الحصول على هذه الكمية من الماء أكثر من مليار إنسان في هذا العالم. وتقول هذه الإحصائيات أيضا أن استهلاك المياه تضاعف مابين عامي 1900 و 1990 ستة مرات أكثر مما تضاعف العدد السكاني في العالم. أي أن متوسط استهلاك الفرد للمياه تضاعف ستة مرات بالإضافة إلى أن العدد السكاني في العالم تضاعف نحو أربع مرات خلال تلك الفترة الزمنية. ويعني هذا أن العالم اليوم يستهلك كميات من المياه في كل عام تعادل الكميات التي استهلكها خلال 24 عاما في بداية القرن الماضي. ويقودنا هذا أيضا إلى أن العالم سوف يستهلك خلال كل أربعة أعوام قادمة حجما من المياه تعادل حجم المياه التي استهلكها خلال كامل القرن الماضي. فهل سيؤدي هذا إلى النضوب السريع؟
ويؤكد الاستمرار في تزايد نسبة الاستهلاك العام للمياه تزايد الحاجة للزراعة والصناعة المتعاظمتين وكذلك تزايد الاستهلاك المنزلي. ولا تقل نوعية المياه عن كميتها أهمية. فالتلوث الذي أصاب مختلف بقاع العالم أدى إلى تعكير كميات ضخمة من المياه التي أصبحت غير صالحة للاستخدام. وتقول تقارير هيئة الأمم المتحدة في هذا الخصوص أن أكثر من 5 ملايين إنسان يموتون سنويا من الأمراض الناجمة عن استخدام المياه الملوثة، ويعادل هذا أكثر من عشرة أضعاف العدد الذي يقضي في الحروب حول العالم سنويا. والخوف يتزايد من المستقبل الذي يصعب فيه الحصول على ماء للشرب فقط.
وتقول بعض التقارير BBC News أن العالم يستهلك مايعادل 70% من الماء المستخدم في الزراعة، وان الزيادة المستقبلية في عدد السكان ستؤدي إلى زيادة حتمية في الحاجة للمياه من أجل الزراعة لإطعام البشر. وتذهب كمية من الماء تقدر بحوالي 50 مليار لتر لبناء أجسام كل مليار إنسان، ناهيك عن استخداماتهم الشخصية الدائمة والزيادة في عدد المواشي والحيوانات اللازمة لتغذيتهم. والذين سيعانون أكثر هم الفقراء، لأن النقص في المياه يعني الذهاب مسافات أطول للبحث عنها وارتفاع أسعارها وانعدام الأمن الغذائي والأمراض الناجمة عن استخدام المياه الملوثة وغير ذلك الكثير. فالفقراء في أيامنا هذه يبيعون عيونهم وأعضاء من أجسادهم من أجل الحصول على الغذاء في عدد من الدول – خذوا مثلا مايحدث في بنغلادش حاليا. وسوف يأتي اليوم الذي يقول فيه الإنسان لأخيه الإنسان اجعلني عبدا عند قدميك بمحض إرادتي وفقط أطعمني أرجوك.
وتقدر اللجنة العالمية للمياه المنبثقة عن هيئة الأمم المتحدة في عام 2000 أن العالم يحتاج إضافة إلى أكثر من 100 مليار دولار أمريكي سنويا للتغلب على مشكلة النقص في المياه. ناهيك عن العشرين مليار دولار اللازمة للتغلب على مرض HIV والإيدز. إلا أنه حتى لو توفرت هذه الأموال فان مشكلة النقص في المياه لن يكون ممكنا حلها بشكل كامل وهي غير محلوله الآن، وذلك لأن التغيرات الحالية غير التراجعية التي حدثت في الأنظمة البيئية والمناخية كبيرة جدا. وان استخدام المياه الجوفية بوتيرة أعلى يعني أنها سوف تنضب بشكل أسرع. وقد جاء في تقرير BBC News لقد هبط سطح المنضدة المائية نتيجة للنضوب في عدد من المناطق الصينية والهندية وفي غرب أسيا ودول الاتحاد السوفييتي السابق وغرب الولايات المتحدة الأمريكية. وأعطى هذا التقرير مثالا في الهند حيث كان معدل هبوط الأحواض المائية في عام 1999 يساوي 3 أمتار سنويا.
ومع ذلك فانه يمكن للتكنولوجيا الحديثة أن تساعد الإنسانية بعض الشيء وخصوصا في تنظيف المناطق الملوثة من الأحواض المائية وجعل كميات أكبر من المياه صالحة للاستخدام. وان استخدام المرشات وطريقة السقاية بالتقطير جعل الزراعة أكثر فاعلية وقلل بشكل كبير كميات المياه المصروفة. بالإضافة إلى ذلك فان بناء السدود والأحواض المائية تساهم بشكل كبير على تخزين المياه قبل ضياعها في البحار والمحيطات. وتقوم بعض الدول حاليا بتحلية مياه البحر. إلا أن عمليات التحلية تتطلب صرف كميات ضخمة من الطاقة وتترك خلفها كميات هائلة من الأملاح. هذه الطاقة التي سوف تصبح مشكلة العصر الحديث في السنوات القليلة القادمة لا يتوقع بأنها ستحل مشكلة النقص في المياه ولا الجوع القادم.
وهذا إنذار خطير يجب احتسابه!

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*