لا تدعوا شعب اليمن يعطش

حليمة جيلمان

يبدو الوضع الأمني في اليمن هشاً، فقد أعلن تنظيم ‘القاعدة’ في شبه الجزيرة العربية، الذي يتخذ من اليمن مقراً له، مسؤوليته عن طردين مفخخين كانا مرسلَين إلى شيكاغو الشهر الماضي، واليوم، يشكل نشر موقع ‘ويكيليكس’ وثائق تكشف عمليات سرية نفذتها طائرات أميركية من دون طيار وأمّن لها الرئيس اليمني الغطاء اللازم تحدياً جديداً يهدد الأمن القومي الأميركي.
أضف إلى ذلك الحركة الثورية اليمنية في الشمال، والحركة الانفصالية في الجنوب، ومعدل البطالة الذي يبلغ 40%، وتراجع احتياطي النفط، ومئات آلاف اللاجئين والمهجرين داخل اليمن. فضلاً عن ذلك، يعيش أكثر من نصف سكان هذا البلد بأقل من دولارين يومياً.
رغم كل هذه المشاكل، تبقى أزمة المياه الخطر الأكبر الذي يهدد مستقبل اليمن، فقد بدأت المياه تنفد بسرعة في هذا البلد، حيث يذكر الخبراء أن الماء سينفد في صنعاء، عاصمة اليمن، بحلول عام 2020، ولا شك أن ندرة المياه ستولّد صراعات جديدة وتعزز عدم الاستقرار، ومع تردي الأوضاع في اليمن، ستحاول مجموعات ‘القاعدة’ ملء الفراغ الناجم، وإذا كانت الولايات المتحدة ترغب حقاً في محاربة الإرهاب في اليمن، فعليها أن تعالج مشكلة النقص في المياه بوسائل فاعلة.

ندرة المياه
تؤمّن الدولة في اليمن راهناً الماء لعشرين في المئة فقط من السكان، ففي صنعاء، يعتمد نحو 70% من الناس على شاحنات خاصة لنقل الماء، وقد ارتفعت كلفة الماء ثلاثة أضعاف خلال السنة الماضية، ما أرغم العائلات على إنفاق ثلث مدخولها على شراء الماء، ويؤكد ‘معهد كارنيغي للسلام الدولي’ أن هذه الكارثة باتت وشيكة، مشيراً إلى أن ‘صنعاء ستكون أول عاصمة في التاريخ الحديث تجف مواردها المائية’.
علاوة على ذلك، أفاد مدير مشروع إدارة مياه حوض صنعاء، الذي يموّله البنك الدولي، أن الماء الذي ينقبون لاستخراجه من المناطق المحيطة بصنعاء يُعتبر آخر مخزون طبيعي للمياه. ومن المتوقع أن تزداد الصراعات على موارد الماء مع إدراك المجتمعات أن آبارها نضبت وأنها ما عادت قادرة على تحمل كلفة الماء المتفاقمة. فضلاً عن ذلك، توضح بعض التقارير أن نحو 80% من الخلافات الراهنة في اليمن سببها الماء.
نجمت هذه الأزمة عن التغيرات المناخية وسوء إدارة المياه واستخدامها بطريقة غير مسؤولة، فقد تراجع تساقط الأمطار على نحو حاد في اليمن، وبدأت المياه الجوفية تجفّ سريعاً، حتى باتت 99% من عمليات التنقيب عن الماء غير مشروعة، كذلك، لا تتمتع الحكومة في صنعاء بسلطة تُذكر خارج العاصمة.

المخدرات والنمو السكاني
ما يفاقم مشكلة النقص في المياه في اليمن إدمان اليمنيين على ‘القات’، فيمضغ نحو 70% من الرجال اليمنيين يومياً أوراق هذه النبتة التي تتمتع بتأثير مخدر محدود، ونتيجة لذلك، تخلى معظم المزارعين عن زراعة المحاصيل الغذائية واستبدلوها بالقات، بما أن هذا المخدر يدر أرباحاً أكبر، لكن هذه النبتة العطشى تستهلك أكثر من نصف مخزون المياه في اليمن.
تزاد أزمة المياه تعقيداً مع النمو السريع لعدد السكان، إذ يبلغ معدل النمو في اليمن 7% سنوياً، ونتيجة لذلك، تُصنّف صنعاء بين العواصم الأكثر نمواً من حيث عدد السكان في العالم، فقد ازداد عدد القاطنين فيها أربعة أضعاف خلال السنوات الخمسين الماضية. ومن المتوقع أن يرتفع ثلاثة أضعاف إضافية بحلول عام 2015، فسيرتفع عدد سكانها، وفق التقديرات، من 23 مليون نسمة إلى 60 مليوناً.

المساعدات العسكرية غير كافية
مع تفاقم أزمة المياه، من المتوقع أن يصبح الوضع في اليمن أكثر عنفاً واضطراباً، مما ينعكس سلباً على الأمن القومي الأميركي، فقد أقر المسؤولون الاستخباراتيون الأميركيون بأن اليمن يضم خلية ‘القاعدة’ الأكثر نشاطاً وتنظيماً خارج الحدود الأفغانية-الباكستانية، لذلك، أنفقت الولايات المتحدة أخيراً أكثر من 150 مليون دولار على تحسين قدرات اليمن لمكافحة الإرهاب وتدريب قواه الأمنية وتجهيزها، كذلك، كشفت تسريبات ‘ويكيليكس’ أن الولايات المتحدة نفذت هجمات بطائرات من دون طيار في اليمن أيضاً.
لكن التحديات الأمنية في اليمن أكثر تعقيداً من أن تُحلَّ من خلال دعم قوى الأمن أو إطلاق حملات عسكرية سرية، ومن الضروري أخذ أزمة الماء الوشيكة وعدم الاستقرار الذي سيرافقها في الاعتبار، ويجب أن تشمل أي جهود للتعاطي مع الإرهاب في اليمن حلولاً لقضية المياه هذه.
لا تعالج المساعدات العسكرية أو اللجوء إلى القوة مشاكل الفقر والنقص في التعليم وغياب الحاجات الأساسية، التي تعزز عقيدة المتطرفين، لذلك، ينبغي للاستراتيجيات الطويلة الأمد التركيز على بناء السلام، والتعليم، والنمو الاقتصادي، فضلاً عن حلول فاعلة لتفادي أزمة المياه.
لا شك أن تصرف الولايات المتحدة سيكون غير مسؤول في حال ركز على البعد السياسي للتحدي اليمني، فلن تختفي مشاكل هذا البلد الكثيرة باعتماد مقاربة محدودة أو قصيرة الأمد، ولن يتحقق الاستقرار الذي يأمل الغرب نشره في اليمن ما لم تُعالج أزمة الماء في هذا البلد بطريقة فاعلة.
* حاصلة على ماجستير في مركز الشؤون العالمية في جامعة نيويورك، وعملت في العديد من الفعاليات المعنية باللاجئين والنساء وبناء السلام في السودان ومصر والمغرب والجزائر.
الجريدة 5 ديسمبر 201
0

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*