أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ؟

عثمان الخويطر

«أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ» (سورة الواقعة)، «قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ» (سورة الملك)، «وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ» (سورة الأنبياء).

يُذكِّرنا ربنا جل شأنه، في هذه الآيات الكريمة، بأهمية الماء في حياتنا، فلا حياة لنا دون الماء. وهذا التنبيه الرباني مُوجه إلى جميع البشر، بمن فيهم الأكثرية الذين يعيشون على ضفاف البحيرات والأنهار وأماكن هطول الأمطار. ونحن قد كتب الله علينا أن تكون بلادنا أكثر شحا في الماء من أي مكان آخر في العالم قاطبة، ونحمد الله على ذلك. ولكنه – سبحانه وتعالى – منَّ علينا، كباقي البشر، بعقول نُفكر بها ونتبين بواسطتها ما الذي يجب علينا عمله حتى نُحافظ على دوام وجود هذا الماء القليل من أجل أن تبقى لنا الحياة. وقد كنا خلال العصور الماضية لا نستهلك من الماء إلا بقدر ما كنا نحتاج إليه. ومنذ ولوجنا إلى الحياة العصرية واكتشاف الثروة النفطية وتغيُّرُ عاداتنا الحياتية والمعيشية أصبح بقدرة قادر استهلاك الماء بالنسبة للفرد عندنا من أعلى النسب في العالم. وهو أمر، بطبيعة الحال، يدعو إلى الدهشة والاستغراب! فمكاننا الطبيعي أن نكون أقل الناس استهلاكا للماء. وهل هذا التصرف من جانبنا نتيجة لجهل منا بأهمية كل قطرة من الماء نستخرجها من عمق الأرض دون أن نعلم متى تنضب تلك القطرات، أم أن هي طفرة الثروة الهائلة التي نزلت علينا بلا مجهود منا، وهي أيضا ناضبة في يوم ما؟ في كلتا الحالتين، نحن لم ندرك بعد خطورة الوضع المائي الذي ينتظرنا عاجلا أم آجلا.
وهناك الكثيرون من إخواننا الكتاب المخلصين الذين يتناولون هذا الموضوع من وقت إلى آخر ويبينون مدى إسرافنا غير المقبول في استهلاك الماء ويطلبون من المسؤولين في الوزارات المختصة اتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من الإسراف غير المبرر. ولكن لا نرى إلا مزيدا من التبذير، وعلى وجه الخصوص في النواحي الزراعية. فكل منْ أراد أن يقوم بحفر بئر ماء ليسقي مساحات واسعة في وسط الصحراء الجافة لا يجد منْ يقول له قف وحاسب! فالتوسع في جميع مجالات الزراعة الضروري منها وغير الضروري دون قيد أو شرط لا يخدم مصالحنا المستقبلية. ونحن نشعر أننا على حافة الهاوية إذا استمر هذا الاستنزاف الهائل لمورد ناضب. أضف إلى ذلك الإسراف في استهلاك الماء في البيوت والمرافق العامة، وكأننا ننزف من البحر وليس من مصدر محدود في باطن الأرض. والسبب في ارتفاع نسبة الاستهلاك يعود إلى أن ما يُقارب 90 في المائة من الماء الذي نستخرجه من المياه الجوفية ليس عليه أي نوع من الرسوم، وحتى النسبة الباقية تُباع بأسعار زهيدة ورمزية. وليس المقصود هنا تحميل المواطن مصاريف إضافية، بقدر ما هو تشجيع على الاقتصاد في استهلاك مورد ناضب.
نحن أمة غافلة، نهتم بشؤون يومنا أكثر من اهتمامنا بيوم غد، فلا نكاد نلقي بالا لأمور مستقبلية مهمة هي بالنسبة لنا مسألة حياة أو موت. فكل ما نعيش عليه اليوم من الموارد الطبيعية الرئيسة تأتينا من مصادر قابلة للنضوب المبكِّر، ومع ذلك فلا نتمهل قليلا لنحاسب أنفسنا على تفريطنا في مقدراتنا، وننسى أننا ربما نجد حالنا في المستقبل المنظور وقد فقدنا كل شيء. وهكذا حال الأمم التي لا تُخطط لمستقبلها البعيد في وقت الرخاء. ويكفي أن معظم محتويات خططنا الخمسية قصيرة المدى تكون حبرا على ورق. لقد كنا نسمع منذ أكثر من 40 عاما عن النية لاستقطاب شركات أجنبية مُتخصصة لدراسة الموارد المائية في المملكة وتقدير الباقي من عمرها، من أجل أن نكون على بينة من أمرنا؛ وحتى لا تُباغت أجيالنا بأخبار غير سارة. فعدد السكان في المملكة في ازدياد مستمر واستهلاك الماء يزيد كل سنة عن التي قبلها. ولدينا شواهد كثيرة على سرعة انخفاض مستوى المياه الجوفية التي ليس هناك خلال السنوات المتأخرة ما يُغذيها، بعد ما قل نزول الأمطار. ففي المناطق الزراعية في مختلف أرجاء المملكة يضطر المزارعون في غضون سنوات قليلة إلى تعميق موقع مضخات الماء بين وقت لآخر بضعة أمتار، وهو دليل على وجود انخفاض كبير لمنسوب المياه الجوفية مع مرور الوقت.
