قضية المياه في دول المجلس

حيدر بن عبد الرضا اللواتي

تظل قضية المياه تشغل بال الكثير من الساسة في العالم نتيجة شح هذا المصدر المهم في العديد من المناطق في العالم. ويتوقع البعض أن تؤدي قلة المياه في القرن الحالي ــ الحادي والعشرين ــ إلى نشوب حروب في أرجاء المعمورة، خاصة في المناطق التي تشح فيها مصادر المياه الطبيعية. وأمطار الخير التي تشهدها المنطقة الخليجية والعربية بشكل عام، يجب استثمارها واستغلالها بصورة تعود بالخير والنفع على أبنائها.

لقد ظلت قضية المياه لسنوات عديدة تناقش في أجندة دول مجلس التعاون الخليجي التي أعربت أخيرا عن قلقها تجاه هذه القضية المهمة، وباعتبارها إحدى القضايا التي تتم مناقشتها بصورة متجددة من قبل المسؤولين. وركزت أعمال القمة الحادية والثلاثين لأصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي استضافتها أبو ظبي أخيرا، على هذه القضية وقضايا أخرى عديدة تهم مسيرة المجلس. فقد أكدت دول المجلس أنها تبذل الجهد الأكبر في وحدات التحلية وتشييد المحطات، حيث إن 50 في المائة من التحلية في العالم تتم في الدول الخليجية الست، الأمر الذي يكشف للجميع الاعتماد الكبير لدول المجلس على المياه المالحة، وقيامها بعمليات التحلية للأغراض المختلفة. ومما لا شك فيه أنه في ضوء المخاوف الناجمة من التغييرات البيئية في العالم، وتعرض البحار لهزات وعمليات جيولوجية، أن الاعتماد الكبير على مياه التحلية أصبح في دائرة الخطر أيضا، الأمر الذي يتطلب إيجاد أساليب وقنوات أخرى يمكن من خلالها الاعتماد عليها في حالات حدوث أي طارئ في الأجهزة والمكائن التي تنتج هذه المياه، وإلا فإن الحياة ربما تصاب بالشلل في الكثير من النواحي.

ومن هنا رأينا أن المسؤولين في دول المجلس أكدوا أن موضوع المياه يشكل أهم تحد للدول العربية الخليجية على الرغم من الثروات المادية الأخرى التي تتمتع بها المنطقة التي تستطيع من خلالها توفير كل شيء إلا ”المياه”، هذه النعمة العظيمة التي وصفها الله ــ سبحانه وتعالى ــ في القرآن المجيد بأن قال عنها: ”وجعلنا من الماء كل شيء حي”.

لقد أكدت دول المجلس أن قضية المياه تشكّل أهم التحديات التي تواجهها دول المنطقة، وأنها قضية مقلقة من الناحيتين الاقتصادية والتكنولوجية، وأن مصادر الطاقة لم تكن كافية لتحسين المياه، ولن نستطيع الاستفادة منها، الأمر الذي لا بد من إعادة استغلال المياه المستخدمة. إن هذه القضية لم تعد قضية عادية بالنسبة للفرد والمسؤول الخليجي، إنما أصبح هماً وطموحا يريد أن يحققها مستقبلا، وهذا ما عبّر عنه المسؤولون في ختام المؤتمر باعتبار أن قضية المياه تدخل ضمن طموحات المواطن الخليجي وضمن عدد من الطموحات الأخرى التي يتطلع إليها الفرد الخليجي لتحقيقها في المستقبل. وفي هذا الصدد أكد عبد الرحمن العطية الأمين العام لدول مجلس التعاون الخليجي، أهمية توفير مصادر المياه، وربط ضرورات ذلك بمتطلبات التنمية الشاملة في المنطقة، موضحا أن قادة دول مجلس التعاون أكدوا في هذه القمة ضرورة إعداد استراتيجية مائية لدول المنطقة، وتأثيرات عمليات التحلية في مياه البحر، وتأثيراتها البيئية، وربطوا الأمن المائي في المنطقة بالأمن الغذائي أيضاً.

