30 دولة ستعاني من ندرة المياه في 2025


تحذر أغلبية الدراسات التي صدرت أخيرا من الجهات المختصة والمنظمات العالمية التي تعنى بشؤون المياه في العالم، من أن العالم مقبل على أزمة مياه عالمية بسبب التغيرات المناخية التي شهدها العالم أخيرا، كالاحتباس الحراري والجفاف، وأوضح عديد من الدراسات أن هناك بعض الأنهار الرئيسية قد تجف خلال الـ 50 عاما المقبلة، وخصوصا مع ازدياد أعداد الناس لتصل إلى تسعة مليارات في النصف الأول من القرن المقبل، مما يزيد من تفاقم الأزمة على الصعيد العالمي ويهدد مستقبل الأمن المائي العالمي. فقد بات من الواضح أن حروب المستقبل ستنحو منحى جديدا، وذلك من خلال التوقعات ببروز ظاهرة حروب المياه.
وتشكل منطقة الشرق الأوسط المنطقة الأبرز لحروب المستقبل في المياه بعد أن كانت ولا تزال منطقة الحروب والنزاعات من أجل الثروات الطبيعة الأخرى وأهمها النفط، فقد أشار خبراء إلى أن الأمم المتحدة يجب أن تعمل على النهوض “بدبلوماسية المياه” لنزع فتيل أي توتر بشأن المياه في مناطق مثل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث يمكن أن يؤدي شح الموارد إلى صراعات في المستقبل، وأضافوا أنه ينبغي لمجلس الأمن الدولي أن يجد سبلا لتعزيز التعاون بشأن المياه في البحيرات أو الأنهار المشتركة مثل الميكونج والنيل، التي يرجح أن تتعرض لضغوط بسبب ارتفاع عدد سكان العالم والتغير المناخي، وقالوا إن منطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هما الأكثر عرضة لخطر الصراع بسبب شح المياه، لكن التاريخ يظهر أن “حروب المياه” نادرة للغاية، وقال ظفر عديل رئيس برنامج المياه في الأمم المتحدة قبل اجتماع للخبراء في كندا لمناقشة قضايا المياه والأمن “نحن نعتقد أن المياه ستكون قضية ملائمة لمجلس الأمن الدولي”.
وتتوقع دراسات الأمم المتحدة أن تعاني 30 دولة ندرة المياه في 2025 ارتفاعا من 20 في 1990، و18 من هذه الدول في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأضيفت مصر وليبيا إلى القائمة التي أعدت عام 1990، وتضم أيضا دولة الاحتلال الإسرائيلي والصومال، وتعني ندرة المياه ألا يتاح للفرد سوى ألف متر مكعب أو أقل من المياه سنويا، وينسق برنامج الأمم المتحدة للمياه الأنشطة المتعلقة بالمياه التي تقوم بها جميع وكالات الأمم المتحدة، ويوافق يوم 22 آذار (مارس) من كل عام “يوم المياه العالمي” في جدول أنشطة الأمم المتحدة، وأفاد بيان بخصوص المحادثات التي جرت في تورونتو يومي 21 و23 آذار (مارس) الماضي بأن “المنطقة العربية التي تتألف من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على رأس المناطق المعرضة لخطر صراعات المياه”، وقال عديل إنه يجب على الأمم المتحدة أن تسعى للنهوض بالتعاون بين المتنافسين على موارد الماء من خلال شكل من أشكال “دبلوماسية المياه” ـــ بحسب “فرانس برس”.