ومع الأسف أننا لا نسمع عن إحداث نُظُم صارمة وتوجهات تتعلق بوسائل الحد من استنزاف ثروتنا المائية، كتحديد أنواع الأعلاف والنباتات التي يجب أن تقتصر عليها الزراعة، إما لضرورتها أو لقلة استهلاكها للماء. ونحن نُشاهد، على سبيل المثال، توسعا هائلا في زراعة النخيل يزيد كثيرا على حاجتنا المحلية، خصوصا أن الأجيال الجديدة من المواطنين لا يتناولون التمر كما كانت عادة آبائهم. ولا نعلم إن كان تصديره إلى الخارج اقتصاديا، مع الأخذ في الاعتبار قيمة كميات المياه التي تستهلكها النخلة. وإن كنا نود ألا نُصدر أي سلعة من البضائع التي تستخدم الماء في زراعتها أو صناعتها على الإطلاق. وعلى الرغم من أن بلادنا هي الأولى بين بلدان العالم في إنتاج مياه التحلية، حيث تبلغ ما يزيد على 17 في المائة من الإنتاج العالمي، فهذه هذه الكمية الكبيرة من المياه العذبة لا تُمثل إلا نسبة متواضعة من مجموع الاستهلاك المنزلي. وعملية التحلية تستهلك كمية عالية من الطاقة، التي ربما لا تكون مُتوافرة لنا في المستقبل بالقدر الذي لدينا اليوم، فهي بوجه عام عملية مُكلفة. ونأمل – إن شاء الله – أن نتوسع أكثر في إنشاء مرافق التحلية باستخدام الطاقة الشمسية لإنتاج الماء والكهرباء معا، وأن نكون في المقدمة في بحوث تقنية التحلية.
ونحن ندرك أن المواطن السعودي لا يطيق سماع اقتراح بوضع رسوم على استهلاك المياه التي تُستخدم في الزراعة والمرافق الصناعية، عن طريق تركيب عدادات عند فوهة كل بئر ماء. على أساس أن الدولة لديها دخل كبير من عملية تصدير النفط ولا حاجة لها بضريبة على الماء. وهذا منطق سليم لا غبار عليه، ولكن لا بُدَّ من حماية المصادر المائية الشحيحة من الإسراف والتبذير. ولا أجدى لذلك من فرض نوع من الرسوم المالية التي يكون هدفها الحد من الاستنزاف الجائر للماء، واستخدام المحصول المالي لحساب مشاريع إضافية للتحلية. وأمام المزارعين اختيارات كثيرة لتقليل استهلاك الماء عندما يدركون ألا مفر من دفع قيمة لأي كمية يستخرجونها. وأول هذه الخيارات تحسين طرق الري، بتجنب التبخر الشديد وإهدار نسبة كبيرة من الماء عند الاستمرار في تطبيق الطرق البدائية وعدم المحافظة على الأوقات المثالية للري. أما إذا استمر الوضع على ما هو عليه اليوم، فسوف لا نحصد إلا الندم عندما لا ينفع الندم. فنحن نتحدث عن مستقبل أمة تعيش وسط الصحراء لا يعلم مصيرها إلا الله. والماء ليس من السلع والمواد التي من الممكن استيرادها، هذا إذا كنا نملك المال، في الوقت الذي تكون فيه ثروتنا النفطية قد بدأت تأخذ مسارها التنازلي.
ومنذ سنوات والعالم مُتخوف من حدوث حروب طاحنة بين بعض الدول المتجاورة بسبب نقص الماء، وعلى وجه الخصوص الدول التي تشترك في الأنهار ومعروف حصة كل دولة من الماء المشترك. أما نحن فلن نضطر لمحاربة أحد بخصوص الشح المُتوقع للمصادر المائية، وإنما ستكون أزمة داخلية تحتاج منا إلى عمل جماعي لتفادي حدوثها. وقد كان أجدادنا يُعالجون وضع أي شح طارئ في المصادر المائية بترك الأرض والهجرة بكل حرية إلى بلاد أخرى. أما في وقتنا الحاضر فلا لخروج من سبيل.

الاقتصادية 19 ديسمبر 2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*