حروب المياه .. وضع سد على نهر براهمابوترا وتبعات ذلك

راجيف رانجان

في الثامن عشر من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2010، أكدت صحيفة ”الشعب” اليومية، الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني، أن الصين بدأت عملية إنشاء سد على نهر براهمابوترا، الذي يعرف كذلك باسم يارلونج زانجبو في الصين، من مناطقه الوسطى. وهذا يعتبر بداية إنشاء محطة زانجمو لتوليد الكهرباء بالقوة المائية، وهي المحطة التي أثارت كثيرا من الجدل، وأول معمل ضخم لتوليد الطاقة الكهربائية في التبت.

تعتبر التبت مصدر كثير من الأنهار الرئيسة التي تجري باتجاه جنوب وجنوب شرقي آسيا، حيث تشكل نحو 90 في المائة من إمدادات المياه إلى المنطقة. وتعمل الآن في التبت كثير من معامل توليد الكهرباء بالقوة المائية في سبيل الاستفادة من الكهرباء، وهي مشاريع لا بد لها من أن تؤدي إلى استغلال الموارد الطبيعية، على نحو يؤثر سلبا في الثقافة الغنية والتنوع الحيوي في المنطقة.

يعتبر السد الذي سيقام على نهر براهمابوترا أحدث محطة لتوليد الكهرباء بالطاقة المائية، وهو استثمار في حدود 1.2 مليار دولار، وسيتم إنشاؤه على جانب المناطق الوسطى لنهر يارلونج زانجبو، التي تعتبر أعلى المناطق في العالم. وهي تقع على بعد 325 كيلومترا إلى الجنوب الشرقي من مدينة لهاسا. ويتألف المشروع من سلسلة من خمسة سدود، بطاقة إجمالية مقدارها 510 ميجاواط. ويخشى المراقبون أن يعمل المشروع على تقويض التنمية المستدامة لمنطقة التبت، ومن الممكن أن تؤثر سلبا في توفر المياه في البلدان المنخفضة بالنسبة للنهر، مثل الهند وبنجلادش.

إن السعي إلى تحقيق تقدم اقتصادي سريع في الصين، مدفوع بالإصلاحات الاقتصادية لعام 1978، هذا السعي أدى إلى تحقيق قفزات في الطلب على المياه في الصين. وبعد سنوات من القحط والجفاف والتصحر وانجراف التربة وتلوث المياه، فقد اضطرت بكين أكثر من ذي قبل إلى البحث عن مصادر بديلة للمياه، في سبيل تلبية احتياجات الطلب المحلي المتزايد باستمرار على المياه، وفي سبيل استدامة التنمية الاقتصادية كذلك. ووصلت هذه المتطلبات أوجها في مولد أكثر المشاريع طموحا في الصين، وهو ”مشروع نقل المياه من الجنوب إلى الشمال” في أيام حكم ماوتسي تونج. ويهدف المشروع إلى توفير المياه للمناطق القاحلة الواقعة في شمال الصين، من خلال تحويل مجرى المياه من وادي نهر يانجتزي إلى المناطق الوسطى والمنخفضة للنهر الأصفر وغيره من الأنهار الأخرى عن طريق مسار في الغرب.

يعتبر نهر براهمابوترا من الأنهار الرئيسة في جنوب آسيا، وله أهمية ضخمة في كل من الهند وبنجلادش. تشكل مياه هذا النهر نحو 30 في المائة من إجمالي موارد المياه، ونحو 40 من إجمالي القدرة الكامنة لتوليد الكهرباء بالطاقة المائية. وبالنسبة لبنجلادش فإن النهر له أهمية حيوية أكثر حتى من الهند، على اعتبار أنه يزود مياه الشرب، ويعتبر الهبة السنوية للمناطق الخصبة في الأراضي الزراعية. بالتالي، فإن المنافع الاقتصادية التي تعود على الناس من هذا النهر ذات طابع يمتد عبر بلدان عدة. نتيجة لذلك، فإن أية محاولات من قبل الصين للتلاعب في خط سيره الطبيعي تُدخِل بعدا دوليا له مضامين استراتيجية لا يستهان بها.