وقال “لدينا تاريخ كامل من الحالات التي استخدمت فيها دول في حالة حرب المياه كعنصر محايد تقريبا”، وتعاونت الهند وباكستان على سبيل المثال في تقاسم إمدادات المياه في نهر أندوس حتى أثناء حربي 1965 و1971، ويقول خبراء إن الحالة الوحيدة الموثقة لوقوع “حرب مياه” كانت قبل 4500 عام عندما اندلعت حرب بين مدينتي لقش وأمة في منطقة بين النهرين. وقال فابريس رينو من معهد البيئة والأمن البشري في جامعة الأمم المتحدة في بيان إنه باستثناء هذا المثال “لم تكن المياه يوما السبب الرئيس لوقوع حرب بين دولتين”، وبرغم ذلك قال عديل إن الضغوط على إمدادات المياه بسبب الاحتباس الحراري وازدياد السكان الذين يتوقع أن يصل عددهم إلى تسعة مليارات بحلول 2050 ارتفاعا من سبعة مليارات في 2011 قد يشددان خطر اندلاع صراعات مستقبل، ويعيش 40 في المائة من سكان العالم في أحواض 263 نهرا عالميا، منها ما هو كبير مثل الأمازون وما هو صغير مثل نهر الأردن، وأعدت محادثات تورونتو لاجتماع أوسع في أيار (مايو) الحالي، يضم 37 زعيما عالميا سابقا في مجموعة تدعى مجلس العمل المشترك. من جهتها اعتبرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “فاو” أنه من الضروري “اعتماد مقاربات مبتكرة لضمان توفير الإمدادات المناسبة والآمنة للمياه لسكان المدن في المستقبل”. وقال ألكسندر مولر المدير العام المساعد لـ “فاو” للموارد الطبيعية “خلال السنوات الـ 20 المقبلة سيقيم 60 في المائة من سكان العالم في المدن، والجزء الأكبر من توسع المدن سيحصل في دول نامية”، وأشارت “فاو” إلى أن حاجات سكان المدن لمياه الشرب والاستحمام والطبخ سترتفع، إلا أن طلبا متزايدا على الأغذية يؤدي أيضا إلى ارتفاع في الطلب على الماء من خلال نمو الزراعة في المدن وضواحيها، وأضاف مولر في بيان أن “مجموعة الضغوط هذه التي تمارس على شبكات المياه في المدن تتطلب سيناريوهات غير كلاسيكية”. فجمع مياه الأمطار في المدن على سبيل المثال يوفر إمكانات واسعة للزراعة في المدن، إلا أن ذلك يبقى مجالا غير مستغل نسبيا، وكثير من سكان المدن أصحاب الأجور المتدنية يلجأون إلى الزراعة في حدائقهم أو إلى تربية الدواجن لتأمين لقمة العيش لعائلاتهم، وسلطت أزمات مياه الري داخل المدن وفي محيطها والاهتمام المتزايد بالزراعة في المدن، الضوء على القدرة على إعادة استخدام المياه في المدن، ويقول خافيير ماتيو الخبير في “فاو” “في الوقت الراهن يتنازع المزارعون والمدن مصادر المياه، المدن تستخدم المياه قبل أن تعيد تصريفها ملوثة بذلك البيئة، فمن المنطقي أكثر معالجة مياه المدن وإعادة استخدامها في مجال الزراعة.
ويعيش نصف سكان العالم اليوم في المدن، ومن المتوقع أن تقفز هذه النسبة إلى أكثر من 70 في المائة بحلول عام 2050. غير أن مياه الشرب النظيفة تتقلص بصورة مطردة منذ عام 1990 في إفريقيا، التي تشهد أعلى معدلات التوسع الحضري في العالم. وقال عليون بديان، المدير الإقليمي لمنطقة إفريقيا والدول العربية في برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (الموئل)، “إن قدرة الحكومات الإفريقية على تقديم خدمات المياه في المناطق الحضرية تتراجع، هذا دون ذكر الصرف الصحي”، وكان برنامج الموئل أحد منظمي مؤتمر اليوم العالمي للمياه الذي أقيم تحت شعار “المياه للمدن، استجابة للتحدي العمراني”، واختتم أعماله يوم 22 آذار (مارس) الماضي في مدينة كيب تاون في جنوب إفريقيا.
