الماء في بلادنا أيضا قابل للنضوب

الماء في بلادنا أيضا قابل للنضوب
عثمان الخويطر
صحيفة الاقتصادية – 15 مارس 2009

لحكمة الله أعلم بها، نجد أن الماء الصالح للاستعمال يتوافر بكميات كبيرة في بعض المناطق من الأرض كالبحيرات والأنهار والأمطار الغزيرة، ويكون وجوده شحيحاً في مناطق أخرى كالتي لا تتوافر فيها تلك المصادر. ودول الخليج العربي تعتمد منذ آلاف السنين على مصادر المياه الجوفية القابلة للنضوب. ومع ذلك، فنحن في العصر الحديث، من أشد خلق الله إسرافاً في استهلاك الماء بين شعوب العالم، وهو أمر محزن لأننا لا ندرك أن أجيالنا القادمة هي التي ستعاني نقصا حادا في المصادر المائية نتيجة لتصرفاتنا وعدم تقديرنا لعواقب الأمور. ونحن نعلم أن الماء الذي نستهلكه اليوم كان قد تجمَّع في مكامنه قبل عشرات الألوف من سنوات العصور الممطرة. ونظراً لقلة نزول المطر خلال السنوات المتأخرة، فإن ما نستهلكه نحن وأجيالنا القادمة ليس له تعويض. ولذلك فمن المشاهد أن مستوى المياه الجوفية في المناطق الزراعية يتراجع إلى أسفل مع مرور الوقت، أي يصبح أكثر عمقاً. ففي القصيم، وربما أيضا في منطقة الأحساء، ينخفض مستوى الماء بمعدل يراوح بين متر إلى مترين سنويا>
ونسمع عبر وسائل الإعلام عن المحاولات التي تبذلها الجهات المسؤولة في الدولة من أجل تنوير أفراد المجتمع بأهمية الاقتصاد في استعمال الماء في حياتهم اليومية وإرشادهم إلى الطرق التي تسهم في ذلك. إلا أنك لا تجد على أرض الواقع ما يدل على أن المواطنين قد أخذوا النصائح والتعليمات مأخذ الجد. والجهود المبذولة حالياًّ من قبل المسؤولين حول الحد من استهلاك الماء مقصورة على الاستهلاك المنزلي، وهو لا يتعدى 10 في المائة من الاستهلاك الكلي في المملكة. أما الـ 90 في المائة الباقية فتُستهلك نسبة كبيرة منها في الزراعة، وقليل في الصناعة والشؤون الأخرى، ولا عليها حسيب ولا رقيب. ولا ندري ما دور وزارة المياه والكهرباء إذا لم يكن العمل على مراقبة الاستهلاك وإيجاد النظم والقوانين التي تمنع استعمال الماء في غير الأمور الضرورية التي لا يمكن بحال من الأحوال الاستغناء عنها. لقد دهشنا عندما علمنا أن كمية كبيرة من المياه “الصحية” يُصدَّر إلى الخارج، بينما الدولة تمنع تصدير الأعلاف رغبة في توفير الماء.
وهناك كثير من الحقول الزراعية التي تستهلك كميات هائلة من مخزون المياه الجوفية، مع وجود بديل لبعض المحاصيل الزراعية في الأسواق العالمية بأسعار مناسبة. ولا يزال المزارعون في بلادنا يستخدمون في ريِّهم الطرق البدائية التي تضاعف الاستهلاك بسبب التبخر وعدم قدرتهم على تحسين إدارة تصريف المياه بين الأحواض المزروعة، لأنهم يملكون حرية مطلقة في استخدام أكبر كمية ممكنة من الماء دون ثمن ولا محاسبة، مع غياب كامل للوعي والثقافة العامة التي تجعلهم يدركون أن الماء ثروة ناضبة، وأن لأجيالهم اللاحقة نصيبا منه.
