هل تتهدد حرب المياه منطقة شرق إفريقيا؟


مستقبلاً من المتوقع أن يلعب التغير المناخي وتبعاته دورا كبيرا في تصعيد حدة الصراعات الدولية في مختلف أرجاء العالم. ويعد الخلاف بين إثيوبيا ومصر على مياه نهر النيل مثالاً على ذلك.
“إن المياه ستكون السبب الوحيد الذي قد يدفع مصر إلى خوض الحرب من جديد”. هذا ما قاله ذات مرة الرئيس المصري السابق والحاصل على جائزة نوبل للسلام أنور السادات. وقد ترك هذا التهديد أصداءه حتى اليوم في إثيوبيا، ذلك البلد الذي يقع – شأنه شأن مصر- على ضفاف النيل. وتتمثل المفارقة في أن أكثر من أربعة أخماس مياه النيل التي تصل إلى مصر تأتي من إثيوبيا، لكن من غير المسموح للإثيوبيين أنفسهم باستخدام مياه النهر لري حقولهم. ويرجع السبب إلى قانون تم سنه في عهد الاستعمار. آنذاك كانت بريطانيا لا تزال تسيطر على شرق أفريقيا وسمحت لمصر بالاستفادة من جزء كبير من مياه النيل. وبموجب تلك الاتفاقية مُنحت مصر حق النقض أيضا إذا ما حاولت دول حوض النيل الأخرى الإقدام على أخذ نصيب إضافي من مياه النهر.

خطط إثيوبيا
يأتي القسم الأكبر من مياه النيل الأزرق من إثيوبيا. وفي الآونة الأخيرة لم تعد إثيوبيا تهتم للشد والجذب من الجانب المصري ولا للقوانين التي تعود إلى حقبة الاستعمار. لقد أعدت إثيوبيا خططا لاستخدام الأنهار التي تجري في أراضيها بشكل مكثف مستقبلا. ومن المقرر بناء ست محطات للطاقة الكهرومائية وتعزيز ري الأراضي الزراعية. ويحتاج الإثيوبيون إلى السير قدما في هذا الاتجاه، فبلادهم تعد من بين أفقر البلدان في العالم، كما أن الكثير من الناس لا يحصلون على ما يكفي من احتياجاتهم من المياه النظيفة أو الكهرباء.
وكما يوضح الخبير في شؤون شرق إفريقيا بمؤسسة العلوم والسياسة في برلين شتيفان رول، فإنه إذا أقدمت إثيوبيا على توسيع نظم الري بشكل كبير، فستنخفض كمية المياه التي ستصل إلى مصر، لكن إثيوبيا ستكون قادرة على السيطرة على المياه التي تجري على أراضيها، وهذا ما ستسعى الحكومة في القاهرة لمنعه.
إن نهر النيل يسد تقريبا كامل احتياجات مصر من المياه. ويعيش 95 في المائة من السكان في مصر على ضفاف النيل وفي منطقة الدلتا، وهي لا تتعدى 5 في المائة من المساحة الكلية للبلاد. وإضافة إلى تزويد السكان بمياه الشرب، تُستغل مياه النهر أيضا في ري الحقول وتوفير إمدادات المياه للمشاريع الصناعية.  ونظرا لهذا الاعتماد الكلي على النيل،  فلن يكون مفاجأة أن يتحدث البعض في مصر- كما تحدث الرئيس السابق السادات- حول عمل عسكري لتأمين إمدادات المياه من نهر النيل.

مبادرة حوض النيل
ومنذ عام 1999 تتفاوض مصر وإثيوبيا ودول حوض النيل الثماني الأخرى، على إعادة توزيع مياه نهر النيل، وذلك في إطار المبادرة التي تعرف بمبادرة حوض لنيل. إلا أن المفاوضات التي استمرت على مدى أكثر من عقد كامل لم تتمخض عن نتائج. لذا قررت أربع من دول حوض النيل وهي إثيوبيا ورواندا وأوغندا وتنزانيا في عام 2010، عقد اتفاقية جديدة من جانب واحد، بحيث أعطت تلك الدول لنفسها الحق في الاستفادة من كمية أكبر من مياه نهر النيل. وانضمت كينيا للدول الموقعة على الاتفاق الرباعي، ووفقا لتقارير وسائل الإعلام، فإن بوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية ستنضم بدورها إلى قائمة الدول الموقعة.
لكن كيف ستأتي ردة الفعل من السودان ومصر، عندما تصل إلى أراضيهما كميات أقل من المياه من نهر النيل في السنوات القليلة المقبلة؟ وطبقا للسياسيين والمراقبين الأكاديميين، فإن هناك سيناريوهين محتملين: إما أن تجنح الأطراف المختلفة إلى المواجهة المسلحة أو إلى التعاون فيما بينها.

سوق رابحة بدلا من ساحة معركة
أما الخبراء في شؤون شرق أفريقيا، فيستبعدون نشوب حرب من أجل النيل. وكما يرى سورين شولفين من المعهد الألماني للدراسات العالمية والمحلية في هامبورغ، فإن هناك عدة أسباب لاستبعاد احتمال الحرب، إذ “يجب أن نضع في الاعتبار بأن معظم هذه البلدان تملك قدرات عسكرية محدودة جدا، وهي بالتالي ليست قادرة على استخدام قوتها العسكرية في حروب داخلية في المنطقة.” ويتوقع الخبير في شؤون شرق إفريقيا شتيفان رول، أن تساهم مشكلة ندرة المياه التي تتفاقم بشكل متزايد في شرق أفريقيا، في دفع  دول المنطقة إلى التقارب، هذا بالرغم من أن مصر سترفض أن تصبح حصتها من مياه النيل أقل مما كانت تحصل عليها حتى الآن.
إلا أن هناك حلا وسطاً وهو أن السعي للحصول على موافقة مصر على بناء سدود على منابع النيل، وخصوصا في الهضبة الإثيوبية. وفي المقابل، فإن نصيب مصر من المياه يبقى كما كان عليه من قبل. وهكذا يتم ضمان تدفق المياه بمنسوب ثابت وأيضا زيادة كمية المياه الصالحة للاستغلال. وبحسب تصور الخبير رول، فإنه من الممكن أيضا إنشاء سوق للمياه في المنطقة، بحيث يتسنى لدول المنطقة شراء أو بيع المياه. خطوات من هذا القبيل قد تمثل الحل الأمثل للنزاعات، عوضا عن اللجوء إلى السلاح.

مارتن شرادر/ نهلة طاهر
إذاعة ألمانيا 18 يناير 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*