لكي لا يؤدي نقص المياه إلى كارثة


ننتبه متأخرين الى عواقب الجفاف وتحويل الأنهار الذي أدى الى شح المياه في العالم العربي، حيث ان المسألة بالغة التعقيد، يتداخل فيها السياسي مع الاقتصادي معبراً عن نفسه بسوء ادارة مصادر المياه وعدم التحضير ونشر الوعي بين الناس. ويمكن الجزم بأنه من بين البلدان التي تشهد اضطرابات سياسية في الوقت الحالي، فانه على الأقل في سوريا واليمن ساهم شح المياه في توليد هذه الاضطرابات، فقد عانت سوريا من نقص كبير في معدل سقوط الأمطار في السنوات العشر الماضية، كان من نتائجه هجرة حوالي مليوني سوري من القرى الى المدن، كذلك اليمن الذي حذرت تقارير دولية كثيرة من حدوث كارثة بسبب نقص المياه، ويرجع سبب نقص المياه اضافة الى الجفاف وتحويل الأنهار الى الزيادة الكبيرة في معدل السكان، فقد بلغت زيادة عدد السكان في سوريا من أقل من خمسة ملايين في نهاية الخمسينات من القرن الماضي الى 22 مليونا حالياً، اما اليمن فقد زاد عدد سكانه من خمسة ملايين الى خمسة وعشرين مليوناً خلال الفترة نفسها.
ولعل من اكثر البلدان العربية التي تعاني من نقص المياه هو العراق، ويرجع السبب كذلك الى سوء الادارة، وتحويل الانهار وزيادة عدد السكان، وان لم يشهد العراق اضطرابات سياسية مماثلة لما حدث في سوريا واليمن فان ذلك يرجع الى الانهيار الطائفي والارهاق النفسي الذي يعاني منه العراقيون، فالوضع المائي في العراق مخيف الى درجة ان كثيراً من الأنهار اما ان تحول الى وديان جافة أو ان مياهه تحولت الى مالحة، وقد وصل التدهور بالحد الذي أصبح الفلاحون في منطقة ابي الخصيب في البصرة، التي تقع على شط العرب، يشترون المياه لحيواناتهم، فحتى الابقار والاغنام لم تعد تتقبل الملوحة العالية في مياه شط العرب، خصوصاً بعد ان حولت ايران مياه نهر كارون الرافد لشط العرب ومحولة بديلا عن ذلك مياه مالحة الى الاراضي العراقية وفقا لما صرح به محافظ البصرة أخيراً، وهذا لا يقتصر على الجنوب العراقي فقط، وانما يمتد الى الشمال، فقد شاهد كاتب هذه السطور انهاراً جفت في محافظة اربيل نتيجة لتحويل منابعها من قبل تركيا وايران.
هذا وان كنا لا نستطيع ان ندعي بان نقص المياه في مصر كان وراء ثورة 25 يناير، الا ان مصر كذلك مقبلة على ازمة مائية. فاتفاقية مياه النيل التي وقعت عليها مصر والسودان عام 1959 اعطت مصر %75 من مياه النيل، و%25 للسودان، ولا شيء لاثيوبيا التي بلغ عدد سكانها حوالي 87 مليونا، والتي بالطبع لم توقع على هذه الاتفاقية. هذا وتخطط اثيوبيا لبناء سدود عدة سوف تؤدي في النهاية الى خفض معدل المياه المنسابة الى مصر.
وكما نعلم جميعا فان جميع دول مجلس التعاون تعتمد على تحلية مياه البحر وتوفرها للمواطنين والمقيمين باسعار تقل كثيرا عن التكلفة الحقيقية. كما ان تحلية مياه البحر وتوليد الطاقة الكهربائية، سيستهلكان بعد عقدين ما يقارب %25 من انتاج دول الخليج من النفط. هذا اضافة الى ان اعادة ضخ مياه شديدة الملوحة والحرارة اصبحت تشكل خطرا على البيئة. ويجب الا ننسى البصمة الكربونية العالية او نسبة الكربون العالية الناتجة عن تحلية متر مكعب من الماء.
لذا، فان الوضع المائي في العالم العربي يهدد بكارثة اذا لم نبدأ بالتخطيط لتنفيذ مشاريع لايجاد مصادر بديلة، وتحسين ادارة ما هو موجود والتفاهم مع دول المنابع، والاهم من كل ذلك العمل على الحد من زيادة السكان. فقد تضاعف سكان العالم العربي خمس مرات من اساس عدده في منتصف الخمسينات من القرن الماضي. هذا من جهة، ومن جهة اخرى لا بد من تشجيع الابداع والبحوث العلمية في مجال المياه. فالعقل الانساني ان توافرت له البيئة كفيل بايجاد حلول.
وقد قرأت أخيراً ان باحثا في معهد ماستشوستش تمكن من تطوير الواح مسطحة تستطيع تكثيف الرطوبة في الهواء لتجمع ليترا واحدا للمتر المربع. وقد استمد هذا الباحث الفكرة من قدرة بعض الحشرات التي تعيش في المناطق الصحراوية على ذلك.

حامد الحمود
القبس 3 يوليو 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*