وإذا كنا نعلم علم اليقين أن الثروة المائية في بلادنا قابلة للنضوب وأن عمرها محدود وليس لها تعويض من أمطار أو مصادر أخرى، فلماذا لا نجعل للماء المُستخدم في الزراعة والصناعة قيمة ولو رمزية في بداية الأمر، حتى يشعر المواطن بأهميته؟ ويجب أن يكون في إدراك أفراد المجتمع أن الماء بالنسبة لنا لا يقل أهمية ولا قيمة عن النفط، إن لم يكن أكثر أهمية. فنحن نستطيع العيش من دون النفط ولكننا لا نستغني عن الماء يوماً واحداً. أفلا يجب إذاً أن نوليه اهتماماً خاصاًّ؟ وقد بدأت في الآونة الأخيرة تظهر مقالات جيدة وهادفة حول الموضوع، آخرها تحت “كلمة الافتتاحية” في صحيفة “الاقتصادية”، 4 ربيع الأول 1430هـ، والثاني في جريدة “اليوم” بقلم الدكتور محمد حامد الغامدي، 11 ربيع الأول 1430هـ
ونود لو أن وزارة المياه والكهرباء تقوم بدراسات جدية، تُقيِّم فيها كميات المياه الجوفية الموجودة القابلة للإنتاج بالوسائل المتيسرة لدينا اليوم ومقارنتها بمعدل الاستهلاك السنوي ويتم نشرها، حتى يدرك أبناء هذا الجيل كمية المياه التي ستبقى للأجيال القادمة. والوزارة عملت دراسات متعددة في صلب الموضوع خلال الأربعين سنة الماضية، ولكن نتائجها لم تكن وافية، إما لعدم المتابعة وإما لنقص في حِرَفية منْ قاموا بالدراسة أو لأسباب أخرى. ومسألة توافر الماء بالنسبة لنا كشعب يعيش في وسط الصحراء ولمستقبل أجيالنا هي حياة أو موت. والأقوال بدون أفعال وحسن النيات من دون عمل لن يفيدنا في شيء.
وقد يتساءل المرء عن مستقبل تحلية مياه البحر كجزء من الاستراتيجية الوطنية لتوفير الماء، ونحن ننتج من مياه التحلية أكثر من أيِّ دولة في العالم، حيث يزيد إنتاجنا على 800 ألف جالون في اليوم الواحد. ولكن هذه الكمية على ضخامتها ليست إلا نسبة صغيرة مقارنة باستهلاكنا اليومي للماء في جميع شؤون حياتنا. والمجال واسع لإضافة مرافق جديدة للتحلية وبالمواصفات التقليدية نفسها. إلا أن تلك المرافق التي تستخدم مشتقات النفط كوقود سوف تكون مكلفة في المستقبل عندما ترتفع أسعار النفط إلى مستويات خيالية كما هو مُتوقع. وهناك مستقبل مشرق لتحلية ماء البحر بواسطة الطاقة الشمسية التي نأمل أن نكون من روَّادها. ومن المؤكد أن الطاقة الشمسية ستكون، بإذن الله، الوريث المنافس والمناسب للنفط الذي يقترب من وصول الذروة.
وقد انتشرت في الأعوام الأخيرة عملية تقطير المياه الجوفية من أجل توفير مياه الشرب، والكمية تتضاعف مع مرور الوقت لتحوُّل معظم المواطنين إلى شرب المياه المعبأة. ولكن إزالة الملوحة من الماء بالطريقة المتبعة حالياًّ تهدر أكثر من 15 في المائة من الماء يذهب هباء.
وكلمة أخيرة: إذا كانت الدول التي تمتلك كميات هائلة من المياه تتخوف من نضوب مياهها في المستقبل، وتعمل على دراسة الخيارات المتوافرة، بل ربما إن بعضها يستعد للحرب من أجل ضمان مصادر المياه إذا لزم الأمر، فما يا ترى نظرتنا نحن لما يخفيه المستقبل ومخزون الماء عندنا بالنسبة إلى الزيادة الكبيرة المتوقعة في عدد السكان هو الأقل بين بلدان العالم؟

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*