البنك الدولي: الوضع المائي في الخليج معقد وخطير وشحيح


في الوقت الذي دخل مشروع الربط الكهربائي بين دول مجلس التعاون الخليجي حيز التنفيذ، يقول اقتصاديون إنه مضى على فكرة الربط المائي الخليجي أكثر من سبع سنوات دون وجود خطوات تنفيذية لتجسيده على أرض الواقع، في الوقت الذي بات من الواضح، ووفقا للتقارير صادرة عن البنك الدولي، أن الوضع المائي في دول التعاون الخليجي يبدو أكثر تعقيدا وخطورة، حيث تواجه دول المجلس مشكلة حقيقية في شح موارد المياه، حيث يتراوح إجمالي الموارد المائية المتجددة لدول المجلس بين أربعة مليارات مترمكعب سنويا، وفقا لتقديرات الأمم المتحدة الصادرة في عام 2010 ونحو عشرة مليارات مترمكعب سنويا، حسب بعض التقديرات الرسمية، وهي موارد على هيئة أمطار وسيول ومياه جوفية ومياه مختزنة خلف السدود في المناطق الجنوبية من شبه الجزيرة العربية وبعض مناطق سلطنة عمان، إلا أنها في جميع الأحوال لا تمثل نسبة أكثر من 3 في المائة من مجموع الموارد المائية العربية المتجددة.
وكانت دول مجلس التعاون الخليجية قد بدأت بدراسة دراسة الجدوى مشروع الربط المائي التي ستساعد في توفير المياه اللازمة للدول الست الأعضاء في التعاون الخليجي في الظروف الطارئة عن طريق محطات التحلية التي سيتم إنشاؤها على خليج عمان والخليج العربي منذ نحو سبع سنوات. وقدرت تكلفة المشروع آنذاك بنحو 3.86 مليار دولار، منها 2.2 مليار دولار قيمة إنشاء خط أنابيب توصيل المياه الممتدة من صحار في عمان، وحتى الكويت، بينما تبلغ تكلفة إنشاء محطات التحلية، اثنتان بالتناضخ العكسي في عمان والإمارات، والثالثة بإنتاج مزدوج للماء والكهرباء في السعودية 1.561 مليار دولار.
ويقول اقتصاديون: إنه نظرا إلى النمو الكبير في المشاريع العقارية والتجارية والسياحية المدفوعة بزيادة السيولة تتوقع مصادر صناعة الطاقة أن يصل حجم الاستثمارات في قطاع المياه توليد الطاقة في دول مجلس التعاون الخليجي إلى 120 مليار دولار، خلال السنوات العشر المقبلة.
ويضيفون: إن دول مجلس التعاون مقبلة على مرحلة جديدة من النمو في السنوات العشر المقبلة، ما يحتّم عليها التوسع في صناعة الطاقة وضخ استثمارات جديدة بالتعاون مع القطاع الخاص. وأكدوا أن النمو السنوي على المياه يصل إلى 8 في المائة بسبب ازدياد عدد السكان وتنفيذ مشاريع العمران والزراعة والصناعة والسياحة؛ ما يحتم على حكومات المنطقة البحث عن بدائل لزيادة الإمدادات المائية تجنبا لحدوث آفات في المستقبل.
وتبذل دول المجلس جهودا كثيرة للبحث عن حلول لأزمة المياه التي تواجهها، تتنوع ما بين الجماعية والفردية. كما خطت دول مجلس التعاون خطوات حثيثة في مجال التعاون المائي، حيث أعلن في تشرين الثاني (نوفمبر) 2004 أن دول المجلس ستنفذ مشروع الربط المائي فيما بينها، ويعتبر المشروع من المشاريع الحيوية المهمة، وأحد الخيارات الاستراتيجية الجديدة لدول المنطقة، حيث سيسهم في تزويدها بالمياه أثناء فترة الطوارئ والكوارث التي قد تتعرض لها أي دولة من دول المنطقة.
وتمثل تحلية مياه البحر أحد أبرز الخيارات المطروحة حاليا لحل أزمة المياه، حيث تحتل دول مجلس التعاون المركز الأول عالميا في إنتاج مياه البحر المحلاة بإنتاج يصل إلى 11.99 مليون مترمكعب يوميا، ويوجد فيها نحو 60 في المائة من مشاريع التحلية في العالم.
وتعد المملكة أكبر منتج لها في العالم بنصيب يقارب ثلث إجمالي الإنتاج، ويقدر في الوقت الحاضر بنحو 2.17 مليون متر مكعب يوميا (827 مليون مترمكعب عام 2007) تغطي أكثر من 70 في المائة من احتياجات مياه الشرب وذلك من خلال 27 محطة لتحلية المياه المالحة في المملكة، كما تخطط الحكومة لإقامة 22 مشروعا للتحلية، منها 16 على ساحل البحر الأحمر، وستة على ساحل الخليج العربي، إلى جانب دراسة وتصميم 13 مشروعا لنقل المياه المحلاة.
وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها دول مجلس التعاون الخليجي الست للسيطرة علي هذه الأزمة، تبقى صياغة استراتيجية خليجية موحدة للتعامل مع الوضع المائي في المنطقة ومحاولة السيطرة على تداعياته الخطيرة، ضرورة ملحة. على أن تشتمل هذه الاستراتيجية على عناصر متكاملة عدة، أهمها مشاركة القطاع الخاص في دول مجلس التعاون في مشاريع المياه المستقبلية. وتشمل هذه الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص مجال إدارة وتوزيع وإنتاج المياه، علما بأن تكلفة هذه المهمة في القطاع الخاص تقل عن نظيرتها في الحكومة بنحو 84 في المائة انطلاقا من أن هذا القطاع يسعى إلى الربح والكفاءة والجودة، وعموما فقد بدأت بعض دول الخليج في اتباع هذا الأسلوب، ومنها السعودية والكويت والبحرين.
كذلك البحث في استخدام الأساليب الحديثة للطاقة البديلة في تنقية وتحلية المياه، التي أوضحها مركز الأمير سلطان لأبحاث البيئة والمياه والصحراء في استخدام تقنيات الأغشية وتطبيقاتها في معالجة مياه الصرف الصحي، وإعادة استخدامها إلى جانب الطاقة الشمسية واستخداماتها في تحلية المياه، فضلا عن استخدام أحواض التبخر في التخلص من المياه الناتجة عن محطات التحلية في المناطق الداخلية.
وتقول تقارير للبنك الدولي: إنه بالنظر إلى تناقص كميات المياه الجوفية المتاحة لأغراض الزراعة، فإن اعتماد بلدان المنطقة على الحصول على احتياجاتها من المنتجات الغذائية من الخارج مرشح للازدياد بدرجة كبيرة. وعلى الرغم من وجاهة هذا السيناريو، يتوجب التذكر أن هناك مخاطر اقتصادية مصاحبة لتزايد اعتماد المنطقة على التجارة؛ لذا فمن الضروري الأخذ بعين الاعتبار ما تتصف به منطقة كالشرق الأوسط من عدم الاستقرار والتقلب.
وتعتمد دول المجلس بصورة شبه كاملة على المياه الجوفية في ظل امتلاكها مخزونا استراتيجيا من الموارد المائية الجوفية قدر بنحو 361.5 مليار مترمكعب سنويا وتمثل هذه الكمية نحو 4.6 في المائة من إجمالي مخزون المياه الجوفية في البلدان العربية.
وتبيّن التقارير أن هناك أسبابا عدة لأزمة المياه في دول مجلس التعاون الخليجي، أهمها: ندرة موارد المياه العذبة السطحية والجوفية، وذلك بسبب عوامل الموقع والتكوين الجغرافي، حيث تقع دول شبه الجزيرة العربية في مناخ صحراوي شديد الجفاف والتصحر، ومن ثم تعد نسبة المياه المتوافرة من سقوط الأمطار محدودة جدا وغير منتظمة.
كما أن ارتفاع الطلب على المياه يعد أحد أهم أسباب أزمة المياه في منطقة الخليج، حيث تشير الإحصاءات إلى ارتفاع الطلب على المياه في جميع دول المجلس من ستة مليارات مترمكعب عام 1980 إلى أكثر من 26 مليار مترمكعب في عام 2010، طبقا لتقرير الأمم المتحدة؛ مما أدى إلى وجود عجز مائي يصل إلى نحو 20 مليار مترمكعب تتم تغطيته بواسطة سحب المياه الجوفية والتوسع في بناء محطات التحلية.
إلا أن التحدي الأهم في ذلك هو خفض معدل استهلاك الفرد الخليجي للماء؛ حيث كشف تقرير لمنظمة الخليج للاستشارات الصناعية، أن استهلاك مياه الشرب للأغراض المنزلية في دول الخليج قد زاد من مليار و169 مليون مترمكعب في عام 1985 إلى ثلاثة مليارات و219 مليون مترمكعب في عام 2000. ويتوقع أن يبلغ ثمانية مليارات و855 مليون مترمكعب عام 2010.
وبشكل عام، فإن متوسط استهلاك الفرد في منطقة الخليج من المياه يبلغ نحو 1035 مترا مكعبا سنويا، وإذا ما استمر هذا المعدل من الاستهلاك، فإن دول المجلس ستكون في حاجة إلى ما يقارب 49 مليار مترمكعب من المياه سنويا بحلول عام 2025. فضلا عن أن ارتفاع معدلات النمو السكاني بصورة متزايدة تقدر بنحو 3 في المائة سنويا، تعد أحد أهم أسباب أزمة المياه في منطقة الخليج، حيث يتوقع ارتفاع عدد سكان دول المجلس من 30.4 مليون نسمة عام 2001 إلى ما يزيد على 56 مليون نسمة عام 2025، وذلك مقارنة بـ 7.6 مليون فقط عام 1970؛ الأمر الذي يشكل عبئا كبيرا على شبكات المياه لما يستلزمه من ضرورة توفير الاحتياجات المتزايدة للمياه لجميع الاستخدامات المنزلية التي تستنزف نسبة كبيرة تراوح بين 5 في المائة في عمان و39 في المائة في البحرين مقارنة بـ 9 في المائة في السعودية و23 في المائة في قطر و24 في المائة في الإمارات و37 في المائة في الكويت؛ وهي نسبة عالية جدا تعبر عن الإسراف الشديد في استخدامات السكان للمياه.

حسن العالي من المنامة
الاقتصادية 15 مايو 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*