هدرلوجيا – في يوم الماء العالمي

هدرلوجيا – في يوم الماء العالمي
رشود الخريف
صحيفة الاقتصادية 22 مارس 2009

قال تعالى: “وجعلنا من الماء كل شيء حي”. لا يمكن استمرار حياة الإنسان دون الماء، ولا يمكن تحقيق تنمية مستدامة في أي بلد دون وجود مصادر المياه الكافية. صادف هذا اليوم (22 مارس) يوم الماء العالمي World Water Day، وقد نُظمت الكثير من الفعاليات في معظم دول العالم من أجل التوعية بأهمية المياه العذبة والتنبيه إلى ضرورة ترشيد استخدامها وحمايتها من التلوث. وتُعد دول الخليج العربية من أفقر دول العالم من حيث المصادر المائية، فهي تعاني ندرة المياه، وتزداد هذه الندرة، إذا علمنا أن هذه الدول تشهد زيادة كبيرة في سكانها وتزايداً سريعاً في أحجام مدنها، بحيث أصبحت حصة الفرد من موارد المياه الأقل في العالم. ومما يزيد الطين بلة أن الطلب على المياه أصبح أكثر بكثير من العرض، خاصة أن هذه الدول لا تحتوي على أنهار جارية أو بحيرات دائمة. فقد اختفت عيون الأفلاج، “فصارت أثراً بعد عين”، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل اختفت – كذلك – عيون الخرج، وكثير من عيون الأحساء.
لذلك فإن مشكلة ندرة المياه في المملكة خاصة، ودول الخليج عامة، ليست موضوعاً هامشياً، بل ينبغي أن يحتل الأولوية في اهتمامات هذه الدول، وأن يتصدر خططها التنموية. وفي اليوم العالمي للماء، أود أن أشارك القراء الأعزاء ببعض النقاط المهمة ذات الصلة بالمياه، هي:
أولاً، هناك سلوكيات غير لائقة في بلدان صحراوية تفتقر إلى الموارد المائية، مثل الهدر في “غسيل السيارات”، والهدر في الاستخدام المنزلي، والهدر عند الوضوء لعدم استخدام الصمامات المناسبة للترشيد. إذن، لا بد من معالجة هذا الخلل السلوكي من خلال المدارس، والأسر، والأنظمة الرادعة على حد سواء. ومن الغريب أن تسبقنا دول غير مسلمة – مثل أستراليا – في تطوير أجهزة لترشيد استخدام الماء في الوضوء على سبيل المثال. أليس من الأولى أن نأخذ زمام المبادرة في اختراعات من هذا النوع؟!
ثانياً، على الرغم من جهود وزارة المياه في إنشاء السدود، إلا أن هذا لا يكفي إذا لم تخضع هذه المشروعات التنموية للتقويم المستمر والصيانة الدورية، علاوة على تطوير تقنيات الاستفادة من هذه السدود.
ثالثاً، تفعيل الأنظمة المتعلقة بترشيد استخدام المياه والمحافظة عليها، وإيجاد أنظمة جديدة تتناسب مع خطورة المشكلة وتبعاتها على استدامة التنمية. هناك حاجة إلى تحديد المساحات الزراعية من المحاصيل ذات المتطلبات العالية من المياه، مع متابعة دائمة لتطبيق الأنظمة والالتزام بها. ومن جهة أخرى، لا بد من إيجاد أنظمة تقيّد الحصول على رخص إنشاء المباني بالأخذ بأساليب وتقنيات ترشيد استخدام المياه.
رابعاً، تشجيع استخدام تقنيات زراعية لترشيد استخدام المياه، مثل الري بالتنقيط، وربما اشتراط استخدام هذه التقنيات للحصول على تسهيلات أو قروض. ومن المثير – في هذا السياق – أن المزارعين الإسرائيليين استطاعوا مضاعفة الإنتاج الزراعي خلال العشرين سنة الماضية دون زيادة تذكر في كمية المياه المستخدمة في الزراعة، وذلك بسبب التوسع في استخدام التقنيات الزراعية الحديثة، ومنها الري بالتنقيط، واستصلاح المحاصيل المناسبة للأراضي الجافة.
خامساً، وضع قيود مناسبة على استخراج المياه، لأن الماء ثروة وطنية لا ينبغي التلاعب بها والإسراف في ضخها.
يطول الحديث عن المياه، ولكن لا يتسع المجال. لذلك لعلي أختتم مقالتي بما يفعله الصينيون. ظهر في بعض مدن الصين أسلوب مثير لإعادة استخدام المياه. يتمثل هذا الأسلوب أو التقنية الجديدة في تقسيم الصرف المنزلي وتوزيعه في أنابيب مستقلة. فتصرف مياه الغسيل ونحوها Brown Water في أنابيب مستقلة إلى حدائق المنازل أو الشوارع، ويوجه ما يفيض عن حاجة حدائق المنازل إلى خزانات في كل مدينة لاستخدامها في الحدائق والمساحات الخضراء. ومن جهة أخرى، تخصص أنابيب صرف مستقلة للمياه “السوداء” كما يُطلق عليها Black Water، وهذه مياه صرف ملوثة وغير صالحة لإعادة الاستخدام، إلا بعد تنقية مكثفة. إن هذه التقنية تستحق الدراسة، خاصة في بلد صحراوي مثل المملكة.
في الختام لا بد من الإشارة إلى جهود تذكر فتشكر، ومنها جائزة الأمير سلطان بن عبد العزيز للمياه، وجهود وزارة المياه في بناء السدود وتنظيم الحملات التوعوية، وكذلك وجود بعض الأنظمة التي تهدف إلى ترشيد استخدام المياه والحد من تلوثها، ولكن الحاجة ماسة إلى مزيد من الجهود ومزيد من الجدية. فنحن في حاجة إلى استراتيجية وطنية لا تهدف إلى الحد من الهدر في استخدام المياه فقط، بل تسعى – كذلك -إلى تنمية الموارد المائية وحمايتها من التلوث.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*