شح المياه… علة التنمية العربية

خليل علي حيدر

“الماء والنفط لا يختلطان إلا عند العرب”! إن مناطق قليلة في العالم، يضيف د. عاطف قبرصي، ترتبط أسباب عيشها ومصيرها بالموارد الطبيعية.. مثل المنطقة العربية. وهذا الاعتماد المفرط على موارد طبيعية غير متجددة، كالنفط والماء، “هو في صميم علة التنمية العربية”. والمفارقة هنا، كما يلاحظ الباحث، أن العالم العربي يحتوي أكبر احتياطي نفطي يبلغ أكثر من 66 بالمئة من مجموع احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، في حين لا يتوفر فيه سوى 1في المئة من المياه العذبة المتجددة. وقد هبط معدل نصيب الفرد الواحد سنوياً من الماء العذب في المنطقة من 3300 متر مكعب عام 1960، إلى أقل من 1250 عام 1995، وهو أقل معدل توافر للمياه للفرد الواحد في العالم. وحتى في لبنان المعروف بوفرة مياهه، لا يزيد المعدل فيه على 1200 متر مكعب.

ولا يعد النمو السكاني أو الصناعي وحدهما المسؤولين عن ازدياد الطلب، فثمة مياه كافية لتلبية حاجة المجتمع في الحدود المعقولة، ولكن “لا توجد سوى حوافز قليلة، لاستعمال هذا المورد المهم على نحو حكيم وكفؤ”.

مصادر الماء الأساسية في المنطقة العربية كما يعرف الجميع مهددة، فقد تحول “نهر الأردن” مثلاً إلى مجرد جدول صغير، ولم يتبق من مياه النهر سوى النزر اليسير، ما بين 20 إلى 40 مليون متر مكعب مقارنة بنحو 1300 مليون متر مكعب عام 1930 مثلاً! وقد أدى برنامج بناء السدود التركي الطموح، “إلى تقليص امدادات مياه نهري دجلة والفرات في سوريا والعراق. ويشكل النيل، الذي يعتبر أطول أنهار العالم، 6560 كيلومتراً، بؤرة نزاع بين مصر والسودان من جهة، وثماني دول أفريقية، هي إثيوبيا وإريتريا وأوغندا وتنزانيا وكينيا والكونغو الديمقراطية وبوروندي”. وثمة نزاع قديم بين العرب والإسرائيليين حول الماء، فيما تنبأ التونسي “هادي العربي” مدير إدارة الشرق الأوسط في البنك الدولي “إنها أشبه بالمعجزة أن يتفادى الشرق الأوسط المبتلى بالنزاعات نشوب حروب كبرى بسبب المياه.. وبالنسبة للكثير من دول المنطقة، التي تسير بالفعل على شفا المواجهة، أصبحت المياه بشكل متزايد عاملاً للتوتر، وقضية أمن وطني”.

وكانت اتفاقية 1929 مع بريطانيا التي كانت تمثل مستعمراتها في شرق أفريقيا، قد منحت القاهرة الحق في الاعتراض على المشاريع التي تغير مجرى مياه النيل، كما يعطي اتفاق 1959 مع السودان نصيب الأسد من مياه النهر، مع أن السودان يعتبر ثاني أكبر مستهلك لمياه النهر بعد مصر. وفي أبريل 2009، طالبت مصر باستمرار تمتعها بحق الفيتو على أي مشاريع ري جديدة تشيدها دول حوض النيل. ولكن دول جنوب الصحراء رفضت المطلب، ودعت إلى إعادة تقسيم حصص مياه نهر النيل بما يتواءم مع الزيادة المطردة في عدد السكان والمشاريع الصناعية، لا سيما مشاريع توليد الطاقة والنمو الزراعي. وبالفعل، فقد وقعت كل دول حوض النيل مؤخراً -باستثناء مصر والسودان- اتفاقاً للتعاون بشأن المياه، وليس من الواضح ماذا سيحدث بعد ذلك، وسط التأثير المتزايد للتغير المناخي واضمحلال موارد المياه، وفي ظل تمسك مصر بمواقفها وإصرارها على حصتها بلا نقصان.

