استراتيجية عربية للمياه‏..‏ متي وكيف؟‏!


ليس سرا أن نقول إن شعوب منطقة الشرق الأوسط تضع أيديها علي قلوبها خوفا من اندلاع حروب حول المياه بسبب الزيادة الكثيفة في السكان‏,‏ وسوء استخدام مياه الشرب‏,‏ ودخول المياه كعنصر أساسي من عناصر التوتر الدولي‏..‏ ومؤشرات ذلك أن سعر لتر ماء الشرب يزيد اليوم عن سعر لتر البنزين‏..!
ومما يزيد مساحة الهواجس في نفوس الكثيرين, أن حصة المواطن اليومية من الماء ازدادت في وقت تتحدث فيه بعض التقارير الدولية عن أن هناك نحو عشرة أنهار كبري في العالم مهددة بالجفاف, من بينها نهر النيل الذي تشترك في مياهه عشر دول في القارة الإفريقية..
وتحدثت ذات التقارير عن السدود التي أكثرت منها الحكومات لتخزين أكبر قدر من المياه وبناء محطات الطاقة, وهو ما يؤدي الي استنزاف الموارد المائية للأنهار.. المثال الصارخ علي ذلك أن إثيوبيا تضع خطة لبناء33 سدا علي مجري النيل..
< وللإنصاف يجب أن نذكر أن بعض دول المنطقة ـ مثل مصر ـ قد أدركت في وقت مبكر خطورة دخول المياه معترك الصراع, فقد دعا الرئيس جمال عبدالناصر الي عقد مؤتمر قمة عربي في القاهرة, وآخر في الإسكندرية عام4691, لمناقشة النزاع العربي ـــ الإسرائيلي حول مياه نهر الأردن عبر مشاريع تستهدف تحويل522 مليون متر مكعب من مياهه.. وبعدها اندلعت حرب يونيو7691 قبل استكمال تلك المشاريع, لكي يبقي احتمال نشوب حرب المياه في الشرق الأوسط قائما.
ويدعم ذلك أن معظم الأنهار التي تغذي المنطقة تأتي من خارجها وتتحكم دول المنبع في مقنناتها ـ بينما الدول العربية تمثل المصب ـ ولعل أبرز مثال علي ذلك هو السودان ومصر باعتبارهما دولتي المصب لنهر النيل..
والحق أن النيل الذي يهب الحياة لمصر والمصريين يثير عددا من القلاقل في السنوات الأخيرة ـ ويكاد يمثل صداعا في رأس مصر بسبب تلويح بعض دول حوض النيل بطرح قضايا تتعلق بإعادة النظر في الاتفاقات الدولية المنظمة للحصص المقررة لكل دول الحوض ـ وتعود في معظمها الي فترات الاستعمار الأوروبي, وبسبب ما يتردد حاليا بشأن خصخصة مياه النيل أو تسعيرها واقامة ما يعرف ببورصات المياه..
.. وتدرك مصر التي تصل احتياجاتها الفعلية من مياه النيل إلي ما يزيد علي48 مليار متر مكعب خطورة هذه الأوضاع الخاصة بالعلاقات بين دول حوض النيل وبعضها البعض.. ولذلك تسعي الي تهدئة الأجواء والاحتكام الي منطق المصلحة المشتركة التي تجمع كل الدول المشاطئة للنيل, ثم الاحتكام الي القانون الدولي الذي وضع القواعد المنظمة للمصادر المائية للأنهار الدولية بشكل عام, والاتفاقات الدولية التي تنظم اقتسام مياه النيل بين دول حوض النيل العشر..
.. والأهم أنها تعي بشكل جيد وعميق ـ المشاريع التي تروجها بعض الدول في منطقة الشرق الأوسط, مثل إسرائيل, للتحكم في مياه النيل, فقد زعم شيمون بيريز في كتابه الشرق الأوسط الجديد, أن قضية المياه تعتبر دليلا علي مدي الحاجة لإقامة نظام اقليمي يهدف الي التخطيط وتنفيذ مشاريع تنمية المياه وتوزيعها علي أساس اقتصادي بأسلوب عادل ومؤتمن.. وانطلق من هذه الرؤية الي القول بضرورة إنشاء هيئة إقليمية تشارك فيها جميع الأطراف المعنية بالنيل وتوزيع مياهه, مما يسهم ـ في النهاية ـ في تخفيف أسباب التوتر والعمل من أجل السلام!