من جانب آخر، فإن سكان المناطق الشمالية الشرقية في الهند يعتمدون إلى حد كبير على هذا النهر في معيشتهم وتصريف شؤونهم المعيشية والاقتصادية، بالتالي حين يتم تحويل خط النهر على نطاق واسع ويقل منسوب المياه، فإن من شأن ذلك الإضرار بصورة لا يستهان بها بالاقتصاد، ويؤثر في مقدار ومنسوب المياه السطحية في الشمال الشرقي. وأي محاولة للسيطرة على المجرى الطبيعي للنهر تخلق مشكلات لها علاقة بالطمي والرواسب النهرية، التي بدورها تؤثر بصورة سلبية في الزراعة.

مع ذلك، فقد جاء على لسان لي تشاويي، وهو كبير المهندسين في شركة هوانينج الصينية، التي تعتبر المقاول الرئيس لتنفيذ المشروع، في وكالة أنباء كزينهوا الرسمية، أنه لن يتم إيقاف حركة النهر أثناء الإنشاء، ولا بعد تشغيل السد. والواقع أن المياه ستجري مع مجرى النهر عبر توربينات مائية وقنوات صناعية، على نحو لا يؤثر في مستويات المياه النازلة. بصرف النظر عن النغمة المطمئنة في هذا التصريح، من الواضح أن وزيرة الخارجية الهندية نيروباما راو أثارت عددا من الجوانب المثيرة للقلق مع نائب وزير الخارجية الصيني زانج جيجون، بخصوص الأثر المحتمل على مستوى المياه النازلة بفعل المشروع، وبدوره طمأن نائب وزير الخارجية الصيني السيدة راو بأن المشروع غير مصمم لتحويل مجرى المياه ولن يؤثر في رفاهية السكان أو مدى توافر المياه في المناطق الدنيا من مجرى النهر.

لكن بعض المحللين الاستراتيجيين الصينيين يصرون تماما على أن الأثر السلبي الناتج من إنشاء السد في نهر براهمابوترا ينفي المنافع التي يرمي إليها إنشاء المشروع. ومن المرجح أن يؤثر المشروع سلبا ويؤدي إلى تدمير التنوع الحيوي في منطقة تطورت على مدى ملايين السنين. كما أن حجب مجرى النهر ربما يدمر بصورة لا رجعة فيها توازن النظام البيئي في المنطقة. ويؤكد فان كزياو، وهو مهندس لدى مكتب سيتشوان الإقليمي للتنقيب الجيولوجي والتنقيب عن الموارد الطبيعية، أنه حتى لو تم بناء السد حسب الخطة، فربما لا يستطيع العمل بصورة جيدة عند المرتفعات العالية، حيث من المرجح أن تكون الأنهار متجمدة خلال معظم العام، وفي منطقة تخضع للكوارث الطبيعية، مثل الزلازل.

لكن الأمر الذي ينذر بالخطر أكثر حتى من ذلك بالنسبة لبنجلادش على وجه الخصوص، فهو أن تحويل المجرى الطبيعي ربما يؤدي بصورة كبيرة إلى مشكلة وجودية. وربما تعاني بنجلادش أزمة في المياه، ومن الممكن أن يهبط الإنتاج الزراعي بصورة لا يستهان بها، وهذا ما يؤدي بدوره إلى خلق مشكلة غذائية، وهو أمر من شأنه أن يضطر ملايين الأشخاص إلى الهجرة إلى الهند. ومن غير المرجح أن الهند، التي يمكن أن تواجه مشكلة مماثلة، سترحب باللاجئين البيئيين.

هناك مخاوف من أن مشاعر القلق حول المياه يمكن أن تتخذ بعدا سياسيا واضحا ومكشوفا، وربما تتصاعد الأمور حتى لتصل إلى مواجهة عسكرية محدودة تهدد السلام والاستقرار في المنطقة، بالتالي من المهم تماما أن تعمل الصين والهند وبنجلادش معا نحو إدارة مشتركة للنهر، في سبيل التنمية المستدامة لحوض نهر براهمابوترا، إذا أرادت الأطراف أن تتجنب التوتر السياسي والمواجهة العسكرية. وينبغي كذلك على البلدان الثلاثة جميعا أن تتوصل إلى اتفاقيات ملزمة من الناحية القانونية تهدف إلى اقتسام موارد المياه وتطوير الإمكانات الاقتصادية الكامنة لهذا النهر.

الاقتصادية 1 يناير 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*