أما بخصوص سوريا والعراق، فقد دشنت الحكومية التركية “سد أتاتورك” قرب “بوزوفا” Bozova، في جنوب شرقي الأناضول في 25 يوليو 1992، والسد جزء من شبكة متكاملة واسعة كلفت عدة مليارات من الدولارات، للري ولتوليد الطاقة الكهربائية، وتضم 22 سداً على نهري دجلة والفرات. وبحلول عام 2015، يقول د. قبرصي، ستساعد السدود الجديدة في توليد المزيد من الطاقة، وقد تروي نحو عشرين ألف كيلومتر مربع من الأرض، ضعف مساحة لبنان، مما يضاعف نظرياً إنتاج تركيا الزراعي. وفيما تعتمد تركيا على مياه النهرين دجلة والفرات بنسبة 28 في المئة، تعتمد سوريا بنسبة 40 في المئة والعراق بنسبة 80 في المئة. وسوف تغرق خطة تركيا، كما أعلن عنها، لملء السدود، نحو 155 قرية في تركيا وتغير البيئة بكاملها، وتقلل حصتي سوريا والعراق على نحو جوهري. وعندما قررت تركيا تحويل مجرى نهر الفرات وملء سد أتاتورك عام 1990، أوقفت تماماً تدفق النهر إلى سوريا والعراق، مما أحدث أزمة حادة، أعادت بعدها تركيا التدفق إلى معدله الطبيعي، ولم تهدأ نزاعات المياه بين تركيا وسوريا والعراق.

وتقول دراسة “إد بلانش” المنشورة في “القبس” عن مجلة “ميدل إيست”، إن الإسرائيليين يستهلكون أربعة أضعاف ما يستهلكه الفلسطينيون من المياه، حيث اتهمت منظمة العفو الدولية إسرائيل بحرمان أكثر من مائتي ألف فلسطيني في الضفة الغربية من المياه الجارية، لكن إسرائيل نفت هذه الاتهامات. والمفارقة أنه في الوقت الذي يخوض فيه الإسرائيليون والفلسطينيون صراعاً مريراً على مصادر المياه المستهلكة، يهدر اللبنانيون مياههم بسبب سوء الإدارة، والفشل في الحفاظ على، أو بناء نظام مناسب للامداد. وتعتبر لبنان غنية بمصادر المياه، ويقول أحد المسؤولين في وزارة الطاقة اللبنانية، “إننا نستهلك نصف كمية مياهنا للشرب والري والأغراض الصناعية، أما الباقي فيتم التخلص منه في البحر المتوسط”.

وتتصدر دول مجلس التعاون الخليجي الصدارة في مجال تحلية المياه المالحة من البحر، وقد وقعت المملكة العربية السعودية في نوفمبر 2010 عقدَيْ إنشاء أكبر محطة تحلية في العالم، والتي ستبلغ تكاليف إنشائها مع ربطها بالمدن المستهدفة نحو 6.6 مليار دولار، في منطقة “راس الزور”، بطاقة تزيد عن مليون متر مكعب من الماء يومياً.

وفي الكويت تحدث العديد من المسؤولين في مجال الماء والطاقة عن مشكلة توفير المياه اللازمة أمام حاجات استهلاكية متنامية، وأشار الخبير د. محمود حاجي إلى جوانب مهمة مثل المياه الجوفية والحد من الاستهلاك وغير ذلك، وقال إن دول الخليج ليست حرة في مد أنابيب شفط الماء منه كما تشاء للتحلية، ذلك أن “لكل دولة شريحة من المياه الدولية، فهناك مخصصات لكل دولة تتناسب مع عدد سكانها ومتطلباتها. فحجم الأنبوب الذي يدخل البحر ويسحب الماء يُقدَّر حسب معايير وقوانين دولية. وعند سحب كميات كبيرة من المياه لابد أن تعلم أنها ستنتج في المقابل مياه صرف صحي يخلق مشكلة عند التخلص منه، فهناك قوانين ومعايير تحمي البيئة البحرية من إلقاء الصرف الصحي بإفراط في البحر”. وأضاف د. حجي “إن على الكويت أن تدرك تأثير موقعها الجغرافي على رأس الخليج، حيث الأمواج بطيئة، والتخلص من النفايات يستغرق وقتاً أطول، وبالتالي فإن نسبة الترسبات والنفايات عالية في مياهنا”.

وطالب الخبير الاقتصادي بنظام ترشيد توعوي في مجال استهلاك الماء، والحد من هدر المياه العذبة في كل مجال مثل غسل السيارات أمام البيوت بالخراطيم، “ففي الدول الأوروبية عملية غسل السيارات عند الأبواب تمثل جنحة يعاقب عليها القانون بالغرامة”. وفي مجال المطالبة بإقامة المزيد من محطات التقطير قال: “نحن بحاجة إلى تقنين الاستهلاك وليس إلى زيادة محطات تكرير الماء، فاستهلاكنا من الماء كبير جداً وغير مقنن وليس مدروساً. ما نحن بحاجة إليه الآن هو توعية المواطنين والمقيمين”. ولفت الأستاذ حيدر الأنظار إلى مسألة غاية في الأهمية قائلاً: “إن زيادة المحطات لا تعني أن مشاكلنا الخاصة بالماء قد انتهت، ذلك أنه كلما زادت المحطات كلما زادت حدة التلوث في مياه الخليج.

الاتحاد 3 ابريل 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*