المياه العربية والخطر الصهيوني

راكان المجالي    

إن جدلية الصراع على المياه، في شرق المتوسط وجواره، تكمن في الطبيعة الجغرافية السياسية للوطن العربي. ذلك أنّ أهم منابع المياه تقع خارج الأرض العربية، إضافة إلى التناقص المستمر للحصة النسبية للدول العربية من المياه، والاعتداء الفعلي المتواصل والمباشر من الدولة العبرية على الحقوق العربية المائية. ومع تزايد أعداد السكان، ونضوب بعض المصادر المائية، وإمكانية دخول بعض الموارد المائية الأخرى ضمن المصالح السياسية المتقلّبة، فإن المنطقة العربية تعيش أزمة مائية، وقلقاً حقيقياً على المستقبل. فالأمن الغذائي العربي مهدّد برمته، فالمياه وحدها هي التي تؤمن الغذاء، والعالم العربي يستورد حالياً ما يقارب أربعين في المائة من مجمل ما يستورده العالم الثالث من المنتجات الغذائية..،.
وإذا كان من الصعب هنا الإحاطة بكلّ مصادر التهديد المحيطة بمصادر المياه العربية، فإن الإشارة إلى دولة الكيان الصهيوني، ومدى تهديدها المتواصل لتلك المصادر، ربما يُشكّل بداية لإعادة طرح المسألة المائية العربية، على أنها واحدة من أهم عناصر الأمن القومي والوطني العربي معاً. ذلك أنّ كونها أحد عناصر الأمن الوطني لكلّ قطر عربي، يرتبط بأن حمايتها لا يمكن أن تتأتّى، إلا من خلال رؤيتها كعنصر من عناصر الأمن القومي، كما تفرضه الطبيعة الجغرافية والسياسية للمسألة المائية. وللأسف، فإن هذه الرؤية هي التي تشكّل المنظور الاستراتيجي لزعماء دولة العدو الصهيوني، في معالجة مسألة المياه العربية والفلسطينية،.
فبحسب تقديرات “دائرة المعارف الإسرائيلية”، فإن كمية المياه، المتاحة للأراضي الفلسطينية المحتلة، قد هبطت خلال السنوات العشر الأولى، بعد احتلال العام 1967، إلى النصف تقريباً. كما أن “إسرائيل” تحصل، من خارج حدود الخط الأخضر في فلسطين المحتلة، على: نصف إجمالي استهلاكها المائي تقريباً من جبل الشيخ ولبنان، وربع ذلك الاستهلاك من الضفة الغربية، ونحو خمسة عشر بالمائة من قطاع غزة. والحقُّ، إنّ الأطماع في مياه فلسطين قديمة، وتعود إلى 1839 م، أي بعد عام واحد من تاريخ افتتاح بريطانيا لقنصليتها في القدس، وبداية دعم الهجرات اليهودية من أوروبا إلى فلسطين. فمنذ ذلك الحين، لم تتوقف المحاولات والدراسات والاستكشافات الغربية، التي تهدف إلى السيطرة على مصادر المياه في المنطقة، تلبية لحاجات الاستيطان الزراعي الأساسي لإنشاء الكيان الصهيوني. ويذكر الباحث العربي الفلسطيني، حسام شحادة، أنّ قضية المياه شكّلت “مُركّباً أساسياً، في تصورات القادة الصهاينة، لحدود الدولة اليهودية، التي سعوا لإقامتها على أرض فلسطين”، بحرصهم على أن “تتمتّع بمقومات الدولة القادرة على الاكتفاء الذاتي الاقتصادي”، من خلال اشتمال حدودها على “الأرض الواسعة، ومصادر المياه الضرورية للزراعة والصناعة”. ما يعني، أنّ القائمين على إنشاء “الكيان الجديد” كانوا مدركين، ومنذ البداية، لأهمية المياه وضرورتها، من أجل نجاح المشروع، متحصّنين بالدراسات والخطط الكفيلة بالسيطرة على مصادرها.
فالمخططات الصهيونية، الخاصة بالسيطرة على الموارد المائية المتوفرة، تحدّدت في توسيع حدود الدولة المقترحة، بحيث تضمّ: الأراضي الواقعة إلى الشمال من فلسطين (أي جنوب لبنان الحالي) والشمال الشرقي (أي هضبة الجولان السورية)، بما في ذلك منابع نهري الأردن والليطاني، وجبل الشيخ (حرمون)، ونهر اليرموك وروافده.