وتوفير المياه الصالحة للشرب والمرافق الصحية الأساسية للفقراء في المناطق الحضرية التحدي الأساسي الذي يواجه العالم اليوم، وقال الدكتور خوان كلوس، نائب الأمين العام للأمم المتحدة والمدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، “في الأحياء الفقيرة في نيروبي، ومثيلاتها في ريو دي جانيرو وكلكتا، وحتى هنا في بلدات كيب تاون، يعد توفير المياه الصالحة للشرب والمرافق الصحية الأساسية للفقراء في المناطق الحضرية التحدي الأساسي الذي يواجه العالم اليوم”، وتفتقر أكثر من 100 ألف أسرة في كيب تاون ـــ وهي مقصد سياحي دولي ـــ إلى خدمات الصرف الصحي الأساسية، وفقاً لتقرير صدر عام 2010 عن “واتر ديالوجز”، وهو مشروع بحثي دولي، ويمكن للابتكار التكنولوجي والشراكات بين القطاعين العام والخاص توفير حلول لتحديات المياه والصرف الصحي في بيئة من التوسع الحضري السريع، ولكن الوفود اتفقت على أن ذلك يعني التخلص من النماذج القديمة واعتماد نهج تعاوني جديد متعدد التخصصات والتغلب على غياب القيادة والقدرات كذلك.
من جهة أخرى، جاءت موريتانيا والكويت والأردن ومصر بين الدول الأقل أمانا من حيث إمدادات المياه حسب تصنيف أعدته مجموعة مابلكروفت البريطانية لتحليل المخاطر، وذكرت المجموعة أن نقص المياه في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا قد يسبب توترات سياسية وارتفاع أكبر لأسعار النفط، ونصحت المجموعة الشركات بأن تضع توافر إمدادات المياه في الحسبان عند اتخاذ قرارات استثمار نتيجة تزايد الطلب من السكان والتأثيرات الأخرى للتغيرات المناخية، وأفادت أن موريتانيا في غرب إفريقيا صاحبة أقل الإمدادات أمانا بين 160 دول شملتها الدراسة تليها الكويت والأردن ومصر وإسرائيل والنيجر والعراق وعمان والإمارات، وقالت “مابلكروفت” في بيان “قد تقود المخاطر المفرطة المتعلقة بإمدادات المياه في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لزيادة أكبر لأسعار النفط العالمية وتصاعد التوترات السياسية في المستقبل.
ويواجه كثير من الدول المنتجة للنفط الأعضاء في منظمة أوبك (ومن بينها السعودية وتأتي في المرتبة الـ 13 في التصنيف) ضغطا على الإمدادات. وقال توم ستايلز محلل المخاطر في “مابلكروفت” إنه كثيرا ما تضخ المياه في مكامن النفط من أجل زيادة الضغط وزيادة الكمية المستخرجة على سبيل المثال، ومع نفاد المياه الجوفية سيقود نقص المياه أسعار النفط صعودا، كما توقع ارتفاع تكلفة الماء المنتج من محطات التحلية أو الذي ينقل من البحر عبر أنابيب، وقال التقرير إن موريتانيا جاءت في المقدمة لأن فيها نهرا واحدا تجري فيه المياه على مدار العام هو نهر السنغال “وفيما عدا عدد قليل من الوديان والواحات الغنية بالمياه تعاني البلاد جفافا كليا تقريبا”، ويتوقع أن ينمو السكان بنسبة 3 في المائة سنويا، مما يزيد الطلب العالمي على المياه. وذلك يعني أن المنطقة عموما ستواجه مخاطر مستقبلية تتعلق بالأمن المائي الذي يشكل أهم ركائز الأمن القومي للدول، وهي أشد خطورة من التوقعات التي يراها المحللون، مما يستدعي ضرورة بناء استراتيجيات جديدة لمواجهة هذا الخطر القادم، الذي بدأ بشكل فعلي يطرح نفسه وبقوة كبيرة على الواقع العربي، حيث أصبح لا بد من بناء استراتيجية عربية واضحة المعالم لمواجهة احتمالات حروب المستقبل التي سيكون عنوانها الماء!
جهاد المحيسن – الاقتصادية 6 مايو 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*