<.. ليس من شك في أن القرن الحادي والعشرين, سوف يشهد صراعا داميا حول المياه وخصوصا في منطقة الشرق الأوسط التي تعاني فقرا نسبيا في المياه ناهيك عن أن غالبية الأنهار الكبري التي تجري في أرضها كالنيل والفرات ودجلة تنبع من دول غير عربية.. كما أن توسع التنمية وتزايد السكان واستصلاح الأراضي قد تشكل أعباء جديدة علي هذه الموارد المائية المحدودة.
ولأن الإنسان ـ كما ثبت ـ بوسعه أن يبحث عن بدائل للطاقة فإنه غير قادر علي العيش بدون مياه, فلقد استقر خبراء المياه في منطقة الشرق الأوسط علي أجندة لإدارة السياسات المائية العربية وتشتمل علي الآتي:
< تنمية وتطوير قاعدة للمعلومات حول الموارد المائية العربية.
< تشجيع البحث العلمي والتكنولوجي في مجال تنمية الموارد المائية والبحث عن بدائل جديدة وتوفير تقنيات أكثر تقدما وأقل تكلفة.
< الاستخدام الأمثل للموارد المائية العربية المتاحة حاليا وتحري قواعد الكفاءة الاقتصادية في استخدام الموارد الناضبة وخصوصا المياه الجوفية وتحديث نظم الري والزراعة.
< توثيق عري التعاون الإقليمي مع دول أعالي الأنهار العربية لتفادي المشكلات الناجمة عن التوزيع المتفاوت لحصص المياه وقطع الطريق علي محاولات التسلل الإسرائيلي الي هذه الدول( تركيا, إثيوبيا, أوغندا..).
< تنسيق المواقف العربية في المنظمات الإقليمية والدولية المعنية بالمياه واستثمار الوجود العربي في الاتحاد الإفريقي, ومنظمة المؤتمر الإسلامي للتأثير في مواقف دول الجوار ذات الصلة بالمياه العربية, لاسيما إثيوبيا وتركيا.
< استحداث آليات جديدة سياسية أو قانونية لفض المنازعات التي تنشأ بين العرب ودول الجوار الجغرافي حول اقتسام الموارد المائية.
ويضاف الي ذلك جملة من المؤشرات المصرية المهمة التي يتعين الاسترشاد بها في قضية الصراع من أجل المياه:
1 ـ ضرورة إيجاد ثقافة مائية في المجتمع المصري, لأن مفهوم الأمن المائي المصري لا يتعين إدراكه من جانب صانعي القرار فحسب, وإنما من جانب المجتمع المصري المستهلك للمياه في الأغراض المختلفة.
2 ـ إنشاء مجلس أعلي للسياسات المائية لمتابعة تطورات دول حوض النيل.
3 ـ إعادة النظر في سياسة مصر الخارجية تجاه دول حوض النيل بإنشاء إدارة خاصة لهذه الدول يطلق عليها إدارة مياه النيل تختص بقضية المياه فقط بالتوازي مع عمل الادارات الأخري, سواء الاقتصادية أو السياسية وأن يكون في كل سفارة مصرية في دول حوض النيل خبير في شئون المياه..
4 ـ إنشاء معهد أو كلية لمياه النيل يدرس فيها الأفارقة مع المصريين لإعداد كوادر إفريقية متخصصة وهو ما يمثل أرضية مشتركة للتفاهم المستقبلي بشأن المياه.
5 ـ ضرورة متابعة كل ما يصدره البنك الدولي والمؤسسات الأخري بشأن مفاهيم خصخصة وتسعير المياه وبورصات المياه, ويحسن إنشاء وحدة دراسات داخل وزارة الموارد المائية والري تختص بالمؤسسات الدولية ومواقفها تجاه قضية المياه في حوض نهر النيل.
يبقي أخيرا أن نذكر أن الاحتمالات المتشائمة للصراع حول المياه في المنطقة العربية والشرق أوسطية واردة, وأحسب أنه يمكن لاتفاديها إلا بإيجاد استراتيجية عربية للمياه تتبناها منظمة اقليمية متخصصة تناط بها مسئولية إدارة المياه وتنميتها وتنسيق مواقف الدول ودرء أي خطر يهدد مستقبلهم.

د‏.‏ سعيد اللاوندي
الأهرام 13 يونيو 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*