وما لم يتمّ تحقيقه من هذه الأطماع الصهيونية، عبر المحطّات العسكرية الكبرى في الصراع مع العرب (حروب الأعوام: 1948، 1967،)1973، فإنها سعت إلى تحقيقه بوسائل أخرى، كالمشاريع العملية لسرقة المياه العربية واستغلالها. وهي مشاريع عملاقة نسبياً، إذا ما قيست بتراكم إنجازاتها، لأنّها شملت كل مصادر المياه المعروفة في المنطقة، فأقيمت السدود، وتمّ تحويل مياه نهري الحاصباني واليرموك، وكذلك استغلال مياه حوض نهر الأردن للمصلحة الإسرائيلية. هذا بالإضافة إلى استغلال مياه الينابيع المحلية، وسيول الوديان الجارية غربي الأردن، بدءاً من أقصى الحدود الشمالية وحتى غور أريحا، ناهيك عن العشرات من المشاريع الصغيرة، التي كان معظمها برعاية دولية. وتستفيد” إسرائيل” من طاقة مائية كبيرة من خلالها احتلالها للجولان. فقد سعت، مع توسع مستوطناتها فيه، إلى إقامة المشاريع المائية، والتي ازدادت خاصة بعد قوانين ضم الجولان رسمياً، في أواخر العام. 1981
أما الأطماع الإسرائيلية في المياه اللبنانية فهي قديمة جدا، وقد عمدت الحكومات الصهيونية إلى تنفيذ مشاريعها للسيطرة على المياه اللبنانية، من خلال تعطيل أي مشروع لبناني، يرمي إلى الاستفادة من هذه المياه، أو من خلال الاستيلاء التدريجي عليها. وحتى بعد انسحابها من الجنوب اللبناني، قبل نحو عشرة أعوام، فإنها لا تزال تستولي سنوياً على أكثر من ربع مليون متر مكعب من المياه اللبنانية، السطحية منها والجوفية. فهي تستغلّ حالياً، وبشكلْ شبه كامل، مياه نهري الحاصباني والوزاني، وبمعدّلات سنوية عالية. ولا تقف الأطماع الصهيونية في المياه العربية عند حدود جوارها، بل تمتدّ إلى نهري النيل والفرات، عبر السعي، من خلال علاقات إقليمية ودولية، إلى إقامة مشاريع تمكّنها من الحصول على المزيد من مياه المنطقة. فبرغم انطلاق مسارات التسوية والمفاوضات، قبل نحو عقدين من الزمان، فإن مشكلة المياه لا تزال من أبرز اهتمامات ومشاغل قادة ذلك الكيان. ووصل الأمر بالدولة العبرية إلى اشتراطها على “واشنطن”، خلال التوقيع على اتفاق شراكة بينهما، تعهّد الولايات المتحدة بضمان توفير المياه لـ”إسرائيل”. وبالفعل، فقد تمّ تداول عدة مشاريع، تضمن لها الحصول على مياه إضافية، من حصة سوريا من نهر دجلة، ومن حصة مصر من نهر النيل..، إضافة إلى حصة أخرى من مشروع تحلية مياه البحر المتوسط، بتمويل أوروبي وأمريكي. غير أنّ تلك المشاريع والاتفاقيات لا تعني شيئاً، بالنسبة لدولة المحاربين، فقادتها يصرّون على الاستيلاء على مصادر المياه العربية، حتى لو تمّ التوقيع على أي اتفاق مع أي دولة عربية، فسوف يقومون بخرقه، عند الإحساس بأي خطر مائي، كمواسم الجفاف الحالية،.
وربما، ليس من باب الصدفة، أن الأطماع الصهيونية السابقة مترسّخة، حدّ اليقين، في الوجدان الشعبي العربي، ومن دون وثائق أو دراسات، أكثر بما لا يقاس من أخذ الحكومات العربية لها كأخطار وتهديدات على محمل الجدّ، فانخفاض منسوبي نهري دجلة والفرات، في بلاد الرافدين، وجفاف نهر الأردن وبحره الميت، وتصدّع أمن المنبع والمسار لحوض النيل ونهره، غير كافية بالنسبة إلى حكوماتنا، لمواجهتها كأخطار حقيقية، تستدعي النفير، قبل أن تبدأ هجرات “الظمأ..،”في الفيافي العربية.

الشرق القطرية 22/1/2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*