إن أهمية منطقة الخليج تزداد عاما بعد عام نتيجة للاقتصادات الصاعدة في هذه المنطقة التي تشكّل مصدر طاقة للكثير من دول العالم نتيجة لما يتوافر لها من مواد خام من النفط والغاز والمعادن المهمة الثمينة الأخرى. ومن هنا نرى أن العديد من المؤسسات الأجنبية تهتم بهذه المنطقة، وتعد الكثير من الدراسات عنها تغطي بعضها القطاعات المهمة مثل قطاع المياه والكهرباء والغذاء والسكان وغيرها. ومن الدراسات الأجنبية التي صدرت بشأن الموارد المتاحة في دول المجلس، دراسة بعنوان: ”مجلس التعاون الخليجي 2020: موارد للمستقبل”, حيث تبحث هذه الدراسة التي أعدتها وحدة تحليل معلومات الإكونوميست, حاجة السكان في دول المجلس إلى موارد الكهرباء والمياه والغذاء بعد عقد من الزمن، خاصة أن التوقعات تشير إلى زيادة عدد السكان في دول المجلس ليصل إلى 53.5 مليون نسمة عام 2020، أي بنسبة زيادة تقدّر بنحو 30 في المائة مقارنة بعددهم عام 2000، الأمر الذي يشكل ضغطا كبيرا على تلك الخدمات التي تتطلب التخطيط لها وتوفيرها في الوقت المناسب، مع ضرورة إنشاء المؤسسات والمراكز الاحتياطية التي تستطيع توفير مياه الشرب والاستخدام وتوفير الطاقة الكهربائية في حالات الطوارئ.

كثير من دول العالم عامة، ودول المجلس بصفة خاصة، تتعرض اليوم للكثير من التهديدات والمشكلات البيئية تتمثل في التصحر، وفقدان التنوع البيولوجي، وتلوث المناطق البحرية والساحلية، وتلوث الهواء، وندرة المياه، وجودتها، إضافة إلى ما نراه اليوم من الصراعات المسلحة والحروب الإقليمية، وشراء الأسلحة الفتاكة التي تسرف عليها الدول في المنطقة وخارج هذه المنطقة المليارات من الدولارات, التي لو صرفت في تحديث وزيادة وحدات إنتاج الكهرباء والمياه والبحث العلمي والتصنيع, لأصبحت اليوم واحدة من أكثر المناطق ازدهارا في العالم، وقل عدد الباحثين عن العمل فيها. وهذا ما نعانيه في دولنا أيضا, حيث إن أعداد العاطلين عن العمل من مواطني دول المجلس تتزايد عاما بعد عام.

وعموما فالكل يعرف أن الموارد المائية في أي دولة تعتبر من أهم الثروات التي تمتلكها الشعوب. ودول مجلس التعاون الخليجي على الرغم من أنها غنية في احتياطي البترول والغاز، إلا أنها تعاني الفقر سواء في موارد المياه أو في الأراضي الصالحة للزراعة، وفقا لبيانات الأمم المتحدة التي تصنف جميع دول مجلس التعاون الخليجي عدا السلطنة في خانة الدول التي تعاني ”ندرة حادة” في المياه. ما يعني أن نصيب الفرد في هذه الدول من المياه المتجددة سنويًّا أقل من 500 متر مكعب. ويرى خبراء البيئة أنها تقترب من 100 متر مكعب، فيما توقعت إحدى الدراسات الصادرة عن مركز الخليج للدراسات في دبي ألا تفي موارد المياه في دول المجلس سوى بحاجة 67 في المائة من السكان بحلول 2015. هذه المعضلة تتطلب اليوم الوقوف عندها لإيجاد الحلول اللازمة لقضية ندرة المياه في ضوء الاستهلاك الكبير لهذا المصدر المهم من مختلف شرائح المجتمع الخليجي سواء في الاستهلاك اليومي أو لغرض المشاريع التي يتم تبنيها في كل مدينة خليجية.

الاقتصادية 31 يناير 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*